أي هذا مبحثها وهي الأنواع الخامس والسادس والسابع جمعها في باب واحد لتناسبها، وقدم المرفوع لشرفه، ثم الموقوف له أيضًا.
١٢٠ - وَمَا يُضَافُ لِلنَّبِي المَرْفُوعُ لَوْ مِنْ تَابِعٍ، أَوْصَاحِبٍ وَقْفًا رَأَوْا
(وما) موصولة أو موصوفة مبتدأ (يضاف) أي ينسب (للنبي) بتخفيف الياء للوزن، أي إليه - ﷺ - قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا أو نحوها كما تقدم في تعريف الحديث (لَوْ مِنْ تَابِعٍ) أي ولو كان الرفع صادر من تابعي، وكذا مَن دونه، وإنما أتى به إشارة إِلى خلاف الخطيب حيث شرط في المرفوع كونه من صحابي لكن المشهور ما في النظم.
وحاصل المعنى أن المرفوع هو المضاف إلى النبي - ﷺ - سواء كان المضيف صحابيًا أو تابعيًا أو من دونهما، حتى يدخلُ قول المصنفين: قال رسول الله - ﷺ - كذا، فدخل المتصل والمرسل والمنقطع والمعضل والمعلق، وخرج الموقوف والمقطوع. (أو) بمعنى الواو (صاحب) معطوف على النبي مجرور، أي وما يضاف إلى صاحب، بمعنى صحابي قولًا له أو فعلًا أو نحوهما مما لا قرينة للرفع فيه (وقفا) حال من المفعول، أو مفعول ثان مقدم لـ (رأوا) أي رأوه موقوفًا، يقال الذي أراه: أي أذهب إليه، قاله في المصباح.
[ ١ / ٩٨ ]
وحاصل المعنى: أن المحدثين ذهبوا إلى أن ما أضيف إلى الصحابي مطلقًا موقوف.
والمراد بالقول هنا ما خلا عن قرينة الرفع، وأما الفعل فعند من يحتج به، والمراد بنحوهما ما يحصل بحضرتهم من قول أو فعل ولا ينكرونه فيكون من باب الإجماع إن كانوا كلهم، وإلا فإن خلا عن سبب مانع من السكوت والإنكار فله حكم الموقوف، ومن الإجماع السكوتي، أفاده الصنعاني.
١٢١ - سَوَاءٌ الْمَوْصُولُ وَالْمَقْطُوعُ فِي ذَيْنِ، وَجَعْلُ الرَّفْعِ لِلْوَصْلِ قُفِي
(سواء الموصول والمقطوع) مبتدأ وخبر، أي الموصول مسندًا والمقطوع، أي المنقطع إذ المراد به هنا معناه اللغوي لا الاصطلاحي الذي يأتي، أي المنقطع سنده بسبب حذف بعض الرواة عنه سواء، أي مستويان (في ذَيْنِ) أي في إطلاق المرفوع والموقوف عليه.
وحاصل المعنى أنه لا يشترط في المرفوع والموقوف اتصال السَّند فيطلقان على المتصل والمنقطع ونحوهما كما مر آنفًا.
(وجعل الرفع) مبتدأ أي المرفوع (للوصل) أي الموصول متعلق بـ (قفي)، أي تبع، خبر المبتدإ، أي استعمال المرفوع في خصوص المتصل أمرٌ متبع استعمله بعض أهل الحديث.
وحاصل المعنى: أن بعض أهل الحديث استعمل المرفوع في المتصل فقط حيث يقول في حديث واحد: رفعه فلان، وأرسله فلان، قال السخاوي: فهو رفع مخصوص إذ المرفوع أعم كما قررنا، على أن ابن النفيس مشى على ظاهره فقيد المرفوع بالاتصال اهـ.
١٢٢ - وَمَا يُضَفْ لِتَابِعٍ مَقْطُوُع وَالْوَقْفُ إِنْ قَيَّدْتَهُ مَسْمُوعُ
(وما) شرطية (يضف) بالبناء للمفعول أي يسند قولًا أو فعلًا (لتابع)
[ ١ / ٩٩ ]
كبيرًا أو صغيرًا، أو من بعده (مقطوع) خبر لمحذوف أي هو. والجملة جواب ما بتقدير الفاء، أي فهو مقطوع، ويجمع على مقاطع ومقاطيع كالمساند والمسانيد، ولم يجز البصريون حذف الياء وأجازه الكوفيون واختاره ابن مالك، أفاده الصنعاني.
قال السخاوي: إنما يسمى قولُ التابعي وفعلهُ مقطوعًا حيث لا قرينة للرفع فيه كالموقوف وإلا فله حكم الرفع، وبهذا اندفع منع ادخالهما في أنواع الحديث بكون أقوال الصحابة والتابعين ومذاهِبِهم لا مدخل لها فيه.
بل قال الخطيب يلزم كَتْبُهَا والنظر فيها ليُتَخَيَّرَ من أقوالهم ولا يُشَذَّ عن مذاهبهم، قال السخاوي: لا سيما وهي أحد ما يعتضد به المرسل، وربما يتضح بها المعنى المحتمل من المرفوع، وقال الخطيب في الموقوفات على الصحابة: جَعَلَهَا كثير من الفقهاء بمنزلة المرفوعات من لزوم العمل بها وتَقدِيمِها على القياس اهـ.
ثم إن استعمال الموقوف للصحابي والمقطوع للتابعي هو الغالب في استعمالهم وهناك استعمال آخر أشار إليه بقوله:
(والوقف) مبتدأ أي استعمال الموقوف للتابعي، أو من دونه (إن قيدته) به كقولك موقوف على عطاء، أو ابن المسيب مثلًا (مسموع) خبر المبتدإ أي إن استعمال الموقوف على غير الصحابي مسموع عن المحدثين بشرط التقييد، وإلا فلا للإلباس، وجواب إن دل عليه السابق واللاحق أي فهو مسموع، ولما أنهى الكلام عن أقسام الثلاثة أتبعها بما له حكم الرفع من النوعين الآخرين فقال:
١٢٣ - وَلْيُعَطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ نَحْوُ: مِنَ السُّنَّةِ، مِنْ صَحَابِي
(وليعط) بالبناء للمفعول (حكم الرفع) مفعول ثان ليعط، أي حكم الحديث المرفوع إليه - ﷺ - (في) القول (الصواب) أي الحق الراجح من أقوالٍ ثلاثة، وهو الذي عليه الجمهور (نحو من السنة) نائب فاعل يعط وهو
[ ١ / ١٠٠ ]
المفعول الأول، أي نحو قوله من السنة كذا حال كونه صادرًا (من صحابي)، والمعنى: أن قول الصحابي من السنة كذا، كقول علي - ﵁ -: " من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة " رواه أبو داود: يعطي حكم الرفع في الأصح، وهو الذي عليه جمهور المحدثين والفقهاء والأصوليين.
١٢٤ - كَذَا: أُمِرْنَا، وَكَذَا: كُنَّا نَرَى فِي عَهْدِهِ، أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
(كذا) حكم قوله (أمرنا) بكذا بالبناء للمفعول، كقول أم عطية - ﵂ - " أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور وأُمِرَ الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين " أخرجه الشيخان. وقول أنس - ﵁ -: " أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة " أخرجاه أيضًا.
وكذا نهينا عن كذا كقول أم عطية - ﵂ -: " نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزَم علينا " أخرجاه.
وإنما كان الأصحَّ في قوله من السنة وأمرنا ونهينا إعطاؤُها حكم الرفع لأنه المتبادر إلى الذهن من الإطلاق. قال ابن الصلاح: لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي، ومن يجب اتباع سنته، وهو رسول الله - ﷺ -.
ومقابل الأصح قول من قال إنه ليس بمرفوع لاحتمال أن يكون الآمر غيره كأمر القرآن، أو الإجماع أو بعض الخلفاء، أو الاستنباط، وأن يريد سنة غيره، وأجيب ببعد ذلك مع أن الأصل الأول.
(وكذا) قوله (كنا نرى) بالبناء للفاعل، أو نفعل، أو نقول، ونحو ذلك فهو في حكم المرفوع سواء نسب ذلك إلى عهده - ﷺ -، بأن يقول كنا نرى كذا (في عهده) - ﷺ -، كقول جابر - ﵁ - " كنا نَعزِل على عهد رسول الله - ﷺ - ". متفق عليه، أو " كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله - ﷺ - "، رواه النسائي وابن ماجه، وقولِ غيرِه كنا لا نرى بأسًا بكذا
[ ١ / ١٠١ ]
ورسول الله - ﷺ - فينا، أو كان يقال كذا وكذا على عهده، أو كانوا يفعلون كذا وكذا في حياته إلى غير ذلك من الألفاظ المفيدة للتكرار والاستمرار، أو لم ينسبه إليه كما أشار إليه بقوله (أو عن إضافة) إلى عهده - ﷺ - متعلق بـ (ـعَرَى) أي خلا، يعني أنه خلا عن نسبته إلى عهده - ﷺ -، وعَرَى بفتح الراء هنا على لغة من قال بَقَى يَبْقَى بفتح عين الكلمة فيهما، وإلا فأصلها عري كرضي، يقال عرى يعرى بالكسر في الماضي والفتح في المضارع خلا، وأما عرا يعرو كغزا يغزو: نزل عليه وأصابه فلا يوافق هنا.
وحاصل المعنى: أن قول الصحابي كنا نرى كذا ونحوه مرفوع حكمًا سواء أضافه إلى عهده - ﷺ - كالأمثلة السابقة أم لم يضفه كقول عائشة - ﵂ -: " كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه " وقول جابر - ﵁ -: " كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا ".
وهذا القول للحاكم أبي عبد الله، وفخر الدين الرازي، وقواه العراقي، والنووي، وقال: هو ظاهر استعمال كثير من المحدثين والصحابة، واعتمده الشيخان في صحيحيهما، وأكثر منه البخاري.
ومقابله ما ذهب إليه الجمهور من أنه إن أضافه فهو مرفوع وإلا فموقوف لأن ظاهره مشعر باطلاعه - ﷺ - وهذا القول هو المطوي في قوله:
١٢٥ - ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ لا يَخْفَى
(ثالثها) أي الأقوال مبتدأ خبره جملة قوله (إن كان) ذلك الفعل (لا يخفى) فمرفوع وإلا فموقوف.
وحاصل هذا القول أنه إن كان الفعل مما لا يخفى على النبي - ﷺ - غالبًا فمرفوع وإن كان يخفى فموقوف كقول بعض الأنصار: " كنا نجامع فنكسل ولا نغتسل " وهذا القول قطع به أبو إسحاق الشيرازي، وقال به ابن السمعاني وآخرون، وفي المسألة أقوال أُخَرُ. وهذا الاختلاف إذا لم يوجد ما يدل على اطلاعه - ﷺ - وإلا فمرفوع بلا خلاف كما ذكره بقوله:
[ ١ / ١٠٢ ]
وَفِي: تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
(وفي تصريحه) متعلق بنفي أي تصريح الصحابي (بعلمه) متعلق بتصريح أي عِلْمِ النبي - ﷺ - بالقضية كقول ابن عمر - ﵄ -: " كنا نقول ورسول الله - ﷺ - حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان ويسمع ذلك رسول الله - ﷺ - فلا ينكره " رواه الطبراني في الكبير، والحديث في الصَّحِيح بدون التصريح المذكور. قاله في التدريب. (الخلف) أي الخلاف المتقدم مبتدأ خبره جملة (نفي) بالبناء للمفعول أي انتفى.
وحاصل المعنى: أن الصحابي إذا صرح بعلم النبي - ﷺ - بأن ذكر ذلك في القصة صار ذلك مرفوعًا إجماعًا لكن دعوى الإجماع منتقض بخلاف داود الظاهري وبعض المتكلمين فتأمل.
١٢٦ - وَنَحْوُ: كَانُوا يَقْرَعُونَ بَابَهُ بِالظُّفْرِ، فِيمَا قَدْ رَأَوْا صَوَابَهُ
(وَنَحْوُ) بالرفع عطفًا على نحو من السنة، أي وليعط حكم الرفع في الأصح نحو قول المغيرة بن شعبة - ﵁ - (كانوا) أي الصحابة - ﵃ - (يقرعون) من باب فتح، أي يطرقون وينقرون (بابه) - ﷺ - (بالظفر) فيه لغات أفصحها بضمتين وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: (حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) والثانية الإسكان للتخفيف وقرأ بها الحسن البصري، وهو المتعين هنا للوزن والجمع أظفار، وربما جمع على أظْفُر مثل ركن وَأرْكُن، والثالثة بكسر الظاء وزان حِمْل وهي تجوز هنا أيضًا، والرابعة بكسرتين للاتباع، وقرئ بهما في الشَّاذ، والخامسة أظفور والجمع أظافير مثل أسبوع وأسابيع أفاده في المصباح.
والحديث أخرجه الحاكم في علوم الحديث بلفظ " كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يقرعون بابه بالأظافير " وقوله: (فيما قد رأوا صوابه) خبر لمحذوف أي هذا فيما أي في القول الذي رأى العلماء كونه صوابًا، وهو قول ابن الصلاح، قال: بل هو أحرى باطلاعه - ﷺ -.
والحاصل أن له جهتين: جهة الفعل، وهو صادر من الصحابة فيكون
[ ١ / ١٠٣ ]
موقوفًا، وجهة التقرير، وهو مضاف إلى النبي - ﷺ - من حيث إن فائدة قرع بابه أن يعلم أنه يقرع، ومن لازم ذلك التقرير على ذلك الفعل فيكون مرفوعًا أفاده الحافظ.
ومقابل الأصح قول الحاكم ووافقه الخطيب إنه موقوف.
١٢٧ - وَما أَتَى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْيِ لا يُقَالُ إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلا
(وما) موصولة في محل رفع عطف على نحوُ من السنة أيضًا أي وليعط في الأصح حكم الرفع الحديثُ الذي (أتى) أي جاء عن الصحابي من قول له أو فعل (ومثله) مبتدأ خبره الجملة بعده أي مثل ذلك الآتي (بالرأي) أي الاجتهاد متعلق بـ (لا يقال)، أي ولا يفعل، والجملة حال من فاعل أتى.
وحاصل المعنى أن الصحابي إذا قال قولًا أو فعل فعلًا، لا مجال للاجتهاد فيه يحمل على أنه تلقاه من النبي - ﷺ - مثاله قولا قولُ ابن مسعود - ﵁ -: " من أتى ساحرًا أو عرافًا فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ " وكالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء، والآتية كالملاحم، والفتن وأهوال يوم القيامة، وعما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص.
ومثاله فعلًا صلاة علي في الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين، ثم ذكر قيدًا ذكره العراقي وتبعه الحافظ بقوله: (إذ) ظرفية (عن سالف) متعلق بحُمِلَ قدم على ما النافية للضرورة، أي متقدم من الأمم (ما) نافية (حملا) بالبناء للمفعول أو للفاعل، أي إذا لم يحمل ذلك الصحابي عن أهل الكتاب والألف إطلاقية فيهما، يعني أنه إنما يكون له حكم المرفوع إذا لم يكن الصحابي يروي الإسرائليات عن أهل الكتاب وإلا فلا.
١٢٨ - وَهكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا فِي سَبَبِ النُّزُولِ أَوْ رَأْيًا أَبَى
(وهكذا) أي وليعط حكم الرفع مثل ما تقدم خبر مقدم لقوله (تفسير
[ ١ / ١٠٤ ]
من) أي تبيين وتوضيح شخص (صحبا) النبي - ﷺ - للقرآن (في سبب النزول) جار ومجرور حال من تفسير أي حال كون التفسير واقعًا في سبب نزول الآية.
وحاصل المعنى أن تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع كالسابق على الأصح، كقول جابر - ﵁ -: " كانت اليهود تقول من أتى امرأته من دبرها في قُبلها جاء الولد أحول فأنزل الله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) الآية، رواه مسلم (أو) فيما (رأيا) أي اجتهادًا (أبى) أي امتنع من أن يناله رأيُ مجتهدٍ بأن كان لا يُعلَم إلا بتوقيف من الشارع، وأما غيره فموقوف، وهذا هو المعتمد الذي ذهب إليه الخطيب وأبو منصور البغدادي وتبعهما ابن الصلاح.
١٢٩ - وَعَمَّمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَخَصَّ فِي خِلافِهِ كَمَا حُكِي
١٣٠ - وَقَالَ: لا، مِنْ قَائِلٍ مَذْكُورِ
(وعمم) هذا الحكم في كل ما فَسَّرَ به الصحابي (الحاكم) أبو عبد الله محمد بن عبد الله (في) كتابه (المستدرك) بفتح الراء لأنه استَدرَك فيه ما فات الشيخين مما كان على شرطهما أو أحدهما على زعمه، فهو مُسْتَدْرِكٌ والكتاب مستدْرَك فيه، والمعنى أن الحاكم في كتابه المستدرك حكم بأن تفسير الصحابي حديث مرفوع حيث قال: لِيَعْلَمْ طالبُ الحديث أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند اهـ.
(وخص) الحاكم (في خلافه) أي في غير المستدرك، وهو كتابه المسمى معرفة علومٍ الحديث (كما حكى) مفعول مطلق لخص على النيابة أي خصوصًا مشابها لما حكى آنفًا، والمعنى أن الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث لم يعمم الحكم بل خَصَّ كما خَصَّ غيرُه بما كان في سبب النزول، وفيما لا مجال للرأي فيه (وقال) الحاكم (لا) يكون تفسير الصحابي مرفوعًا إن كان صادرًا (من قائل مذكور) أي من الصحابي الذي ذكر في سند ذلك التفسير.
[ ١ / ١٠٥ ]
وحاصل المعنى أن شرط كون تفسير الصحابي مرفوعًا أن لا يمكن حصوله من الصحابي بأن تعلق بسبب النزول أو بما لا مجال للرأي فيه، وإلا فهو من الموقوفات كتفسير أبي هريرة - ﵁ - في قوله تعالى: (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ) قال: " تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك لحمًا على عظم ".
لكن قال الناظم ليس هذا من الموقوف لأنه مما يتعلق بذكر الآخرة وما لا مدخل للرأي فيه بل هو من المرفوع.
وَقَدَ عَصَى الْهَادِيَ فِي الْمَشْهُورِ
(و) ليعط أيضًا حكم الرفع قول الصحابي على من فعل فعلًا من الأفعال بأن هذا (قد عصى) النبي (الهادي) - ﷺ -، كقول عمار - ﵁ -: " من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم " رواه الترمذي وغيره، فهذا ونحوه له حكم الرفع (في) القول (المشهور) بين أهل الحديث وجزم به الزركشي وادعى ابن عبد البر الإجماع عليه، ومقابلُ المشهورِ: ما قاله أبو القاسم الجوهري وتبعه عليه البلقيني: إنّ هذا ليس بمرفوع لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد لكن رد هذا ابنُ عبد ِالبر.
١٣١ - وَهَكَذَا: يَرْفَعُهُ، يَنْمِيهِ رِوَايَةً، يَبْلُغْ بِهِ، يَرْوِيهِ
(و) ليعط حكم الرفع أيضًا (هكذا) أي مثل ما تقدم من الأنواع قول التابعي فَمَنْ دونه بعد ذكر الصحابي (يرفعه) أي الحديث، أو رَفَعَه كحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس - ﵄ -: " الشفاء في ثلاثة شَربَة عسل، وشرطة محجم، وَكَيَّة نار، وأنهى أمتي عن الكي، رفع الحديث، رواه البخاري، وكذا يعطي حكم الرفع أيضًا قولهم (ينميه) بفتح الياء من باب رمي أي ينسبه، يعني أنه إذا قال التابعي بعد ذكر الصحابي ينميه أي ينسب الحديث إلى النبي - ﷺ - فله حكم الرفع كحديث مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - قال: " كان النَّاس يؤمرون أنْ
[ ١ / ١٠٦ ]
يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة " قال أبو حازم لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك، وهو من نَمَيت الحديثَ إلى فلان إذا أسندته إليه.
وكذا يعطى حكم الرفع أيضًا قولهم بعد ذكر الصحابي (روايةً) أي ينقل ذلك الحديث نقلًا بمعنى أنه أخذه عن رسول الله - ﷺ - كحديث الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ - رواية: " تقاتلون قومًا صغار الأعين " أخرجه البخاري.
وكذا يعطى أيضًا حكم الرفع قولهم (يبلغ) بسكون الغين للوزن (به) أي بذلك الحديث بمعنى أنه يصل به إلى النبي - ﷺ - كحديث الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ - يبلغ به: " الناس تبع لقريش " متفق عليه.
وكذا يعطى حكم الرفع أيضًا قولهم (يرويه) أو رواه بمعنى ينقله عن النبي - ﷺ -، وكذا قولهم يسنده، أو يأثره، فكل هذا وأمثاله مرفوع بلا خلاف بين أهل العلم كما صرح به النووي واقتضاه كلام ابن الصلاح، قال السخاوي: يدل لذلك مجيء بعض المكنى به بالتصريح ففي بعض الروايات لحديث " الفطرة خمس " يبلغ به النبي - ﷺ - وفي بعضها قال رسول الله - ﷺ -، والحامل على عدول التابعي عن قول الصحابي سمعت رسول الله - ﷺ - ونحوها إلى يرفعه وما يُذْكَرُ معها مع تحققه بأن الصحابي رفعه إلى النبي - ﷺ - كونه يشك في صيغة الرفع بعينها هل هي سمعت، أو قال رسول الله، أو نبي الله، أو حدثني، أو نحوها، وهو ممن لا يرى الإبدال أو طلَبُهُ التخفيفَ، أو شكه في ثبوته، أو ورعه حيث عَلِمَ أن المؤدي بالمعنى. أفاده السخاوي وغيره.
(تنبيه) وقع في بعض الأحاديث قول الصحابي عن النبي - ﷺ - يرفعه وهو في حكم قوله عن الله ﷿ كالحديث الذي رواه الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - يرفعه:
" إن المؤمن عندي له كل خير يحمدني وأنا أنزع
[ ١ / ١٠٧ ]
نفسه من بين جنبيه " حديث حسن أخرجه الدارمي في مسنده وهو من الأحاديث الإلهية وقد أفردها جمع بالجمع أفاده الصنعاني وغيره.
(تكملة) ومن ذلك الاقتصار على القول مع حذف القائل كقول ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال " أسلم وغفار وشيء من مزينة " الحديث قال الخطيب إلا أن ذلك اصطلاح خاص بأهل البصرة لكن روي عن ابن سيرين أنه قال كل شيء حدثت عن أبي هريرة فهو مرفوع قاله في التدريب.
١٣٢ - وَكُلُّ ذَا مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ لا رَابِعٌ جَزْمًا لَهُمْ، وَالأَوَّلُ
١٣٣ - صَحَّحَ فِيهِ النَّوَوِيُّ الْوَقْفَا وَالْفَرْقُ فِيهِ وَاضِحٌ لا يَخْفَى
(وكل ذا) مبتدأ خبره قوله مرسلِ أي كل ما تقدم من قوله: " وليعط حكم الرفع، إلى هنا حال كونه صادراَ (من تابعي مرسل) مرفوع، ويحتمل أن يكون اسم الإشارة عائدًا إلى البيت الذي قبله، أي كل هذه الألفاظ إذا صدرت عند ذكر التابعي كأن يقول من يروي عن التابعي حدثنا فلان بكذا يرفعه أو ينميه أو يبلغ به ونحوها فهو مرسل مرفوع بلا خلاف، وهو الذي تفيده عبارة شروح الألفية العراقية للسخاوي وغيره. وقوله: (لا رابع) قال الشارح هو التفسير في سبب النزول، قلت: لا وجه لإخراج التفسير عما قبله لأنه يكون المعنى عليه وكل هذه الألفاظ المتقدمة إذا كانت من التابعي فهو مرسل إلا الرابع فإنه ليس كذلك، وهذا معنى فاسد، لأن التفسير الذي يتعلق بسبب النزول مرسل مرفوع أيضًا، ولعل النسخة وقع فيها تصحيف والأصل: وكل ذا من تابعي مرسل مع رفعه إلخ.
وتكون الإشارة إلى البيت الذي قبله، يعني أن هذه الألفاظ إذا ذكرت عند ذكر التابعي فالحديث مرسل مرفوع بلا خلاف كما أشار إليه بقوله (جزما لهم) وفي نسخة جزم بالرفع أي حال كونه مجزومًا به، أي متفقًا عليه بين العلماء، أو هو مجزوم به عندهم، وهذا هو الموافق لما في شروح
[ ١ / ١٠٨ ]
الألفية العراقية كما ذكرناه آنفًا، وهو الواضح (والأول) أي قوله من السنة مبتدأ خبره جملة قوله (صحح فيه النووي الوقفا) أي كونه موقوفًا.
والمعنى: أن قول التابعي من السنة كذا كقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: " السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات " صحح الإمام النووي ﵀ كونه متصلًا موقوفًا على الصحابي.
(والفرق فيه واضح) مبتدأ وخبر، أي الفرق بين الأول وبين المسألة المذكورة قبل واضح (لا يخفى) على من تأمله.
وحاصل المعنى: أن الفرق بين قوله من السنة كذا حيث جعلناه موقوفًا متصلًا وبين الألفاظ المتقدمة حيث جعلناها مرفوعًا مرسلًا واضح غير خفي، وذلك لأن " يرفع الحديث " تصريح بالرفع وقريب منه ما ذُكِرَ معه من الألفاظ بخلاف من السنة فيتطرقها احتمال إرادة سنة الخلفاء الراشدين فكثيرًا ما يعبرون بها فيما يضاف إليهم، وقد يريدون سنة البلد، وهذا الاحتمال وإن قيل به في الصحابي أيضًا فهو في التابعي أقوى أفادهُ السخاوي ومقابل الصَّحِيح قول من قال إنه مرفوع مرسل والله أعلم.
(تَتِمَّة) الزيادات في هذا الباب قوله: ثالثها إن كان لا يخفى البيت، وقوله: إذ عن سالف ما حملا، وقوله: أو رأيًا أبى إلى آخر البيت الذي يليه، وقوله: وقد عصى الهادي في المشهور، وقوله: لا رابع جزما، وقوله: النووي، وقوله: والفرق فيه واضح لا يخفى. والله أعلم.
[ ١ / ١٠٩ ]