بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
قال الإمام ابن كثير -رحمه الله تعالى-: مسألة: ومن أخذ على التحديث أجرةً، هل تقبل روايته أم لا؟ روي عن أحمد وإسحاق وأبي حاتم أنه لا يكتب عنه لما فيه من خرم المروءة، وترخص أبو نعيم الفضل بن دكين، وعلي بن عبد العزيز وآخرون كما تؤخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد ثبت في صحيح البخاري «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»، وقد أفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فقيه العراق ببغداد لأبي الحسين بن النقور بأخذ الأجرة لشغل المحدثين له عن التكسب لعياله.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أخذ الأجرة على تعليم العلم الشرعي كالتفسير والحديث والفقه والعقائد وغيرها مختلفٌ فيه بين أهل العلم، فممن منعه الإمام أحمد -﵀- وإسحاق وجمعٌ من أهل العلم، منعوه احتياطًا، وقالوا: ينبغي ألا يروى عمن اشترط الأجرة، وكأنهم قاسوا ذلك على من اشترط الأجرة في إمامة الناس مثلًا، فالإمام أحمد يقول: من يصلي خلف هذا؟ الذي يصلي بهم؟ يقول: لا أصلي بكم رمضان إلا بكذا، بمبلغ كذا، يقول الإمام أحمد: من يصلي خلف هذا؟ لكن في المسألة حديثٌ صحيح صريح، مخرجٌ في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد: «إن أحق من أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»، وإذا جازت الأجرة على تعليم القرآن وتعلمه وتعليمه عبادةٌ محضة فأخذ الأجرة على الحديث والفقه والتوحيد وغيره من علوم الشرع من باب أولى.
[ ٩ / ٣ ]
وعلى كل حال من تورع وتبرع وعلم الناس مجانًا، كما عُلم مجانًا فأجره موفورٌ عند الله -﷾-، لكن المنع من ذلك يحتاج إلى دليل، بل الدليل على خلافه، نعم من كان همه وقصده الدنيا بحيث لا يفعل أو لا يعمل عملًا شرعيًا إلا بأجرة هذا لا شك أنه عنده خلل، أما العلم غير العلم الشرعي من علوم الدنيا فلا بأس بأخذ الأجرة عليه قولًا واحدًا، كالطب والهندسة وغيرها؛ لأنها كغيرها من المهن والحرف، كما يشتغل المزارع بأجرة يعلم الزراعة بأجرة، كما يشتغل المهندس بأجرة يعلم الناس الهندسة بأجرة لا بأس.
الوسائل إلى العلوم الشرعية من أهل العلم من يلحقها بالمقاصد، فتعليم اللغة ينبغي أن يكون مجانًا، وإن كان تعليمها أخف، وأخذ الأجرة عليها أخف من العلوم الشرعية المحضة عند من يمنع ذلك، ومن أهل الحديث من يفرض في تعليم العربية لكل بيتٍ من أبيات الألفية أجر معين، كل بيت بدرهم، ولا إشكال في ذلك -إن شاء الله تعالى-، لكن ينبغي أن يكون هذا العلم الذي يبتغى به وجه الله -﷾- مما يبذل مجانًا؛ ليكون الأجر موفورًا يوم القيامة.
أما من يعلم الناس وقصده الدنيا من غير نظرٍ ولا التفات إلى الآخرة فهذا على خطرٍ عظيم ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [(١٥) سورة هود] إلى آخره، لكن الشأن فيمن يعلم الناس يبتغي بذلك وجه الله، ويؤخذ أجرةً يستعين بها على أمور دنياه هذا الذي أجازه جمهور العلماء، لا سيما إذا عاقه تعليم الناس عن التكسب لعياله، فأخذ الأجرة خيرٌ من أخذ الزكاة، وتكفف الناس، والحاجة إليهم، نعم.