أي هذا مبحثه، وهو النوع السادس والثلاثون من أنواع علوم الحديث.
وأورده في أنواع الحديث مع أنه ليس بحديث نظرًا إلى زعم واضعه، ولتعرف طرقه التي يتوصل بها لمعرفته لينفى عنه القبول.
وهو اسم مفعول من وضع الشيء يضعه بفتح الضاد فيهما يأتي لمعان منها الإسقاط، ومنها الترك، ومنها الافتراء، تقول فلان وضع الشيء عن عاتقه مثلا أسقطه، ووضع شيئًا تركه ووضع هذا الكلام افتراه واختلقه.
وقال ابن دحية: الموضوع من وضع فلان على فلان كذا ألصقه به فالموضوع في اللغة يكون بمعنى المُسقَط وبمعنى المتروك وبمعنى المفترى وبمعنى الملصق، واصطلاحًا: هو الكلام الذي اختلقه بعض النَّاس ونسبه إلى النبى - ﷺ -، سمي به لأنه مسقط من قسم الحديث، ومتروك ومفترى على النبي يرو، وملصق به وليس من كلامه.
قال الحافظ وكونه من الإلصاق أليق بهذه الحيثية اهـ.
قال رحمه الله تعالى:
٢٥٠ - الْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ شَرُّ الْخَبَرِ وَذِكْرَهُ لِعَالِمٍ بِهِ احْظُرِ
[ ١ / ٢٨٥ ]
٢٥١ - فِي أَيِّ مَعْنًى كَانَ إِلاَّ وَاصِفَا لِوَضْعِهِ، وَالْوَضْعُ فِيهِ عُرِفَا
٢٥٢ - إِمَّا بِالاِقْرَارِ، وَمَا يَحْكِيهِ وَرِكَّةٍ، وَبِدَلِيلٍ فِيهِ
٢٥٣ - وَأَنْ يُنَاوِي قَاطِعًا وَمَا قُبِلْ تَأْوِيلُهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَا نُقِل
٢٥٤ - حَيْثُ الدَّوَاعِي ائْتَلَفَتْ بِنَقْلِهِ وَحَيْث ُلا يُوجَدُ عِنْدَ أَهْلِهِ
٢٥٥ - وَمَا بِهِ وَعْدٌ عَظِيمٌ اْوْ وَعِيدُ عَلَى حَقِيرٍ وَصَغِيرَةٍ شَدِيدُ
٢٥٦ - وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّلِ أُحْكُمْ بِوَضْعِ خَبَرٍ إِنْ يَنْجَلِي
٢٥٧ - قَدْ بَايَنَ الْمَعْقُولَ أَوْ مَنْقُولا خَالَفَهُ أَوْ نَاقَضَ الأُصُولا
٢٥٨ - وَفَسَّرُوا الأَخِيرَ: حَيْثُ يَفْقِدُ جَوَامِعٌ مَشْهُورَةٌ وَمُسْنَدُ
(الخبر الموضوع) أي الخبر المكذوب على النبي - ﷺ - من غير أن يصدر منه مبتدأ خبره قوله (شر الخبر) أي أقبح أنواع الخبر المردود، لأن المراد المردود، لإضافة شر إليه إذ المقبول لا شر فيه أصلًا، وعبارة ابن الصلاح وسبقه الخطابي: اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضَّعِيفة.
وحاصل المعنى: أن الخبر الموضوع أي المكذوب، ويقال له المختلق، والمصنوع بالصاد، لأن واضعه اختلقه وصنعه شر أنواع الأحاديث الضَّعِيفة، ثم ذكر حكمه فقال (وذكره) بالنصب مفعول مقدم لاِحْظُرِ، أو مبتدأ خبره جملة احظر بتقدير رابط أي احظره. (لعالم به) أي بكونه موضوعًا متعلق بـ (احظر) أي امنع أيها المحدث، وكسر الراء للقافية (في أي معنى) خبر مقدم لـ (كان) والجملة حال من ذكره أي امنع ذكر الموضوع لمن علم بوضعه حال كونه كائنًا في جميع الأبواب سواء كان في الأحكام أو القصص أو الفضائل، أو الترغيب، أو الترهيب، أو غيرها.
والحاصل: أن من علم وضع حديث من الأحاديث لا يحل أن يرويه منسوبًا إلى رسول الله - ﷺ - (إلا) حال كونه (واصفًا) أي مبينا (لوضعه) أي لكونه موضوعًا، لحديث سَمُرَةَ بن جندب والمغيرة بن شعبة قالا: قال
[ ١ / ٢٨٦ ]
رسول الله - ﷺ - " من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " رواه مسلم. قوله يرى بضم الياء وفتحها روايتان، وقوله الكاذبين بكسر الباء وفتحها بلفظ الجمع والمثنى.
وسواء علم بوضعه بنفسه إن كان عالمًا بذلك، أو أخبره به عالم ثقة.
قال السخاوي ﵀: وكفى بهذه الجملة يعني قوله أحد الكاذبين وعيدًا شديدًا في حق من روى الحديث وهو يظن أنه كَذِبٌ فضلًا عن أن يتحقق ذلك، ولا يبينه لأنه - ﷺ - جعل المحدث بذلك مشاركًا للكاذب في وصفه، وقد روى الثَّوري عن حبيب بن أبي ثابت أنه قال من روى الكذب فهو الكذاب، ولذا قال الخطيب: يجب على المحدث أن لا يروي شيئا من الأخبار المصنوعات والأحاديث الباطلة فمن فعل ذلك باء بالإثم المبين، ودخل في جملة الكذابين، وكتب البخاري على حديث موضوع: " من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد، والحبس الطويل "، اهـ.
فأما إذا بَيَّنَ حالَه فلا بأس بذكره لأن البيان يزيل من ذهن السامع ما يخشى من اعتقاد نسبته إلى النبي - ﷺ -.
والمراد بالبيان هو الصريح كأن يقول هذا كذب أو باطل ونحوهما، ولا يقتصر على قوله موضوع لأنه ربما يوجد من لا يعرف معنى الموضوع، كما حكى السخاوي أن بعض العجم أنكر على العراقي قوله في حديث سئل عنه: إنه كذب، محتجًا بأنه في كتاب من كتب الحديث ثم جاء به من الموضوعات لابن الجوزي، فتعجبوا من كونه لا يعرف موضوع الموضوع، وكذا لا يبرأ من العهدة في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك، وإن صنعه أكثر المحدثين في الأعصار الماضية كالطبراني، وأبي نعيم، وابن منده. وقال الخطيب: ومن روى حديثًا موضوعًا على سبيل البيان لحال واضعه، والاستشهاد على عظيم ما جاء به والتعجب منه والتنفير عنه ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جرح الشاهد في الحاجة إلى كشفه والإبان عنه. اهـ كلام السخاوي باختصار.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ثم ذكر ﵀ مما يعرف به كون الحديث موضوعًا أمورًا: أشار إلى الأول بقوله (والوضع فيه) أي الخبر، مبتدأ خبره جملة (عرفا) بالبناء للمفعول والألف للإطلاق (إِما) بالكسر: حرف تفصيل حذف نظيرها من المعطوفات (بالإقرار) متعلق بعرف، ونقلت حركة الهمزة إلى اللَّامِ، وحذفت للوزن، أي إقرار الواضع على نفسه أنه وضع الحديث الفلاني.
وحاصل المعنى: أنه يعرف الوضع بأمور: منها إقرار الواضع به كاعتراف ميسرة بن عبد ربه الفارسي بوضعه فضائل القرآن الآتي، وأبي عصمة نوح بن أبي مريم الملقب بالجامع على ابن عباس - ﵁ - في فضائل القرآن سورة سورة، وكما روى البخاري في التاريخ الأوسط حدثني يَحْيَى بن الأشكري، عن علي بن حدير، قال سمعت عُمر بن صبح يقول أنا وضعت خطبة النبي - ﷺ -.
وقد استشكل ابن دقيق العيد ﵀ الحكم بالوضع بإقرار من ادعى وضعه لأن فيه عملًا بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع قال وهذا كاف في رده لكن ليس بقاطع فى كونه موضوعًا لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه، قيل (١) وهذا ليس باستشكال منه إنما هو توضيح وبيان وهو أن الحكم بالوضع بالإقرار ليس بأمر قطعي موافق لما في نفس الأمر لجواز كذبه في الإقرار على حد ما تقدم أن المراد بالصَّحِيح والضَّعِيف ما هو الظاهر لا في نفس الأمر، ونحا البلقيني في محاسن الاصطلاح قريبًا من ذلك قاله في التدريب.
ثم أشار إلى الثاني بقوله (و) إما بـ (ما يحكيه) أي يشابه الإقرار مما ينزل منزلته، قال في القاموس: يقال: حكيت فلانًا وحاكيته إذا شابهته اهـ.
وفي المصباح وحكى يحكي حكاية إذا أتى بمثل الشيء يائي، وفيه لغة أخرى، وهي حكا يحكو واويًا اهـ.
_________________
(١) القائل: هو الحافظ ابن حجرٍ كما في التوضيح.
[ ١ / ٢٨٨ ]
والمعنى: أن الوضع يعرف أيضًا بما يشابهُ الإقرار، قال العراقي: كأن يحدث عن شيخ بحديث، وُيسألَ عن مولده، فيذكر تاريخًا يُعْلَم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يعرف ذلك الحديث إلا من عنده، فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره بالوضع، لأن ذلك الحديث لا يعرف إلا عند ذلك الشيخ، ولا يعرف إِلا برواية هذا عنه وكذا مَثل الزركشي في مختصره، وكذا إذا ادعى سماعًا يكذبه التاريخ كما ادعاه مأمون بن أحمد الهروي أنه سمع من هشام بن عمار فسأله الحافظ ابن حبان متى دخلت الشام؟ قال: سنة خمسين ومائتين، فقال له إن هشامًا الذي تروي عنه مات سنة خمس وأربعين ومائتين، فقال هذا هشام بن عمار آخر.
ثم أشار إلى الثالث بقوله (و) إما (بركة) يعني أنه يعرف أيضًا بركة المروي أي الضعف عن قوة فصاحته - ﷺ -.
قال الحافظ: والمدار على ركة المعنى، فحيث وجدت دلت على الوضع سواء انضم إليها ركة اللفظ أم لا؟ فإن هذا الدين كله محاسن، والرِّكَّة ترجع إلى الرداءة، فبينها وبين مقاصد الدين مباينة.
وركة اللفظ وحدها لا تدل على ذلك لاحتمال أن يكون الراوي رواه بالمعنى فعبر بألفاظ غير فصيحة من غير أن يُخِلَّ بالمعنى، نعم إن صرح الراوي بأن هذا لفظ النبي - ﷺ - دلت ركة اللفظ حينئذ على الوضع اهـ.
وقال السخاوي ما معناه: ويعرف بالركة في اللفظ والمعنى، وكذا في أحدهما لكنه في اللفظ وحده مقيد بما إذا صرح بأنه لفظ الشارع، ولم يحصل التصرف بالمعنى في نقله لا سيما إن كان لا وجه له في الإعراب اهـ. ثم أشار إلى الرابع بقوله (و) إما (بدليل فيه) أي الحديث يعني أنه يعرف الوضع أيضًا بقرينة في الحديث ثم إن تلك القرينة تارة تكون في الراوي، وتارة تكون في المروي، وهو الغالب، وأما الأول فنادر، قاله الحافظ. قال ابن دقيق العيد: وكثيرًا ما يحكمون بذلك باعتبار يرجع
[ ١ / ٢٨٩ ]
إلى المروي، وألفاظِ الحديث، وحاصله: أنها حصلت لهم بكثرة محاولة ألفاظ النبي - ﷺ - هيئة نفسانية وملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظه وما لا يجوز اهـ.
قال البلقيني ﵀: وشاهد هذا أن إنسانًا لو خدم إنسانًا سنين وعرف ما يحب وما يكره، فادعى إنسان أنه كان يكره شيئًا يعلم ذلك أنه يحبه فمجرد سماعه يبادر إلى تكذيبه اهـ.
مثال القرينة في الراوي: ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي، قال: كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكُتَّابِ يبكي فقال ما لك؟ قال ضربني المعلم، قال لأخزينهم اليوم حدثني عكرمة عن ابن عباس - ﵁ - مرفوعا " معلموا صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المساكين " وسعد بن طريف هذا قال فيه ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، وراوى القصة عنه سيف بن عمر قال فيه الحاكم: اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط.
ومن القرائن في الراوي أيضًا كونه رافضيًا والحديث في فضائل أهل البيت، أو ذم من حاربهم، وأما أمثلة القرينة في المروي فستأتي.
ومن القرائن فيه ما تقدم من الركاكة فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد لوضعها ركاكة لفظها ومعانيها.
وقد روى الخطيب وغيره من طريق الربيع بن خثيم (١) التابعي الجليل قال: إن للحديث ضوء كضوء النهار يعرف، وظلمة كظلمة الليل تنكر، ونحوه قول ابن الجوزى: الحديث المنكر يقشعر منه جلد طالب العلم، وينفر منه قلبه في الغالب، وعَنَى بذلك الممارس لألفاظ الشارع الخبيرَ بها وبرونقها، وبهجتها ذكره السخاوي.
_________________
(١) بضم الخاء المعجمة وفتح الثاء المثلثة. اهـ.
[ ١ / ٢٩٠ ]
(فائدة): سئل بعضهم كيف تعرف أن الشيخ كذاب قال: إذا روى لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه كذاب.
قال ابن عراق في تنزيه الشريعة: قلت: وقد استأنس بعضهم لذلك بخبر أبي حميد، أو أبي أسيد عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " إذا سمعتم الحديث تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه " رواه الإمام أحمد والبزار وسنده صحيح كما قاله القرطبي (١) وغيره، وبقوله - ﷺ - " ما حدثتم عني مما تنكرونه فلا تأخذوا به فإني لا أقول المنكر ولست من أهله " رواه ابن الجوزي. اهـ. كلام ابن عراق.
ثم أشار إلى الخامس وهو من القرائن التي في المروي فقال (و) إما (بأن يناوي) أي يخالف الحديث (قاطعًا) أي دليلًا مقطوعًا به، كعيشة راضيةٍ، قاله المحلى في شرح جمع الجوامع (و) الحال أنه (ما) نافية (قبل) بالبناء للمفعول ونائب الفاعل قوله (تأويله) أي والحال أنه غير مقبول تأويله، أو بالبناء للفاعل وتأويله مفعول به له، أي والحال أنه غير قابل تأويله.
وحاصل المعنى: أنه يعرف وضع الحديت بمخالفته للدلائل القطعية من الكتاب أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي، إذا لم يمكن الجمع، أما إذا أمكن فلا، وتقييد السنة بالمتواترة احتراز عن غيرها فقد أخطأ من حكم بالوضع بمجرد مخالفته السنة مطلقا. ثم أشار إلى السادس، وهو من القرائن في المروي أيضًا فقال (و) إما بـ (أن يكون) ذلك الحديث (ما) نافية (نقل) بالبناء للمفعول (حيث الدواعي) أي الأسباب الداعية لنقله (ائتلفت) أي اتفقت (بنقله) أي على نقل ذلك الحديث بأن كان بمحضر من الجمع. ثم لا ينقله إلا واحد منهم. وحاصل المعنى: أنه يعرف الوضع أيضًا بكون الحديث غير منقول عن جمع غفير مع أن الدواعي متوفوة على نقله كذلك.
_________________
(١) وصححه الشيخ الألباني، انظر الصَّحِيحة جـ ٢ ص ٣٦٩.
[ ١ / ٢٩١ ]
وذلك بأن كان أمرًا جسيما كحصر العدو للحاج عن البيت، وكقتل الخطيب على المنبر لأن العادة جارية بتظاهر الأخبار في مثل ذلك، أفاده في التوضيح. ثم أشار إلى السابع وهو أيضًا من القرائن في المروي بقوله (و) إما بكون ذلك الخبر (حيث لا يوجد عند أهله) أي أهل الحديث بعد التفتيش يعني أنه يعرف كون الحديث موضوعًا عند عدم وجوده في مراجع أهل الحديث، وهي الكتب، قال الإمام فخر الدين الرازي " إن الخبر إذا روى في زمن قد استقرت فيه الأخبار ودُوِّنَت فإذا فتش عنه ولم يوجد في بطون الأسفار، ولا في صدور الرجال، علم بطلانه، فأما في عصر الصحابة وما يقرب منه حيث لم تكن الأخبار قد استقرت، فإنه يجوز أن يروي أحدهم ما لم يوجد عن غيره. قال الحافظ العلائي: وهذا إِنما يقوم به أي بالتفتيش عنه الحافظ الكبير الذي قد أحاط حفظه بجميع الحديث، أو معظمه كالإمام أحمد، وعلي بن المديني، وَيَحْيَى بن معين، ومن بعدهم كالبخاري، وأبي حاتم، وأبي زرعة، ومن دونهم كالنسائي ثم الدارقطني لأن المآخذ التي يحكم بها غالبًا على الحديث بالوضع إنما هي جمع الطرق والاطلاع على غالب المروي في البلدان المتنائية بحيث يعرف بذلك ما هو من حديث الرواة مما ليس من حديثهم، وأما من لم يصل إلى هذه المرتبة فكيف يقضي بعدم وجدانه للحديث بأنه موضوع هذا مما يأباه تصرفهم اهـ.
قال ابن عراق: فاستفدنا من هذا أن الحفاظ الذين ذكرهم وأضرابهم إذا قال أحدهم في حديث لا أعرفه أو لا أصل له كفى ذلك في الحكم عليه بالوضع.
(تنبيه): ذكر الناظم ﵀ في التدريب: ما نصه: وقد ذكر أبو حازم في مجلس الرشيد حديثًا بحضرة الزهري فقال الزهري لا أعرف هذا الحديث فقال أحفظت حديث رسول الله - ﷺ -؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال أرجوا قال: اجعل هذا من النصف الآخر.
فرد العلامة عبد الوهاب عبد اللطيف في تعليقه على التدريب هذه
[ ١ / ٢٩٢ ]
الحكاية بقوله: هذا الخبر لا يصح لأن الزهري توفي سنة ١٢٤ هـ قبل ولادة الرشيد حيث ولد سنة ١٤٨ هـ، وكذلك أبو حازم قد توفى قبل ولادة الرشيد وقد وقع في هذا الخطأ القرافي في شرح تنقيحه فقلده السيوطي اهـ.
ثم أشار إلى الثامن، وهو أيضًا من القرائن في المروي فقال: (وما) موصولة مبتدأ حذف خبره أي كذلك (به) أي فيه خبر مقدم لقوله (وعد) أي ذكرُ وَعْدٍ (عظيم).
والجملة صلة ما، والتقدير أي الخبر الذي فيه ذكر وعد عظيم كذلك، يعني أنه يحكم بوضعه (أو وعيد) عطف على وعد وقوله (على حقير) أي على فعل شيء قليل من الأعمال الصالحات راجع إلى وعد وقوله (وصغيرة) أي من الذنوب راجع إلى الوعيد، ففيه لف ونشر مرتب وقوله (شديد) صفة لوعيد فصل عنه للضرورة.
وحاصل المعنى: أنه يعرف كون الحديث موضوعًا بالإفراط في الوعد العظيم على الفعل الحقير، والوعيد الشديد على الأمر الصغير، وهذا كثير في أحاديث القُصَّاص وهو راجع إلى ركة المعنى.
قال ابن الجوزي ﵀: إني لأستحي من وضع أقوام وضعوا من صلى كذا فله سبعون دارًا في كل دار سبعون ألف بيت في كل بيت سبعون ألف سرير على كل سرير سبعون ألف جارية، وإن كانت القدرة لا تعجز عنه ولكن هذا تخليط قبيح. وكذلك يقولون: من صام يومًا كان كأجر ألف حاج، وألف معتمر وكان له ثواب أيوب هذا يفسد مقادير موازين الأعمال اهـ.
وذكر الحافظ البرهان الناجي بالنون: إن من أمارات الموضوع أن يكون فيه: وأعطي ثواب نبي، أو النبيين، ونحوهما أفاده ابن عراق في تنزيه الشريعة.
[ ١ / ٢٩٣ ]
(تنبيه): الفرق بين الوعد والوعيد: أن الأول في الخير، والثاني في الشر والأصل أن يستعمل الوعد في الخير والشر، قال في المصباح: وعده وعدًا يستعمل في الخير والشر ويعدى بنفسه وبالباء فيقال: وعده الخير وبالخير، وشرًا وبالشر، وقد أسقطوا لفظ الخير والشر وقالوا من الخير وعده وعدًا وعِدَةً، وفي الشر وعده وعيدًا، فالمصدر فارق، وأوعده إيعادًا، وقالوا أوعده خيرًا وشرًا بالألف أيضًا، وأدخلوا الباء مع الألف في الشر خاصة، والخلف في الوعد عند العرب كَذِب، وفي الوعيد كرم، قال الشاعر:
وإني وإن أو عدتُّه أو وَعدتُّهُ لمُخِلفٌ إيعادِي ومُنجِزٌ مَوعِدي
اهـ.
ثم أشار ﵀ إلى قاعدة يعرف بها الوضع ذكرها بعض المحققين وهي خلاصة ما تقدم فقال: (وقال بعض العلماء الكمل) أي الذين رسخت أقدامهم في تحقيق العلوم بحيث جعلوا للمسائل ضوابط، وقواعد ليتمرن عليها القاصرون، فيستخروجوا منها جزئياتها، وقد استحسن هذا القول ابن الجوزي حيث قال: ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع اهـ.
ومقول القول جملة قوله:
(احكم) أيها المحدث (بوضع خبر) أي بكونه موضوعًا (إن) شرطية (ينجل) أي يتضح، ويظهر الخبر، وقوله: (قد باين) أي خالف (المعقولا) بألف الإطلاق أي الشيء الذي يقتضيه العقل جملة حالية من فاعل ينجلي، وجواب إن محذوف دل عليه السابق أي فاحكم بوضعه.
وحاصل المعنى: أنك تحكم بوضع الخبر إن كان مباينًا لمقتضى العقل مع عدم إمكان تأويله بالكلية، لأنه لا يجوز أن يَرِدَ الشرع بما ينافي مقتضى العقل.
مثاله: ما أسنده ابن الجوزي من طريق محمد بن شجاع الثَّلْجي عن
[ ١ / ٢٩٤ ]
حَبَّانَ بن هِلَال، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا " إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت فخلق نفسه منها " هذا لا يضعه مسلم، بل ولا عاقل، والمتهم به محمد بن شجاع كان زائغًا في دينه، وفيه أبو المهزم، قال شعبة رأيته لو أعطي درهما وضع خمسين حديثًا، قاله في التدريب.
ويلحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة كالإخبار بالجمع بين الضدين كقول الإنسان أنا الآن طائر في الهواء ومكة لا وجود لها، قاله في التوضيح. (أو منقولا) نصب على الاشتغال، أي خالف الخبر منقولًا أي دليلا ثابتًا بالنقل، وهو الكتاب والسنة المتواترة، أو الإجماع القطعي، وقوله (خالفه) جملة مفسرة.
والمعنى أنك تحكم بوضع الخبر إذا خالف نص الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي.
وهذا إذا لم يمكن الجمع بينهما، أما إذا أمكن فلا، كما زعم بعضهم
أن الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة
" لا يَؤُمَّنَّ عبد قومًا فيخص نفسه بِدَعْوَة دونهم، فإن فعل فقد خانهم " موضوع لأنه قد صح
عنه - ﷺ - أنه كان يقول في دعائه " اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت
بين المشرق والمغرب " وغيرِ ذلك، لأنا نقول يمكن حمله على ما لم يشرع للمصلي من الأدعية، لأن الإمام والمأموم يشتركان فيه بخلاف ما لم يؤثر
أفاده الصنعاني. (أو ناقض) الخبر أي خالف (الأصولا) بألف الإطلاق أي أصول الإسلام وهي الدواوين كما بينه بقوله (وفسروا الأخير) أي بين العلماء كابن الجوزي المرادَ بالأخير أي الذي ناقض الأصول (بحيث يفقد) أي يَعدَمُ، يقال: فقد فلان الشيءَ من باب ضرب إذا عدمه. (جوامع) فاعل يفقد وحذف مفعوله لكونه فضلة، تقديره يفقده جوامع، أي تَعَدمُه جوامع، بمعنى أنها لم تذكره، وهي جمع جامعة، وهي التي تجمع أنواع الحديث الثمانية وقد تقدم بيانها في آخر مبحث الحسن.
[ ١ / ٢٩٥ ]
(مشهورة) أي التي اشتهرت بين العلماء كالصَّحِيحين، وجامع الترمذي، وغيرها (ومسند) من المسانيد، ولو عرفه بأل الجنسية أو الاستغراقية لكان أولى، إذ المراد التعميم، أو على أن النكرة في الإثبات تعم، وهو قول لبعضهم، أي كل المسانيد، وهي ما ألف على تراجم الصحابة من غير نظر إلى الصحة والضعف بحيث يوافق حروف الهجاء أو السوابق الإسلامية، أو شَرَافَةَ النسب، كمسند الإمام أحمد، وابن رَاهُويَة والطيالسي، وغيرهم، وقد تقدم بيانها.
وحاصل المعنى: أنه يحكم بكون الخبر موضوعًا إذا كان خارجًا عن دواوين الإسلام من الجوامع والمسانيد، وكذا الأجزاء، والفوائد، وغيرها.
لكن قال العز بن جماعة: وهذا قد ينازع فىِ إفضائه إلى القطع وإنما غايته غلبة الظن، ولهذا قال العراقي: يشترط استيعاب الاستقراء بحيث لا يبقى ديوان ولا رَاوٍ إلا وكشف أمره في جميع أقطار الأرض وهو عسر، أو متعذر اهـ.
٢٥٩ - وَفِي ثُبُوتِ الْوَضْعِ حَيْثُ يُشْهَدُ مَعْ قَطْعِ مَنْعِ عَمَلٍ تَرَدُّدُ
(وفي ثبوت الوضع) خبر مقدم، لقوله: تردد، أي في ثبوت كون الخبر موضوعًا (حيث يشهد) بالبناء للمفعول، والظرف متعلق بثبوت، ونائب الفاعل ضمير يعود إلى المصدر المفهوم من يُشهد، أي الشهادة، أو بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى المفهوم أيضًا، أي يشهد شاهدان (مع) بسكون العين، لغة في فتحها (قطع منع عمل) أي مع كون العمل به مقطوعًا بمنعه، والظرف حال من قوله (تردد) وهو مبتدأ مؤخر.
وحاصل المعنى: أن التردد حاصل في ثبوت الوضع للخبر حيث يشهد شاهدان على ذلك مع كون العمل به ممنوعًا قطعًا، والحاصل أنه إذا شهد شاهدان على أن هذا الخبر وضعه فلان على النبي - ﷺ - كأن يرى
[ ١ / ٢٩٦ ]
عدلان رجلًا يصنف كلامًا، وينسبه إلى النبي - ﷺ -، فهل يثبت الوضع بتلك البينة؟ قال العلامة الزركشي ﵀: يشبه أن يجيء فيه التردد في أن شهادة الزور هل تثبت بالبينة مع القطع بأنه لا يعمل به؟ اهـ.
(تنبيه): قال الحافظ ابن كثير ﵀: حكي عن بعض المتكلمين إنكار وقوع الوضع بالكلية، وهذا القائل إما لا وجود له، أو هو في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعية، وقد حاول بعضهم الرد عليه بأنه قد ورد عنه - ﷺ - بأنه قد قال: " سيكذب عليَّ " فإن كان هذا صحيحًا فيقع الكذب عليه لا محالة وإن كان كذبًا فقد حصل المطلوب، وأجيب عن الأول بأنه لا يلزم وقوعه الآن إذ بقي إلى يوم القيامة أزمان يمكن أن يقع فيها ما ذكر، وهذا القول والاستدلال عليه والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث وحفاظهم الذين كانوا يتضلعون من حفظ الصحاح ويحفظون أمثالها وأضعافها من المكذوبات خشية أن تروج عليهم، أو على أحد من الناس. اهـ تنزيه الشريعة.
قلت: وهذا الحديث مما بحث عنه فلم يوجد كما نبه عليه المحلي في شرح جمع الجوامع. ثم ذكر رحمه الله تعالى الأسباب الحاملة على الوضع وهي كثيرة فقال:
٢٦٠ - وَالْوَاضِعُونَ بَعْضُهُمْ لِيُفْسِدَا دِينًا وَبَعْضٌ نَصْرَ رَأْيٍ قَصَدَا
٢٦١ - كَذَا تَكَسُّبًا، وَبعْضٌ قَدْ رَوَى لِلأُمَرَاءِ مَا يُوَافِقُ الْهَوَى
فمن الأسباب الحاملة على الوضع إفساد الدين، وهو الذي أشار إليه بقوله (والواضعون) أي المختلقون للأخبار الكاذبة، مبتدأ حذف خبره أي أقسام (بعضهم) مبتدأ خبره قوله (ليفسدا) بألف الإطلاق أي وضع ليفسد (دينًا) أي دين الإسلام.
وحاصل المعنى: أن بعض الوضاعين يضع الأخبار لأجل أن يفسد الدين وهؤلاء هم الزنادقة وضعوا إفسادًا له لاستخفافهم به، وتلبيسًا لأمره
[ ١ / ٢٩٧ ]
على المسلمين لما وقر في نفوسهم من الحقد على الإسلام وأهله، يظهرون بمظهر المسلمين، وهم المنافقون.
قال حماد بن زيد وضعت الزنادقة على رسول الله - ﷺ - أربعة عشر ألف حديث، كعبد الكريم بن أبي العوجاء قتله محمد بن سليمان العباسي الأمير بالبصرة على الزندقة بعد سنة ستين ومائة في خلافة المهدي، ولما أخذ ليضرب عنقه قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال، وأحل فيها الحرام، وكبيان بن سمعان النهدي من بني تميم ظهر بالعراق بعد المائة، وادعى إلهية علي - ﵁ -، وزعم مزاعم فاسدة، ثم قتله خالد بن عبد الله القسري، وأحرقه بالنار، وكمحمد بن سعيد بن حسان الأسدي الشامي المصلوب في الزندقة.
قال ابن الجوزي ﵀: وقد كان من هؤلاء من يتغفل الشيخ فيدس في كتابه ما ليس من حديثه فيرويه ذلك الشيخ ظنًا منه أنه من حديثه اهـ.
ومنها نصر الأراء والمذاهب، وإليه أشار بقوله:
(وبعض) من الوضاعين مبتدأ خبره جملة قوله (نصر رأي) أي مذهب من المذاهب الفاسدة التي لا دليل عليها، مفعول مقدم لقوله (قصدا) بألف الإطلاق، يعني أنه أراد أن ينصر رأيه الذي ينتحله، وحاصل المعنى: أن بعض الوضاعين وهم أصحاب الأهواء والآراء التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة حملهم على الوضع نصرة أهوائهم وآرائهم كالخطابية، والرافضة، وغيرهم.
قال عبد الله بن يزيد المُقِرئُ: أنّ رجلًا من أهل البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول: انظروا هذا الدين عمن تأخذونه، فإنا كنا إذا رأينا رأيًا جعلنا له حديثًا.
وقال حماد بن سلمة: أخبرني شيخ من الرافضة أنهم كانوا يجتمعون على وضع الأحاديث، وقال أبو العباس القرطبي صاحب كتاب المفهم شرح
[ ١ / ٢٩٨ ]
صحيح مسلم: استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلي إلى رسول الله - ﷺ - نسبة قولية فيقولون في ذلك قال رسول الله - ﷺ - كذا، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها سندًا. نقله السخاوي في شرح الألفية العراقية. ومنها قصد التكسب والارتزاق وإليه أشار بقوله (كذا) أي مثلما تقدم من أنواع الوضع، وهو خبر لمحذوف أي الوضع (تكسبًا) مفعول لأجله أي لأجل الارتزاق به يعني أن وضع الأخبار لأجل التكسب مثلما تقدم من الأنواع.
وحاصل المعنى: أن بعض الوضاعين وهم القصاص حملهم على الوضع قصد التكسب والارتزاق والتقرب للعامة بغرائب الروايات ولهم في هذا غرائب وعجائب، فمنها ما حكاه أبو حاتم البستي أنه دخل مسجدًا فقام بعد الصلاة شاب فقال: حدثنا، أبو خليفة، حدثنا أبو الوليد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس وذكر حديثًا، قال أبو حاتم: فلما فرغ دعوته قلت: رأيت أبا خليفة؟ قال: لا قلت: كيف تروي ولم تره؟ فقال إن المناقشة معنا من قلة المروة، أنا أحفظ هذا الإسناد فكلما سمعت حديثًا ضممته إليه، ومنها ما رواه ابن حبان عن مؤمل بن إهاب، قال: قام رجل يسأل النَّاس فلم يعط شيئًا فقال: حدثنا يزيد بن هارون، عن شريك عن مغيرة عن إبراهيم قال إذا سأل السائل ثلاثًا فلم يعط فليكبر عليهم ثلاثًا وجعل يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثم مَرَّ، فذكر ذلك ليزيد بن هارون، فقال كذب عليَّ الخبيثُ ما سمعت بهذا الحديث قط.
ومنها التقرب إلى الملوك والأمراء وإليه أشار بقوله (وبعض) من الوضاعين مبتدأ خبره قوله (قد روى) أي أخبر (للأمراء ما) أي الخبر الذي (يوافق الهوى) أىِ يناسب ما يهوونه ويحبونه من الأفعال والأقوال والأحوال.
وحاصل المعنى: أن بعض الوضاعين حملهم على الوضع قصد التقرب إلى الملوك والخلفاء والأمراء بالأقوال المختلقة المكذوبة على
[ ١ / ٢٩٩ ]
رسول الله - ﷺ - إرضاء للأهواء الشخصية، ونَصْرًا للأحوال السياسية كغِيَاث ابن إبراهيم النخعي الكوفي الكذاب الخبيث فإنه دخل على المهدي (١) وكان يحب الحمام ويلعب به فإذا قُدَّامَهُ حمام فقيل له: حدِّث أمير المؤمنين فقال: حدثنا فلان عن فلان أن النبي - ﷺ - قال: " لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح ". فأمر له المهديِ بِبَدْرَةٍ (٢) فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله - ﷺ -، ثم قال المهدي: أنا حملته على ذلك ثم أمر بذبح الحمام، ورفض ما كان عليه.
ومنها الوضع في الترغيب والترهيب احتسابًا وإليه أشار بقوله:
٢٦٢ - وَشَرُّهُمْ صُوفِيَّةٌ قَدْ وَضَعُوا مُحْتَسِبِينَ الأَجْرَ فِيمَا يَدَّعُوا
٢٦٣ - فَقُبِلَتْ مِنْهُمْ رُكُونًا لَهُمُ حَتَّى أَبَانَهَا الأُولَى هُمُ هُمُ
(وشرهم صوفية) مبتدأ وخبر أي أشر أصناف الواضعين قوم صوفيون، دخيلون في التصوف، نسبوا أنفسهم إلى الزهد حملهم الجهل على الوضع، وقوله (قد وضعوا) صفة لصوفية أي اختلقوا أحاديثَ، حال كونهم (مُحْتسِبينَ الأجر) أي مدخرين الأجر عند الله، يقال احتسبت الأجر على الله أي ادخرته عنده لا أرجوا ثوابًا في الدنيا، والاسم الحِسْبَة أفاده في المصباح، (فيما يدعوا) متعلق بمحتسب أي في زعمهم الباطل.
فما مصدرية ويدعوا صلتها نصب بها على قلة حملًا على " أنْ " كما ورد " كما (٣) تكونوا يولى عليكم " ذكره ابن الحاجب قال ابن مالك في إهمال أن حملًا على " ما " كالعكس:
_________________
(١) هو محمد بن المنصور العباسى.
(٢) أي عشرة آلاف درهم.
(٣) رواه الحاكم والبيهقي عن حديث يَحْيَى بن هاشم حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه أظنه عن أبي بكرة مرفوعًا. ورواية البيهقي بدون شك بحذف أبي بكرة وفال إنه منقطع وراويه يَحْيَى في عداد من يضع الحديث. اهـ المقاصد الحسنة.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وَبَعْضُهُم أَهمَلَ أَنْ حَمْلًا على مَا أخْتِهَا حَيث استَحَقتْ عَمَلَا
وحاصل المعنى: أن أشر أصناف الوضاعين صوفية وضعوا أحاديث يحتسبون الأجر بزعمهم الباطل، وجهلهم الذي بسببه لا يفرقون بين ما يجوز لهم ويمتنع عليهم في صنيعهم هذا، فيرونه قربة، ويحسبون أنهم يحسنون فإذا هم يفسدون، ولا يصلحون. (فقبلت) تلك الموضوعات (منهم) أي من هؤلاء الصوفية الجَهَلَة أي قَبِلَ الناسُ موضوعاتهم (ركونًا لهم) أي لأجل ميل النَّاس إليهم، واعتمادهم عليهم، وثوقًا بهم، لما يتصفون به من التزهد، والتدين، فاغتروا، وفَشَتْ موضوعاتهم بينهم، (حتى أبانها) أي إلى أن أظهر كونها مختلقة (الأولى) اسم موصول بمعنى الذين فاعل أبان، وقوله: (هم هم) مبتدأ وخبره صلة الموصول، وفي اتحاد المبتدإ والخبر من التعظيم ما لا يخفى كقوله:
أنا أبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي
والمعنى هم البالغون في الحفظ والإتقان وتمييزِ الخبيث الغايةَ القُصوى.
وحاصل معنى البيتين: أن أشر أصناف الوضاعين وأعظمهم ضررًا قوم نسبوا أنفسهم إلى الزهد والتصوف ولم يتحرجوا عن وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب احتسابًا للأجر عند الله ورغبة في حض النَّاس على عمل الخير واجتناب المعاصي فيما زعموا، وهم بهذا العمل يفسدون ولا يصلحون، وقد اغتر بهم كثير من العامة، وأشباههم، فصدقوهم ووثقوا بهم لما نسبوا إليه من الزهد والصلاح، وليسوا موضعًا للصدق ولا أهلًا للثقة، وبعضهم دخلت عليه الأكاذيب جهلًا بالسنة لحسن ظنهم وسلامة صدرهم، فيحملون ما سمعوه على الصدق، ولا يهتدون لتمييز الخطأ من الصواب، وهؤلاء أخف حالًا وأقل إثمًا من أولئك، ولكن الواضعون منهم أشد خطرًا لخفاء حالهم على كثير من الناس.
فلولا أئمة السنة لاخْتَلَطَ الأمر على العامة ولسقطت الثقة بالأحاديث.
[ ١ / ٣٠١ ]
فلقد أنشأ الله أقوامًا بذلوا جهدهم في الذب عن السنة وتوضيح الصَّحِيح من القبيح، وما أخلى الله عنهم عصرًا من الأعصار، وإن قلوا في هذا الزمان، وتناءت بهم الديار فصاروا أعز من الكبريت الأحمر.
من الوافر:
وَقَدْ كَانُوا إِذَا عُدُّوا قَلِيلًا فَقَدْ صَارُوا أقَلَّ مِنَ الْقَلِيل
ومَرَّ أحمد بن حنبل على نفر من أصحاب الحديث وهم يعرضون كتابًا لهم فقال ما أحسب هؤلاء إلا ممن قال رسول الله - ﷺ - " لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة ".
قال ابن حبان: ومَنْ أحقُّ بهذا التأويل من قوم فارقوا الأهل والأوطان، وقنعوا بالكسر والأطمار، في طلب السنن والآثار، يجولون البراري والقفار، ولا يبالون بالبؤس والافتقار، متبعين لآثار السلف الماضين، وسالكين ثَبَجَ مَحَجة الصالحين، بِرَدِّ الكذب عن رسول رب العالمين، وذب الزور عنه حتى وضح للمسلمين المنار، وتبين لهم الصَّحِيح من الموضوع والزورِ من الأخبار. وما أحسن ما قاله العلامة محمد بن المديني ﵀ في وصفهم: من الطويل
أحَقُّ أنَاسٍ يُستَضاءُ بِهَديهِم أئِمَّةُ أصحابِ الحَدِيث الأفَاضِلِ
خَلائِفُ أصحابِ الحَدِيثِ ذَوو الحِمى لَهُم رُتَبٌ عَلْياَ وَأسْنَى الفَضَائِل
فلَولاَ هُمُ لم يَعرِفِ الشَّرعَ عالِمٌ وَلَم تَكُ فَتْوىَ فِي فُنُونِ المسائِل
وهَلَ نَشَرَ الآثارَ قَومٌ سِوَاهُمُ نَعَم حَفِظُوهَا ناقِلًا بَعدَ ناقِل
فَدَيْتُهُمُ مِن عُصْبَةٍ عَلَمِ الهُدَى لَقَد أحْرَزُوا فَضْلًا عَلَى كُلِّ فَاضل
هُمُ القَومُ لَا يَشقَى لَعَمْرِيِ جَلِيسُهُمْ فَمَن فاتَهُمْ يحَظَى بِغَيرِ الفَضَائِل
وقول بعضهم:
عَلَيكَ بِأصحَابِ الحَديثِ فَإِنَّهُمْ خِيَارُ عِبَادِ اللهِ فِي كُلِّ مَحْفَلِ
وَلَا تَعْدُونْ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ نُجُومُ الْهُدَى فِي أعْيُنِ الْمُتَأمِّلِ
[ ١ / ٣٠٢ ]
جَهَابِذَةٌ شُم سَرَاةٌ فَمَن أتَى إِلى حَيِّهِمْ يَومًا فَبِالنًّورِ يَمْتَلِى
لَقَدْ شَرَقَتْ شَمسُ الْهُدَى فِي وُجُوهِهمْ وَقدْرُهُمُ فِي الناسِ مَا زَالَ يَعْتَلى
فَلِلَّهِ مَحْياهُمْ معًا وَمَماتُهُمْ لَقَدْ ظَفِرُوا إدْرَاكَ مَجْدٍ مُؤثَّل
وَقَالَ الإمَامُ الشَّافِعِيُّ مَقَالَةً غَدَتْ مِنْهُمُ فَخْرًا لِكُلِّ مُحَصِّلِ
أرَى الْمَرْأَ مِنْ أهْلِ الْحَدِيثِ كأنَّهُ رَأى الْمَرْأ مِنْ صَحْبِ النَّبِيّ الْمُفَضَّل
عَلَيهِ صَلَاةُ اللهِ مَا ذَرَّ شَارِق وَآلٍ لَهُ وَالصَّحْبِ أهْلِ التفَضُّلِ
(تنبيه): قال المحقق ابن شاكرٍ ما نصه: هذه هي النسخة الصَّحِيحة في البيت المصححة على النسخة المقرؤة على المؤلف، ورواه الشارح حتى أبانها أُلُو هِمَمْ هُمُ، وجعل كلمة هم مبتدأ خبره كالواضعين في البيت الذي بعده، وشرح الكلام على ذلك، وهو تكلف ظاهر لا داعي له.
قلت: دعواه التكلف غير صحيح إذ المعنى عليه صحيح أيضًا لأن أولو بمعنى أصحاب مضاف إلى همم، أي أصحاب همم والتنوين للتعظيم، أي همم عالية، أي أظهر تلك الغلطاتِ أصحابُ همم عالية.
وأما جعله هم مبتدأ خبره كالواضعين، وإن كان فيه تضمين فهو جائز للمولدين. هذا كله إذا كانت النسخة من الناظم، وأما إذا كانت غير صادرة عنه فيتعين ما هو المقروء عليه، فتنبه. ثم ذكر ﵀ بعض الوضاعين حسبة، وهم الذين وضعوا في فضائل القرآن سورة سورة، فقال:
٢٦٤ - كَالْوَاضِعِينَ فِي فَضَائِلِ السُّوَرْ فَمَنْ رَواهَا فِي كِتَابِهِ قَذَرْ
(كالواضعين) خبر لمحذوف أي هم كالوضعين (في فضائل السور) أي مزايا وثواب من قرأها، والمراد كل سورة القرآن.
وحاصل المعنى: أن من الوضاعين الذين يضعون حسبة وتقربًا إلى الله تعالى بزعمهم الباطل من وَضَعَ فضائل القرآن سورة سورة، وإلا فقد ثبت فضائل بعض السور، كما يأتي، فمن هؤلاء أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي قاضيها وعالمها، قال الذهبي: يقال له نوح الجامع لأنه
[ ١ / ٣٠٣ ]
أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحديث عن الحجاج بن أرطأة، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، والمغازي عن ابن إسحاق، ولي قضاء مرو في خلافة المنصور، وامتدت حياته.
قيل له من أين لك عن عكرمة، عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت النَّاس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة.
وكان يقال له الجامع لجمعه كل شيء: قال أبو حاتم ﵀: جمع كل شيء إلا الصدق. ومنهم ميسرة بن عبد ربه البصري الأكَّالُ لكثرة أكله، قال ابن مهدي: قلت لميسرة بن عبد ربه من أين جئت بهذه الأحاديث من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب النَّاس بها. ومن الموضوع أيضًا حديث أبي بن كعب - ﵁ - الطويل في فضائل القرآن سورة سورة انظر التدريب وغيره. ثم ذكر المفسرين الذين ذكروا هذه الموضوعات في كتبهم تحذيرًا عن الاغترار بهم. فقال: (فمن رواها) أي نقل هذه الموضوعات في فضائل السور جميعها من المفسرين كالواحدي والثعلبي والزمخشري والبيضاوي وأبي السعود (في كتابه) خبر مقدم لقوله (قذر) بالقاف والذال المعجمتين المفتوحتين، أي وسخ والجملة خبر من.
والمعنى: أن من نقل تلك الأخبار المختلفة ففي كتابه وسخ، وهو ذلك الكلام المكذوب على رسول الله - ﷺ -.
وفي نسخة المحقق: فَذَر بالفاء والذال، فعل أمر من وَذِرَ كفرح، يقال وذِرْتُهُ بالكسر أذَرُهُ بالفتح وَذْرًا بفتح فسكون، أي تركته، وفي المصباح: قالوا: وأماتت العرب ماضيه، ومَصْدَرَهُ، فإذا أريد الماضي قيل: تَرَك، وربما استعمل الماضي على قلة، ولا يستعمل منه اسم فاعل اهـ.
والمعنى على هذا فمن روى فضائل السور في كتابه فَدع كتابه، ولا تعتمد عليه، لكونه جمع تلك الأخبار المختلَقَةَ.
[ ١ / ٣٠٤ ]
قال العراقي: لكن من أبرز إسناده منهم يعني كالأولين فهو أبسط لعذره، إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وأما من لم يذكر سنده فأورده بصيغة الجزم - فخطأوه أفحش كالزمخشري اهـ.
لكن قال السخاوي: إنه لا تبرأ ذمته من العهدة في هذه الأعصار المتأخرة بالاقتصار على إيراد إسناده، لعدم الأمن من المحذور به، وإن كان صَنَعَهُ أكثر المحدثين في الأعصار الماضية في سنة مائتين وهلم جَرَّا هـ.
(تنبيه): إنما قيدنا بكل سور القرآن لأنه ورد في فضائل بعض السور أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف ليس بموضوع.
وتفسير الحافظ ابن كثير أجل ما يعتمد عليه في ذلك فإنه أوْرَدَ غالبَ ما جاء في ذلك مما ليس بموضوع وإن فاته أشياء، قاله الناظم.
قال: وقد جمعت في ذلك كتابًا لطيفًا سميته " خمائل الزُّهر في فضائل السور " اهـ.
ثم ذكر بعض المخذولين الذين أجازوا الكذب على رسول الله - ﷺ - ترغيبًا وترهيبًا، فقال:
٢٦٥ - وَالْوَضْعُ فِي التَّرْغِيبِ ذُو ابْتِدَاعِ جَوَّزَهُ مُخَالِفُ الإِجْمَاعِ
(والوضع) مبتدأ خبره ذو ابتداع أي وضع الأخبار واختلاقها (في الترغيب) أي ترغيب النَّاس، وحملهم على الطاعة، وكذا في الترهيب عن المعصية (ذو ابتداع) أي مبتدع يقال: ابتدع الشيء إذا استخرجه، وأحدثه، يعني أن وضع الحديث في الترغيب والترهيب شيء مبتدع ابتدعه بعض من لا يخاف الله من الجهلة كما ذكره بقوله: (جوزه) أي الوضع المذكور (مخالف الإجماع) أي إجماع أهل الإسلام.
[ ١ / ٣٠٥ ]
والمعنى: أن مجوز ذلك مخالف لإجماع المسلمين فقد أجمعوا على تحريمه في أي معنى كان وجعلوه من أكبر الكبائر.
ثم إن هؤلاء المجوزين هم بعض الكَرَّامية وهم قوم منسوبون إلى محمد بن كرام السجستاني، المتكلم، بفتح الكاف وتشديد الراء، وقيل بالتخفيف، وقيل بكسر الكاف وتخفيف الراء، وهو الجاري على ألسنة أهل بلده، وأنشد بعضهم على التخفيف قوله: (من الكامل)
الْفِقْة فِقْهُ أبي حَنِيفَةَ وَحْدَهُ وَالدِّينُ دِينُ مُحَمدِ بْنِ كِرَامِ
وقبله:
إنَّ الذِينَ لجَهْلِهِمْ لَمْ يَقْتَدُوا فِي الدِّينِ بِابنِ كِرَام غَيْرُ كِرَامِ
وهو أبو عبد الله محمد بن كرام شيخ الطائفة الكرامية، كان عابدًا زاهدًا، إلا أنه خذِلَ حتى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاهَا توفي سنة ٢٥٥ هـ، واستدل هؤلاء على جواز ذلك بما روي في بعض طرق الحديث " من كذب عليّ مُتَعَمِّدًا ليضل به النَّاس فليتبوأ مقعده من النار " أخرجه الطبراني عن عمرو بن حريث، وأبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود، قالوا فتحمل الروايات المطلقة على الروايات المقيدة، كما يتعين حمل الروايات المطلقة عن التعمد على المقيد به.
وأجيب بأن قوله ليضل به النَّاس مما اتفق الحفاظ على أنها زيادة ضعيفة. وحمل بعضهم حديث من كذب على مُتَعَمِّدًا على من قال إنه ساحر أو مجنون واستدلوا لذلك بحديث أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ - " من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده بين عيني جهنم قالوا يا رسول الله نحدث عنك بالحديث فنزيد وننقص قال: ليس ذلك أعني، إنما أعني الذي كذب علي متحدثًا يطلب به شين الإسلام " الحديث أخرجه الطبراني في الكبير وابن مردويه، والجواب عن هذا ما قاله الحاكم: إنه حديث باطل فيه
[ ١ / ٣٠٦ ]
محمد بن الفضل بن عطية اتفقوا على تكذيبه، وقال صالح جزرة كان يضع الحديث.
وقال بعضهم: إنما قال من كذب عَلَيَّ ونحن نكذب له ونُقَوِّي شرعه، وجوابه أن هذا جهل منهم باللغة لأنه كذب عليه في وضع الأحكام، فإن المندوب قسم منها ولأنه يتضمن الإخبار عن الله في الوعد على ذلك العمل بالإثابة والإخبار بالعقوبة المعينة ولأنه تعالى قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية فلا يحتاج إلى زيادة تُقَوِّيهِ.
ولما كان من العلماء من بالغ فكفر الكاذب على رسول الله - ﷺ - ذكره بقوله:
٢٦٦ - وَجَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بِكُفْرِهِ بِوَضْعِهِ إِنْ يَقْصِدِ
(وجزم) أي قطع الشيخ العلامة (أبو محمد) عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف الجويني نسبة إلى جوين بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء وآخره نون ناحية كبيرة من نواحي نيسابور، وتفقه على أبي الطيب الصعلوكي، وأبي بكر القفال، وسمع الحديث على أبي عبد الرحمن السلمي، وأبي علي بن شاذان، وغيرهما، توفي ﵀ بنيسابور سنة (٤٣٤ هـ).
(بكفره) متعلق بجزم أي بكفر ذلك الشخص الذي وضع الحديث على رسول الله - ﷺ - (بوضعه) متعلق بكفر، أي حكم بسبب وضعه الحديث، أو خبر لمحذوف أي ذلك كائن بوضعه (إن) شرطية (يقصد) بالبناء للفاعل، أي إن يتعمد ذلك، يعني أنه إنما يحكم عليه بالكفر إن فعل ذلك متعمدًا قاصدًا له لا عن سهو ولا غلط.
وقد أيد العلامة ابن الوزير في التنقيح قول الجويني هذا، حيث قال:
[ ١ / ٣٠٧ ]
ويدل على قوله، قول الله تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧» فسوى بين الكذب على الله وتكذيبه.
ونقل الحافظ ابن كثير عن أبي الفضل الهَمَذَاني شيخ ابن عقيل من الحنابلة أنه وافق الجويني على هذه المسألة. ثم إن غالب الموضوعات مما اختلقه الوَضَّاعون. وبعضه مأخوذ من كلام النَّاس وإليه أشار بقوله:
٢٦٧ - وَغَالِبُ الْمَوْضُوعِ مِمَّا اخْتَلَقَا وَاضِعُهُ، وَبَعْضُهُمْ قَدْ لَفَّقَا
٢٦٨ - كَلامَ بَعْضِ الْحُكَمَا
(وغالب) الخبر (الموضوع) مبتدأ خبره قوله (مما اختلقا) بالبناء للفاعل، والألف إطلاقية، والفاعل قوله (واضعه)، والمعنى أن غالب الموضوعات مما صنعه الوضاعون من عند أنفسهم كما قدمناه من الأمثلة.
وكما وضعه مأمون بن أحمد الهروي لَمَّا قيل له ألا ترى إلى الشافعي، ومن تبعه بخراسان؟ من قوله: حدثنا أحمد بن عبد الله، حدثنا عبيد الله بن معدان الأزدي، عن أنس مرفوعًا " يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي ".
قال الملا علي القاري: ولقد رأيت رجلًا قام يوم الجمعة والناس مجتمعون قبل الصلاة فابتدأ ليورد هذا الموضوع فسقط من قامته مغشيا عليه.
وكذا ما وضعه محمد بن عكاشة الكرماني لما قيل له إن قومًا يرفعون أيديهم في الركوع وفي الرفع منه، من قوله: حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس مرفوعًا " من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له ".
[ ١ / ٣٠٨ ]
ثم ذكر الكلام الملفوق بقوله:
(وبعضهم) أي الوضاعين مبتدأ خبره قوله (قد لفقا) بألف الإطلاق أي ضم يقال: لفقت الثوب لفقًا من باب ضرب: ضممت إِحدى الشقتين إلى الأخرى (كلام بعض الحكما) مفعول لفق، والحكما بالقصر للوزن جمع حكيم، وهو من يعرف الحكمة، وهي كما في تعريفات الجرجاني علم يبحث فيه عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في الوجود بقدر الطاقة البشرية.
والمعنى أن بعض الوضاعين ما وضع الأخبار من عند نفسه، وإنما أخذ ذلك من كلام بعض (١) الحكماء، أو الصحابة، أو ما يروي من الإسرائيليات فيضمه وينسبه إلى رسول الله - ﷺ - ترويجًا له " كالمعدة بيت الداء والحمية رَأس الدواء " قيل إنه كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، " وكحب الدنيا رأس كل خطيئة " إما من قول عيسى ابن مريم ﵉، أو من قول جندب البجلي - ﵁ -، أو من قول مالك بن دينار، أو من قول سعد بن مسعود التجيبي أقوال.
لكن أخرجه البيهقي في الشعب بسند حسن إلى الحسن البصري رفعه مرسلًا قال العراقي ومراسيله عندهم شبه الريح اهـ.
لكن قال الحافظ: مراسيله أثنى عليها أبو زرعة، وابن المديني فلا دليل على وضعه اهـ.
وقال السخاوي لا يصح التمثيل به إلا أن يكون سنده مما ركب فقد
_________________
(١) كالحارث بن كلدة وبقراط وأفلاطون وأرطاطاليس.
[ ١ / ٣٠٩ ]
ركبت أسانيد مقبولة لمتون ضعيفة، أو متوهمة فيكون من أمثلة الوضع السَّندي اهـ.
ثم إن ما تقدم كله في الوضع قصدًا، وقد يقع غلطًا وإليه أشار بقوله:
وَمِنْهُ مَا وُقُوعُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَهَمَا
(ومنه) أي الموضوع خبر مقدم لقوله (ما) أي الكلام الذي كان (وقوعه) أي صدوره من الراوي (من غير قصد) لوضعه بل وقع (وهما) مفعول لأجله أي لِوَهَمِ الراوي، والوَهَم كالغلط وزنًا ومعنى.
وحاصل المعنى: أن من أقسام الموضوع ما لم يقصد وضعه، وإنما وهم فيه بعض الرواة قال ابن الصلاح إنه شبه الوضع، أي من حيث إنه ليس بحديث في إرادة قائله ولا وضعه.
قال الناظم: فليس بموضوع حقيقة بل هو بقسم المدرج أولى اهـ.
وقدمنا مثاله هناك بحديث ثابت بن موسى الزاهد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعًا " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ".
ولما كان الحافظ ابن الجوزي متساهلًا في الحكم على الحديث بالوضع ذكره بقوله:
٢٦٩ - وَفِي كِتَابِ وَلَدِ الْجَوْزِيِّ مَا لَيْسَ مِنَ الْمَوْضُوعِ حَتَّى وُهِّمَا
٢٧٠ - مِنَ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ وَالْحَسَنْ ضَمَّنْتُهُ كِتَابِيَ " الْقَوْلَ الْحَسَنْ "
(وفي كتاب) الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الله القرشي البكري الصديقي البغدادي الحنبلي الواعظ المعروف بابن الجوزي كما قال: (ولد الجوزي) بفتح الجيم نسبة
[ ١ / ٣١٠ ]
إلى الجوزة، لجوزة كانت في دارهم لم يكن بواسط سواها ولد سنة ٥١٠، أو قبلها، صنف التصانيف الكثيرة، منها زاد المسير في التفسير، وجامع المسانيد، والمغني في علوم القرآن، وغيرها مات يوم الجمعة ١٣ رمضان سنة ٥٩٧، قال الذهبي: لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة بل باعتبار كثرة اطلاعه وجمعه اهـ.
وقوله: في كتاب خبر مقدم لقوله (ما) أي الحديث الذي (ليس من الموضوع) أصلًا لعدم ما يدل على وضعه، بل هو ضعيف، بل وفيه الحسن، والصَّحِيح كما سيأتي (حتى وهما) بالبناء للمفعول من التوهيم، أي نسبه العلماء الحفاظ والأئمة النقاد إلى الوهم أي الغلط في ذكره ذلك في جملة الموضوعات، قال بعضهم: صنف ابن الجوزي كتاب الموضوعات فأصاب في ذكر أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل، ولم يصب في إطلاقه الوضع على أحاديث بكلام بعض النَّاس في أحد رواتها كقوله فلان ضعيف، أو ليس بقوى، أو لين، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه ولا فيه مخالفة ولا معارضة لكتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا حُجَّةَ بأنه موضوع سوى كلام ذلك الرجل في راويه، وهذا عدوان ومجازفة اهـ.
وقال الحافظ: غالب ما في كتابه موضوع، والذي ينتقد عليه بالنسبة إلى ما لا ينتقد قليل جِدًّا، قال وفيه من الضرر أن يُظَنَّ ما ليس بموضوع موضوعًا عكس الضرر بمستدرك الحاكم، فإنه يظن ما ليس بصحيح صحيحًا، قال ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين، فإن الكلام في تساهلهما أعدم الانتفاع بهما إلا لعالم بالفن لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه تساهل اهـ.
وقوله: (من الصَّحِيح) بيان لما أي من الحديث الصَّحِيح (والضَّعِيف) منه (ضمنته) أي ذكرت ما في كتابه مما ليس من الموضوع بل إما صحيح، أو حسن، أو ضعيف ضمن (كتابي) بفتح الياء لغة في سكونها المسمى (القول الحسن) في الذب عن السنن.
[ ١ / ٣١١ ]
وأصل هذا الكتاب أن الحافظ ألف كتابًا سماه " القول المسدد في الذب عن مسند أحمد " أورد فيه أربعة وعشرين حديثًا في المسند، وهي في كتاب ابن الجوزي، وانتقدها حديثًا حديثًا، فذيل عليه الناظم، وزاد على ذلك أربعة عشر حديثًا، وهي في المسند أيضًا ثم ألف كتابا آخر، وهو الذي ذكره هنا ذيلًا على هذين الكتابين أورد فيه مائة وبضعة وعشرين حديثًا ليست بموضوعة، منها ما في سنن أبي داود، وهي أربعة أحاديث، منها حديث صلاة التسبيح، ومنها ما هو في جامع الترمذي وهو ثلاثة وعشرون حديثًا ومنها ما هو في سنن النسائي وهو حديث واحد، ومنها ما هو في سنن ابن ماجه، وهو ستة عشر حديثًا، ومنها ما هو في صحيح البخاري رواية حماد بن شاكر وهو حديث ابن عمر " كيف يا ابن عمر إذا عمرت بين قوم يخبئون رزق سنتهم " هذا الحديث أورده الديلمي في مسند الفردوس، وعزاه للبخاري، وذكر سنده إلى ابن عمر، قال الناظم: ورأيت بخط العراقي أنه ليس في الرواية المشهورة، وأن المِزِّيَّ ذكر أنه في رواية حماد بن شاكر، ومنها ما هو في تأليف البخاري غير الصَّحِيح، كخلق أفعال العباد، أو تعاليقه في الصَّحِيح، أو مؤلف أطلق عليه اسم الصَّحِيح، كمسمند الدارِميّ، والمستدرك، وصحيح ابن حبان، أو في مؤلف معتبر كتصانيف البيهقي، فقد التزم أن لا يخرج فيها حديثًا يعلمه موضوعًا، ومنها ما ليس في أحد هذه الكتب.
قال الناظم: وقد حررت الكلام على ذلك حديثًا حديثًا فجاء كتابًا حافلًا، وقلت في آخره نظمًا (من المتقارب):
كِتَابُ الأبَاطيلِ لِلْمُرْتَضَى أبِى الفَرَجِ الحَافِظِ المُقْتَدىِ
تَضَمَّنَ مَا لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ لِذِى الْبَصَرِ الناقِدِ الْمُهْتَدىِ
فَفِيهِ حَدِيثٌ رَوىَ مُسْلِم وَفَوْقَ الثلَاثِينَ عَنْ أحْمَدِ
وَفَردٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيِّ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ المُسْنِدِ
وَعنْدَ سُليمَانَ قُلْ أرْبَعٌ وَبِضْعٌ وَعِشْرُونَ فِي التِرْمِذِي
[ ١ / ٣١٢ ]
وَللنَّسَئِيْ وَاحِدٌ وَابْنِ مَا جَهٍ سِتَّ عَشْرَةَ إنْ تَعْدُدِ
وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ لَا فِي الصَّحِيحِ وَللدَّارِمِيْ الْحَبْرِ فِي المُسْنَدِ
وَعِنْدَ ابنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ الـ إمَامِ وَتلْمِيذِهِ الْجهْبِذي
وَتَعْلِيقُ إِسْنادِهِمْ أرْبَعُونَا وَخُذْ مِثْلَهَا وَاسْتَفِدْ وَانْقُدِ
وَقَدْ بَانَ ذَلِك مَجْمُوعُهُ وَأوضَحْتُهُ لَكَ كَيْ تَهْتَدِي
وَثَمَّ بَقَايَا لَمُسْتَدرِكٍ فَمَا جُمِعَ الْعِلْمُ فِي مُفْرَدِ
ثم ذكر ﵀ مما حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وهو في أحد الصَّحِيحين فقال:
٢٧١ - وَمِنْ غَرِيبِ مَا تَرَاهُ فَاعْلَمِ فِيهِ حَدِيثٌ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمِ
(ومن غريب) أي بعيد، يقال كلام غريب، أي بعيد من الفهم، أفاده في المصباح، وفي " ق " غَرُبَ ككرم غمض وخفي. اهـ، وفي التاج: والكلام الغريب العميق الغامض، يعني من أبعد (ما تراه) أيها المحدث (فاعلم) جملة معترضة أي اعلم ذلك وتحققه (فيه) أي في كتاب ابن الجوزي متعلق بترى وقوله (حديث) مبتدأ مؤخر خبره قوله من غريب (من صحيح مسلم) صفة لحديث، أي كائن في صحيح الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري.
وحاصل المعنى: أن من أغرب وأعجب ما تراه في ذلك الكتاب حديثًا واحدًا ذكر في صحيح الإمام مسلم، وهو ما رواه من طريق أبي عامر العقدي، عن أفلح بن سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - " إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قومًا يغدون في سخط الله وَيَرُوحُونَ في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر " قال الحافظ: وهذا الحديث في المسند من وجهين، ولم أقف في كتابه على شيء حكم عليه بالوضع، وهو في أحد الصَّحِيحين غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة منه، ثم تكلم عليه وعلى شواهده، قلت قدمنا عن الناظم حديثًا آخر في صحيح البخاري رواية حماد بن شاكر فتنبه.
[ ١ / ٣١٣ ]
(تنبيهان):
الأول: يقع في كلامهم المطروح، وهو غير الموضوع جزمًا، وقد أثبته الذهبي نوعا مستقلًا، وعَرَّفه بأنه ما نزل عن الضَّعِيف، وارتفع عن الموضوع ومثله بحديث عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن الحسن، عن علي، وبجويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال الحافظ: وهو المتروك في التحقيق. اهـ. قلت قد تقدم البحث عنه في بابه.
(الثاني): قال النسائي: الكذابون المعروفون بوضح الحديث أربعة ابن (١) أبي يَحْيَى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام. نقله في التدريب.
وقد نظمت ذلك حيث قلت: من الرجز
مَنْ عُرِفوا بِالْوَضْعِ قُلْ أربَعَةُ ابنُ أبي يَحْيَى حَوَتْهُ طَيْبَةُ
وَالْوَاقِدِيُّ قُلْ بِبَغْدَادَ فَرَى (٢) وَبِخُرَاسَانَ مُقَاتِلُ افْتَرَى
مُحَمَّدُ الْمَصْلُوبُ بِالشَّامِ اعْتَدَى لِذَا النَّسَائِي الْبَصِيرُ أرْشَدَا
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله: وبدليل فيه إلى آخر البيت العاشر، وقوله بعضهم ليفسدا إلى ما يوافق الهوى، وقوله مخالف الإجماع، إلى إن يقصد، وقوله: من الصَّحِيح، وقوله والحسن إلى آخر الباب.
ثم لما أنهى الكلام على الصَّحِيح وما يتعلق به والحسن وما يتعلق به والضَّعِيف وما يتعلق به، وذكر أنواعًا من الضَّعِيف لها ألقاب خاص كالشَّاذ، والمنكر، ونحوهما بأبواب متتالية أتبعها بخاتمة تتعلق بها جَمِيعِهَا تتميمًا لمسائلها فقال:
_________________
(١) هو إبراهيم بن محمد بن أبي يَحْيَى المدني متروك، مات سنة (١٨٤) وقيل (١٩١) قاله في التقريب ٢٣.
(٢) يقال فرى عليه عن باب وهى كذب كافترى عليه أفاده في المصباح.
[ ١ / ٣١٤ ]