أي هذا مبحثهما وهما النوع السابع عشر والثامن عشر وجمع بينهما لتقابلهما.
١٨٢ - وَذُو الشُّذُوذِ مَا رَوَى المَقْبُولُ مُخَالِفًا أَرْجَحَ، وَالمَجْعُولُ
١٨٣ - أَرْجَحَ مَحْفُوظٌ وَقِيلَ مَا انْفَرَدْ لَوْ لَمْ يُخَالِفْ، قِيلَ: أَوْ ضَبْطًا فَقَدْ
(وذو الشذوذ) مبتدأ خبره ما، والشَّاذ لغة المنفرد عن الجماعة يقال شذ يشذ ويشذ بضم الشين المعجمة وكسرها شذوذًا إذا انفرد واصطلاحًا هو (ما) أي الحديث الذي (روى) أن نقله الراوي (المقبول) أي الثقة حال كونه (مخالفًا) بالزيادة أو النقص في السَّند أو المتن وقوله: (أرجح) مفعول به لمخالفًا أي أولى منه إما لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات (والمجعول) مبتدأ وقوله: (أرجح) مفعول ثانٍ له أي الحديث الذي جعل أرجح من مُقَابِلِهِ لرجحان راويه (محفوظ) خبر المبتدإ أي يقال له: محفوظ لأن الغالب أنه محفوظ عن الخطأ.
وحاصل المعنى: أن الشَّاذ هو ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه لما ذكر، ومقابله هو المحفوظ.
وهذا التعريف هو المعتمد بحسب الاصطلاح كما قاله الحافظ في شرح النخبة، وهو المنقول عن الشافعي ﵀ كما أخرجه الحاكم من
[ ١ / ١٩١ ]
طريق ابن خزيمة عن يونس بن عبد الأعلى، قال: قال لي الشافعي: ليس الشَّاذ أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره إنما الشَّاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى النَّاس ذكره في التوضيح، وكذا حكاه أبو يعلى الخليلي عن جماعة من أهل الحجاز وغَيرُهُ عن المحققين، قال السخاوي: ومن هنا يتبين أنه لا يحكم في تعارض الوصل والرفع مع الإرسال والوقف بشيء معين بل. إن كان من أرسل أو وقف من الثقات أرجح قدم وكذا بالعكس.
مثال الشذوذ في السَّند: ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس: " أن رجلًا توفي على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يدع وارثًا إلا مولى هو أعتقه " الحديث. فإن حماد بن زيد رواه عن عمرو مرسلًا بدون ابن عباس لكن تابع ابن عيينة على وصله ابن جريجٍ وغيره، ولذا قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة. هذا مع كون حماد من أهل العدالة والضبط لكنه رجح رواية من هم أكثر عددًا منه.
ومثاله في المتن زيادة يوم عرفة في حديث: " أيام التشريق أيام أكل وشرب " فإن الحديث من جميع طرقه بدونها وإنما جاء بها موسى بن عُلَيّ بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر كما أشار إليه ابن عبد البر قال الأثرم: والأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشَّاذ وقد يهم الحافظ أحيانًا على أنه قد صحح حديثَ موسى هذا ابنُ خزيمة وابنُ حبان والحاكمُ وقال: إنه على شرط مسلم، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح وكان ذلك لأنها زيادة ثقة غير منافية لإمكان حملها على حاضري عرفة. . اهـ كلام السخاوي.
وبما تقرر علم أن شرط الشذوذ أمران الثقة والمخالفة. ولما خالف في هذا بعضهم ذكر ذلك بقوله: (قيل) الشَّاذ هو (ما انفرد) أي الحديث الذي انفرد بروايته المقبول أي الثقة و(لو لم يخالف) من هو أرجح منه، والمعنى: أن الشَّاذ على هذا القول هو ما انفرد به الثقة وإن لم يكن مخالفًا للأرجح.
[ ١ / ١٩٢ ]
وهذا القول للحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك قال: هو ما انفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل متابع لذلك الثقة فاقتصر على قيد الثقة وحده، وزاد أيضًا قوله: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على هذا، قال الحافظ: وهذا القيد لا بدَّ منه قال: وإنما يغاير المعلل من هذه الجهة، قال: وهو على هذا أدق من المعلل بكثير فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة وكان في الذروة من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة ورزقه الله نهاية الملكة انتهى كلام الحافظ. ونقله في التوضيح.
قال الناظم: قلت ولعسره لم يفرده أحد بالتصنيف، ومن أوضح أمثلته ما أخرجه في المستدرك من طريق عبيد بن غَنَّام النخعي عن علي بن حكيم، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قال: " في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى" وقال: صحيح الإسناد، ولم أزل أتعجب من تصحيح الحاكم له حتى رأيت البيهقي قال: إسناده صحيح ولكنه شاذ بمرة. اهـ تدريب.
وقال السخاوي: ثم إن الحاكم لم ينفرد بهذا التعريف بل قال النووي في شرح المهذب: إنه مذهب جماعة من أهل الحديث. قال: وهذا ضعيف اهـ.
فعلم بما قررناه أن شرط الشذوذ عند الحاكم كون المنفرد ثقة.
وخالف بعضهم في الشرطين المذكورين أيضًا وإليه أشار بقوله: (قيل) الشَّاذ ما انفرد به واحد سواء كان ضابطًا (أو ضبطًا فقد) أي أو لم يكن ضابطًا.
والمعنى: أن الشَّاذ على هذا القول هو ما انفرد بروايته واحد سواء كان ثقة أم غير ثقة، فقوله: " أو ضبطًا فقد " بمعنى قوله: أم غير ثقة، ولو قال بدله: قِيلَ مَا فَرْدًا وَرَدْ: لكان أوضح، يعني أن الشَّاذ هو الفرد مطلقًا سواء
[ ١ / ١٩٣ ]
كان الراوي ثقة أو غير ثقة خالف أو لم يخالف وهذا القول للحافظ أبي يعلى الخليلي (١)، قال: والذي عليه حفاظ الحديث أن الشَّاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة أو غيره فما كان عن غير ثقة فمتروك وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به فجعل الشَّاذ مطلق التفرد لا مع اعتبار المخالفة. اهـ تدريب.
وملخص الأقوال الثلاثة: أن القول الأول قَيَّدَ الشَّاذ بقيدين الثقة والمخالفة، والثاني بالثقة فقط على ما قال الناظم.
والثالث لم يقيده بشيء أي سوى التفرد، وحاصل كلامهم كما قال الحافظ: أن الخليلي يسوي بين الشَّاذ والفرد المطلق فيلزم على قوله أن يكون في الشَّاذ الصَّحِيح وغيره فكلامه أعم، وأخص منه كلام الحاكم لأنه يخرج تفرد غير الثقة، ويلزم على قوله أن يكون في الصَّحِيح الشَّاذ وغيره، بل اعتمد ذلك في صنيعه حيث يذكر في أمثلة الشَّاذِّ حديثًا أخرجه البخاري في صحيحه من الوجه الذي حكم عليه بالشذوذ، وأخص منه كلام الشافعي لتقييده بالمخالفة مع كونه يلزم عليه ما يلزم على قول الحاكم لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح وأن الرواية الراجحة أولى، وهل يلزم من ذلك عدم الحكم عليه بالصحة محل توقف أشير إليه في الكلام على الصَّحِيح وأنه يقدح في الاحتجاج لا في التسمية، ويستأنس لذلك بالمثال الذي أورده الحاكم مع كونه في الصَّحِيح فإنه موافق على صحته، إلا أنه يسميه شاذًّا ولا مشاحة في التسمية أفاده العلامة السخاوي ﵀.
وقال العلامة الصنعاني ﵀: فإن قلت قد تقدم لهم في رسم الصَّحِيح قيدُ أن لا يكون شاذًّا وهو يفيد أن الشَّاذ لا يكون صحيحًا لعدم شمول رسمه له قلتُ: لا عذر لمن اشترط نفي الشذوذ عن الصَّحِيح أن يقول: بأن الشَّاذ ليس بصحيح بذلك المعنى.
_________________
(١) نسبة لجده الأعلى لأنه هو الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن خليل القزويني. اهـ فح المغيث.
[ ١ / ١٩٤ ]
إن قلت: من كان رأيه أنه إذا تعارض الوصل والإرسال وفسر الشَّاذ بأنه الذي يخالف راويه من هو أرجح منه أنه يقدم الوصل مطلقًا سواء كان رواة الإرسال أقل أو أكثر أحفظ أم لا فإذا كان راوي الإرسال أرجح ممن روى الوصل مع اشتراكهما في الثقة فقد ثبت كون الوصل شاذا فكيف نحكم له بالصحة مع شرطهم في الصَّحِيح أن لا يكون شاذًّا هذا في غاية الإشكال.
قلت: قال الحافظ ابن حجرٍ: إنه يمكن بأن يجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في رسم الصَّحِيح إنما يقوله المحدثون وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك فأهل الحديث يشترطون أن لا يكون الحديث شاذًّا ويقولون: إن من أرسل من الثقات فإن كان أرجح ممن وصل من الثقات قدم العكس، ويأتي فيه الاحتمال عن القاضي وهو أن الشذوذ إنما يقدح في الاحتجاج لا في التسمية. اهـ كلام الصنعاني رحمه الله تعالى.
ثم إن ما ذكره الحاكم والخليلي مشكل كما قال ابن الصلاح وتبعه النووي بافراد العدل الضابط كحديث: " إنما الأعمال بالنيات " والنهي عن بيع الولاء وغير ذلك مما في الصَّحِيحِ، فالصَّحِيح التفصيل فإن كان بتفرده مخالفًا أحفظ وأضبط كان شاذًّا مردودًا وإن لم يخالف الراوي فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بضبطه كان تفرده صحيحًا وإن لم يوثق بضبطه ولم يبعد عن درجة الضابط كان حسنًا وإن بعد كان شاذًّا منكرًا مردودًا.
والحاصل أن الشَّاذ المردود هو الفرد المخالف والفرد الذي ليس في رواته من الثقة والضبط ما يجبر به تفرده. اهـ تقريب.
(تَتِمَّة): الزيادة هنا قوله أرجح محفوظ فقط والله أعلم.
ولما كان الشَّاذ والمنكر بمعنى واحد على قولٍ، ويجتمعان في اشتراط المخالفة ويفترقان في كون الشَّاذ راويه ثقة، والمنكر راويه ضعيفًا على قول المحققين، ناسب أن يذكر المنكر بعده فلذا قال:
[ ١ / ١٩٥ ]