أي هذا مبحثه، وهو النوع الحادي والخمسون من أنواع علوم الحديث.
وهو علم جليل عظيم الفائدة إذ به يعرف المتصل من المرسل كما يأتي في قول الناظم:
وَمِنْ مُفَادِ عِلْمِ ذَا وَالأَوَّلِ مَعْرِفَةُ الْمُرْسَلِ وَالْمُتَّصِلِ
٦٥٣ - ثُمَّ الصَّحَابِي مُسْلِمًا لَاقِي الرَّسُولْ وَإِن بِلَا رِوَايَةٍ عَنْهُ وَطُولْ
(ثم) بعد أن عرفت ما تقدم من أنواع علوم الحديث ينبغي أن تتهيأ لمعرفة ما بقي من الأنواع، منها: معرفة الصحابة - ﵃ -، و(الصحابي) بتخفيف الياء للوزن مبتدأ، وفي نسخة المحقق حدُّ الصحابي، أي تعريف الصحابي (مسلمًا) حال من قوله: (لاقى الرسول) اسم فاعل خبر المبتدإ، قال المحقق: ضبطت في النسخة المقروءة على المصنف بكسر القاف، والأولى فتحها اهـ.
قلت: بل المقروء على المصنف: هو الأولى، كما لا يخفي، يعني: أن الصحابي هو من لقي رسول الله - ﷺ - مسلمًا (وإن) كانت الملاقاة (بلا رواية) أي نقل حديث (عنه) - ﷺ - (و) بلا (طول) زمان.
[ ٢ / ١٧٩ ]
يعني: أن الشرط فيه كونه ملاقيًا له مؤمنًا به، ولو لم يرو عنه، أو تطل مدة اجتماعه به فيشمل المجالسة، والمماشاة، ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه، وتدخل رؤية أحدهما الآخر، سواء كان بنفسه، أو بغيره، فاللقي: كالجنس، و" مسلمًا " كالفصل يخرج من حصل له اللقاء في حاله كفره، و" به " فصل ثان يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره من الأنبياء.
والتعبير باللقاء أولى من التعبير بمن رأى لئلا يخرج العميان.
٦٥٤ - كَذَاكَ الاتْبَاعُ مَعَ الصَّحَابَةِ وَقِيلَ: مَعْ طُولٍ وَمَعْ رِوَايَةِ
٦٥٥ - وَقِيلَ: مَعْ طُولٍ، وَقِيلَ: الْغَزْوِ أَوْ عَامٍ، وَقِيلَ: مُدْرِكُ الْعَصْرِ وَلَوْ
(كذاك الأتباع) مبتدأ وخبر، أي التابعون (مع الصحابة) مثل الصحابة مع النبي - ﷺ - في جميع ما تقدم إلا الإيمان به فإنه خاص بالنبي - ﷺ -.
فالتابعي من لقي الصحابي مطلقا، وهذا هو المختار، خلافًا لمن اشترط فيه طول الملازمة، أو صحة السماع، أو التمييز. قال العراقي: وقد أشار - ﷺ - إلى الصحابة والتابعين بقوله: " طوبى لمن رآني وآمن بى وطوبى لمن رأى من رآني " الحديث فاكتفى فيهما بمجرد الرؤية.
(وقيل) الصحابي من لقي النبي - ﷺ - مسلمًا (مع) بسكون العين (طول) في الصحبة (ومع رواية) للحديث عنه نظرًا في الطول إلى العرف، وفي الرواية إلى أنها المقصودة من صحبته - ﷺ - لتبليغ الأحكام عنه. وهذا القول للجاحظ المعتزلي.
(وقيل) هو من لقي النبي - ﷺ - (مع طول) في المجالسة له، وهذا القول محكي عن أصحاب الأصول، أو بعضِهِم، وحاصله: أن الصحابي من طالت مجالسته له - ﷺ - على طريق التبع له والأخذ عنه بخلاف من وَفَدَ عليه، وانصرف بلا مصاحبة، ولا متابعة قالوا: وذاك معنى الصحابي لغة، وَرُدَّ بإجماع أهل اللغة على أنه مشتق من الصحبة لا من قدر منها مخصوص، وذلك يطلق على كل من صحب غيره قليلًا كان أو كثيرًا (وقيل
[ ٢ / ١٨٠ ]
الغزو) أي قال بعضهم: هو من لاقاه - ﷺ - وأقام معه حتى غزا غزوة فأكثر، فقوله: الغزو بالجر بحذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله، أي اللقاء مع الغزوِ (أو عام) بالجر أيضًا أي مع عام، يعني: أنه لاقاه وجالسه سنة فأكثر، وهذا القول مروى عن سعيد بن المسيب، وحاصله: أنه كان لا يعد صحابيًا إلا من أقام معّ رسول الله - ﷺ - سنة، أو سنتين، أو غزا معه غزوة، أو غزوتين، لأن لصحبته - ﷺ - شرفًا عظيمًا فلا ينال إلا باجتماع طويل يظهر فيه الخلُق المطبوع عليه الشخص، كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من العذاب، وَالسَّنَة المشتملة على الفصول الأربعة التى يختلف بها المزاج.
قال العراقي: ولا يصح هذا عن ابن المسيب ففي إسناده إليه محمد بن عُمَر الواقدي ضعيف في الحديث اهـ.
وعلى تقدير صحته فهو مردود إذ مقتضاه أن لا يَعدَّ جريرًا البجلي وشبهه صحابيًا إذ هو أسلم عام وفاة النبي - ﷺ - على الصَّحِيح، ولا خلاف أنهم صحابة.
(وقيل) الصحابي (مدرك العصر) أي من أدرك زمنه - ﷺ - (ولو) لم يلق، ولم يرَ، فمدخُولُ " لَوْ " محذوف، يعني: أن الشخص يسمى صحابيًا ولو لم يلقه، ولم يره - ﷺ -، وهذا القول محكي عن يحيى بن عثمان بن صالح المصري، وعَدّ من ذلك عبد َاللْه بن مالك الجيشاني أبا تميم، ولم يرحل إِلى المدينة المنورة إلا في خلافة عمر باتفاق.
فجملة الأقوال في النظم خمسة، وبقي سادس كره في التدريب، وهو أنه من رآه بالغًا حكاه الواقدي وهو شاذ، والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول.
قال الحافظ: لا خفاء في رجحان رتبة من لازمه - ﷺ - وقاتل معه أو قُتِل تحت رايته على من لم يلازمه أو لم يحضر معه مَشْهَدًا، وعلى من كلمه يسيرًا، أو ماشاه قليلًا، أو رآه على بعد، أو فى حال الطفولة، وإن كان
[ ٢ / ١٨١ ]
شرف الصحبة حاصلًا للجميع، ومن ليس له منهم سماع منه فحديثه مرسل من حيث الرواية، وهم مع ذلك معدودون في الصحابة لما نالوه من شرف الرؤية اهـ.
٦٥٦ - وَشَرْطُهُ الْمَوْتُ عَلَى الدِّينِ وَلَوْ تَخَلَّلَ الرِّدَّةُ. وَالْجِنُّ رَأَوْا
٦٥٧ - دُخُولَهُمْ دُونَ مَلائِكٍ. وَمَا نَشْرِطْ بُلُوغًا فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا
(وشرطه الموت على الدين) مبتدأ وخبر، أي شرط الصحابي في دوام اسم الصحبة له موته على الإسلام فلا يعد من الصحابة من ارتد بعد الصحبة، ومات مرتدًا، والعياذ بالله، كعبيد الله بن جحش، وعبد الله بن خطل.
(ولو تخلل الردة) يحتمل أن يكون فعلًا ماضيًا، وأن يكون فعلًا مضارعًا بحذف إحدى التاءين، وحذفت تاء التأنيث في الماضي لأن الفاعل ليس حقيقي التأنيث، أي وإن فَصَلَتِ الردّةُ بين لُقِيِّه - ﷺ - وبين موته مؤمنًا، فإن اسم الصحبة باق له في الأصح، سواء رجع إلى الإسلام في حياته - ﷺ - أم بعد وفاته، وسواء لقيه ثانيًا أم لا، كالأشعث بن قيس، فإنه ممن ارتد وأُتِيَ به إلى أبي بكر - ﵁ - أسيرًا فعاد إلى الإسلام، فقبل منه ذلك، وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد وغيرها قاله الحافظ.
(والجن) مبتدأ، يعني: الذين لاقوه - ﷺ - مؤمنين به، وخبره جملة قوله: (رأوا دخولهم) أي ذهب العلماء إلى دخولهم في جملة الصحابة لأنهم مكلفون شملتهم الرسالة (دونك ملائك) أي دون الملائكة الذين رأوه - ﷺ - وكذا الأنبياء لأن الرؤية المعتبرة هي التي في عالم الشهادة.
(وما) نافية (نشرط) من باب ضرب وقتل، وجُزِمَ للضرورة (بلوغًا في الأصح فيهما) أي لا نشترط البلوغ في المسألتين مسألةِ الصحابي ومسألة التابعي، يعني: أن الأصح أنه لا يشترطُ كون الصحابي بالغًا عند اللقاء وإلا لخرج من أُجمِعَ على عده في الصحابة كالحسن، والحسين، وابن الزبير، ونحوه. وكذلك الحكم في التابعي.
[ ٢ / ١٨٢ ]
ثم ذكر طرق معرفة صحبة الصحابي فقال:
٦٥٨ - وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ بِالتَّوَاتُرِ وَشُهْرَةٍ وَقَوْلِ صَحْبٍ آخَرِ
٦٥٩ - أَوْ تَابِعِيٍّ، وَالأَصَحُّ: يُقْبَلُ إِذَا ادَّعَى مُعَاصِرٌ مُعَدَّلُ
(وتعرف الصحبة) فعل ونائب فاعله أي يعلم كون الشخص صحابيًا بواحد من هذه الأمور الآتية: إما (بالتواتر) كالخلفاء الأربعة وبقية العشرة ونحوهم (و) إما بـ (ـشهرة) أي استفاضة قاصرة عن التواتر. كضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن.
(و) إما بـ (ـقَوْلِ صَحْبٍ آخَرِ) بصحبته أي بإخبار صحابي غيره عنه أنه صحابي. كحُمَمَة ابن أبي حُمَمَة الدوسي الذي مات بأصبهان مبطونًا فشهد له أبو موسى الأشعري أنه سمع النبي - ﷺ - حكم له بالشهادة.
(أو) إما بـ (ـقول تابعي) بذلك أي بإخبار تابعي واحدٍ بأنه صحابي، وهذا قاله الحافظ بناء على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح.
(والأصح يقبل) مبتدأ وخبر بتقدير حرف مصدري أي الأرجح من الأقوال أن يقبل (إذا ادعى) الصحبة (معاصر) للنبي - ﷺ - (معدل) أي منسوب إلى العدالة.
وحاصل المعنى: أنه إذا ادعى الصحبة من عاصر النبي - ﷺ - قُبِلَ قوله بشرط أن لا تمضي عليه مائة وعشر سنين من هجرة النبي - ﷺ -، لقوله - ﷺ -: " أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد " متفق عليه. زاد مسلم من رواية جابر: " أن ذلك كان قبل موته بشهر ". ومقابل الأصح قول من قال: لا تثبت صحبته بقوله لدعوا مرتبة يثبتها لنفسه، وقول من قال بالتفصيل: إذا ادعى صحبة يسيرة يقبل لتعذر إثباتها إذ ربما لا يحضره عندها أحد، أو طويلةً فلا لعدم التعذر.
٦٦٠ - وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ لا يَشْتَبِهْ النَّوَوِيْ: أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهْ
[ ٢ / ١٨٣ ]
(وهم عدول) مبتدأ وخبر (كلهم) توكيد للمبتدإ، أي إن كل الصحابة عدول، مَن لابَسَ الفتن، وغيرهم (لا يشتبه) يحتمل كونه نفيًا، وأن يكون نهيًا، أي لا يشتبه هذا الحكم على من له بصيرة في الدين، أو لا يشتبه عليك أيها الطالب للنجاة.
فعلى الأول الفعل مرفوع سكن للوقف، وعلى الثاني مجزوم.
والمعنى: أن كل الصحابة - ﵃ - عدول مطلقًا، كبيرهم وصغيرهم، لابس الفتنة، أوْ لا.
(النووي) مبتدأ خبره محذوف، أي قائل، أو فاعل لمحذوف، أي قال النووي ﵀: (أجمع) على عدالة الصحابة - ﵃ - (مَنْ) فاعل أجمع (يعتد به) أي يعتبر بإجماعه، وأشار به إلى أن الأقوال المخالفة لا يعتد بها، كقول من قال: هم كغيرهم يجب البحث عنهم، أو من قال: هم عدول إلى قتل عثمان، أو من قال: إلا من قاتل عليًا، أو من قال: بعدالة من لابَسَ الفتنة إذا انفرد، أو من قال: بغير المُقاتِل والمُقاتَلَ، فكلها أقوال ساقطة.
فعدالتهم ثابتة بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) الآية. وقال: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية. وقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) الآية وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ) الآية. وقال: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) الآية. وقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) الآية. في آيات كثيرة.
والأحاديث كثيرة فمنها ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن مُغَفُّلٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " اللهَ اللهَ في أصحابي لا تتخذوهم غَرَضًا، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن أذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللهَ، ومن آذى اللهَ فيوشك أن يأخذه " قال الحافظ: وهذا أدل حديث على تفضيلهم.
ومنها حديث: " خيرُ النَّاس قرني " المتواتر المتفق عليه. ومنها حديث: " لا تسبوا أصحابي " متفق عليه.
[ ٢ / ١٨٤ ]
ومنها حديث: " أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ﷿ " رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم.
ومنها حديث: " إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين " أخرجه البزار بسند رجاله موثوقون، قاله السخاوي.
٦٦١ - وَالْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الأَثَرْ: أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
(والمكثرون في رواية الأثر) النبوي وهو مبتدأ، خبره قوله: أبو هريرة وما عطف عليه، أو محذوف تقديره سبعة، أي الذين أكثروا في رواية الحديث النبوي، والمكثر هو الذي روى فوق الألف هؤلاء السبعة أولهم (أبو هريرة) الدوسي - ﵁ - المتوفى سنة ٥٩ فإنه أكثر الكل رواية، روى خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا (يليه) أي يلي أبا هريرة في الإكثار عبد الله (ابن عمر) - ﵄ - المتوفى سنة ٧٣ فإنه روى ٢٦٣٠ حديثًا.
٦٦٢ - وَأَنَسٌ وَالْبَحْرُ كَالْخُدْرِيِّ وَجَابِرٌ وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ
ويلي ابنَ عمر (أنس) بن مالك خادم رسول الله - ﷺ - المتوفى سنة ٩٣ عن ٩٩ سنة فإنه روى ٢٢٨٦ حديثًا، ويلي أنسًا (البحر) عبد الله بن عباس - ﵄ - المتوفى سنة ٦٨ عن ٧١ سنة، فإنه روى ١٦٩٦ حديثًا (كالخدري) أي كما يلي الخدريُّ البحرَ، وهو أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان الأنصاري - ﵄ - فإنه روى ١١٧٠ حديثًا.
(وجابر) بالرفع عطفًا على المرفوعات، أو بالجر عطفًا على ما قبله، أي كما يلي جابر فإنه روى ١٥٤٠ حديثًا.
(وزجة النبي) بالرفع أو بالجر، أي كما تلي زوجة النبي - ﷺ - وهي أم المؤمنين عائشة - ﵂ -، أطلقها لشهرتها بكثرة الرواية من بين أمهات المؤمنين - ﵅ -، توفيت سنة ٧ أو ٨ أو ٥٩ عن ٦٧ سنة فإنها روت ٢٢١٠ حديثًا.
[ ٢ / ١٨٥ ]
(تنبيه): ترك الناظم ﵀ الترتيب، وكان الأولى له أن يرتبهم، فلو قال بعد البيت الأول:
فَأنَسٌ فَزَوجَةُ النَّبِيِّ ثُم بَحْرٌ فَجَابِرٌ فَخدْرِي يُضَمّ
لوفَى بالترتيب.
(تنبيه آخر): هذه الأعداد مأخوذة من الحافظ ابن الجوزي فإنه ﵀ ذكرها في تلقيح فهوم أهل الأثر معتمدًا على ما وقع لكل صحابي في مسند أبي عبد الرحمن بَقِيّ بن مَخْلَد، لكونه أجمع ما ألِّفَ من المسانيد، فاتَّبَعه العلماء في ذلك، وقد تتبع العلامة المحقق ابن شاكرٍ ما وقع لكل صحابي في مسند الإمام أحمد، وهو أقل حديثًا إلا في بعضهم كابن عباس - ﵄ - فإنه في مسند بقي ١٦٦٥ حديثًا وفي مسند أحمد ١٦٩٦ حديثًا.
٦٦٣ - وَالْبَحْرُ أَوْفَاهُمْ فَتَاوَى وَعُمَرْ وَنَجْلُهُ وَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ
٦٦٤ - ثُمَّ ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدٌ وَعَلِي
(والبحر) عبد الله بن عباس - ﵄ -، مبتدأ خبره (أوفاهم) أي أتمهم، من وَفَى الشيءُ فهو وَافٍ إذا تم، يعني أكثرهم (فتاوى) بكسر الواو على الأصل، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف جمع فتوى بفتح الفاء وبالواو، أو فُتيًا بضم الفاء، وبالياء اسم من أفتى العالم: إذا بَيَّنَ الأحكام، أفاده في المصباح، وهو منصوب على التمييز.
والمعنى: أن عبد الله بن عباس - ﵄ - أكثر الصحابة فتوى على الإطلاق، قاله الإمام أحمد بحيث كان كبار الصحابة يحيلون عليه في الفتوى، وقال ابن حزم أكثر الصحابة فتوى مطلقًا سبعة فذكرهم كما ذكرهم الناظم هنا. (وعمر) بن الخطاب (ونجله) بفتح فسكون يطلق على الوالد، والولد، ضِدّ، والمراد به هنا الثاني: أي ابنه عبد الله، (و) عائشة (زوجة) النبي - ﷺ - (الهادي)، الخلق، إلى الحقّ (الأبر) أي الأصدق، أو الأتقى،
[ ٢ / ١٨٦ ]
والأكثر إحسانًا، يقال: بَرَّ الرجلُ يَبَرُّ، وِزَانَ عَلِمَ يعلم، فهو بَرّ وبَارّ أي صادق، أو تقي، وهو خلاف الفاجر، وبررت والدي أبره برًا وبرورًا أي أحسنت إليه، أفاده في المصباح. (ثم) بمعنى الواو عبد الله (ابن مسعود) الهُذَلي - ﵁ - المتوفى سنة ٣٢ هـ عن بضع وستين سنة. (وزيد) بن ثابت بن الضحاك الأنصاري - ﵁ - المتوفى سنة ٤٥ هـ (وعلي) بن أبي طالب الهاشمي - ﵁ - المتوفى سنة ٤٠ هـ عن ٦٣ سنة. قال ابن حزم: ويمكن أن يجمع من فُتيا كلِّ واحد من هؤلاء مجلد ضخم.
وَبَعْدُهُمْ عِشْرُونَ لا تُقَلِّلِ
(وبعدهم) أي بعد هؤلاء السبعة في كثرة الفتوى خبر مقدم لقوله: (عشرون) صحابيًا (لا) ناهية (تُقَلِّل) أيها المحدث عِدَّتهم عن عشرين، أي لا تنقصها، أو لا تعد فتاواهم قليلة، فإنَّها كثيرة بالنسبة لغيرهم.
وهم أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة - ﵃ -، قال ابن حزم: يمكن أن يجمع من فتوى كل منهم جزء صغير.
ونظمت هؤلاء العشرين بقولي (من الرجز):
صِدِّيقُهُم عُثْمَانً سَعْدٌ أنَسُ سَلْمَانُ جَابِرٌ مُعَاذُ الأكْيَسُ (١)
وَالأشْعَرِيُّ وَالزُّبَيْرُ طَلْحَةُ أبُو هُرَيْرَةَ يَلِي عُبَادَةُ
وَنَجْلُ وَابنُ وَكَذَا نَجْلُ حُصَيْنٍ وَنُفَيعٌ حَبَّذَا
سَعْدٌ (٢) مُعَاوِيَةُ أمُّ سَلَمَهْ وَابْنُ الزُّبَيْرِ هُم حَلِيفُوا (٣) الْمَكْرَمَهْ
_________________
(١) صفة لمعاذ ومعناه الفطن، ومعاذ بمنع الصرف للوزن.
(٢) أبو سعيد الخدري اهـ.
(٣) أي ملازموا صفة الكرم والشرف. اهـ.
[ ٢ / ١٨٧ ]
فَهَولَاءِ مَرْجِعُ الأنَامِ فِي عَصْرِهِمْ لِمُعْضِلِ الأحْكَامِ
٦٦٥ - وَبَعْدَهُمْ مَنْ قَلَّ فِيهَا جِدَّا عِشْرُونَ بَعْدَ مِاْئَةٍ قَدْ عُدَّا
(وبعدهم) أي بعد هؤلاء العشرين (من قل فيها) أي في الفتاوى، وكان الأولى أن يقول أقل لأن قل غير مناسب هنا، يقال: قل الشيءُ صار قليلًا، وأقل الشيءَ جعله قليلًا كقلله، صادفه قليلًا، وأتى بقليلِ أفاده في " ق "، فالمعنى المناسب هنا هو الإتيان بالقليل من الفتاوى، فلو قال بدل الشطر، وَبَعْد مَن أقَلَّ مِنْهَا جِدًّا، لكان أحسن (جدًّا) بالكسر، أي مبالغة يقال: فلان محسن جدًّا، أي نهاية ومبالغة، قاله في المصباح.
والمعنى: أن بعد العشرين صحابِيًّا صَحَابَةً قلَّت فتاويهم جدَّا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة الواحدة، والمسألتان، والثلاث، (عشرون) خبر لمحذوف أي هم عشرون صحابيًا، أومبتدأ خبره عُدّا. (بعد مائة) حال من عشرين، أي حال كون العشرين بعد مائة من الصحابة، يعني: أنهم مائة وعشرون صحابيًا، كأُبي بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد، وسرد الباقين في التدريب، هكذا قال، لكن الذي ذكره ابن حزم في إحكام الأحكام أنهم مائة وأربعة وعشرون فليتأمل. (قد عدا) بالبناء للمفعول، أي ذكر عددهم عند العلماء.
ثم ذكر الصحابة الذين كانوا يفتون في عهد رسول الله - ﷺ - بقوله:
٦٦٦ - وَكَانَ يُفْتِي الْخُلَفَا ابْنُ عَوْفٍ ايْ عَهْدَ النَّبِي زَيْدٌ مُعَاذٌ وَأُبِيْ
(وكان يفتي) النَّاس أي يبين لهم الأحكام (الخلفا) جمع خليفة قُصِرَ للضرورة، وكان شانية، وجملة يفتي الخلفا، خبرها، يعني: أن الخلفاء الأربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا، - ﵃ - كانوا يفتون الناس، وقوله: (ابن عوف) عطف بحذف عاطف على الخلفاء، أي وعبد الرحمن ابن عوف (أي) تفسيرية (عهد) منصوب على الظرفية متعلق بيفتي، أي في زمن (النبي) - ﷺ -.
[ ٢ / ١٨٨ ]
(زيد) معطوف على الخلفاء أيضًا بحذف عاطف أي وزيد بن ثابت الأنصاري المتقدم (معاذ) هو ابن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي المتوفى سنة ١٨ هـ عن ٣٥ سنة (أُبي) بتخفيف الياء للوزن هو ابن كعب بن قيس أبو المنذر الأنصاري الخزرجي المتوفى سنة ١٩ هـ وقيل: غير ذلك.
والمعنى: أنه كان يفتي النَّاس في زمن رسول الله - ﷺ - الخلفاء الأربعةُ، وعبدُ الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، - ﵃ -.
(تنييه): هذا البيت لم يوجد في نسخة الشارح.
ثم ذكر الذين حفظوا القرآن بقوله:
٦٦٧ - وَجَمَعَ الْقُرْآنَ مِنْهُمْ عِدَّهْ فَوْقَ الثَّلاثِينَ فَبَعْضٌ عَدَّهْ
(وجمع القرآن) أي كله حفظا عن ظهر قلب (منهم) أي الصحابة (عدة) أي جماعة معدودون (فوق الثلاثين) الظرف صفة لعدة، أي بالغة فوق الثلاثين صحابيًا (فَبَعْضٌ عَدَّهْ) مبتدأ وخبر، والهاء ضمير راجع إلى المذكور، أي بعض العلماء عد العدد المذكور.
فمنهم الخلفاء الأربعة، والعبادلة الأربعة، وطلحة، وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعيد بن عبيد، وأبو زيد قيس بن السكن، وسعيد بن المنذر، وقيس بن أبي صعصعة، ومُجَمّع بن جارية، وعبادة بن الصامت، وتميم الداري، وعقبة بن عامر، وسلمة بن مخلد، وأبو موسى الأشعري، وغيرهم.
فقد قال القرطبي: قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وذكر الناظم أنه ظفر بامرأة من الصحابيات جمعت القرآن لم يعدها أحد ممن تكلم في ذلك، وهي أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث كانت تسمى الشهيدة وقصتهما مشهورة.
[ ٢ / ١٨٩ ]
ونظمت أسماء هؤلاء فقلت (من الرجز):
قَدْ حَفِظَ الْقُرآنَ كُلًّا عِدَّةُ مِنَ الصَّحَابَةِ فَنِعْمَ الْعُدَّةُ
الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ طَلْحَةُ وَنَجْلُ مَسْعُودٍ سَعْدٌ حُذَيْفَةُ
أبو هُرَيْرَةَ وَزَيْدٌ حَفْصَةُ وَنَجْلُ سَائِبِ كَذَا عَائِشَةُ
عُوَيْمِرٌ قَيْسٌ وَأمُّ سَلَمَهْ قَيْسٌ معَاذٌ وَسَعِيدٌ سَلَمَهْ
وَسَالِمٌ وَالأشْعَرِي عُبَادَةُ مُجَمع مَعَ سَعِيدٍ عُقْبَةُ
تَمِيمٌ الدَّارِيُّ وَالعَبَادِلَهْ كَذَا أُبيٌّ ذُو الْمَزَايَا الْفَاضِلَهْ
شَهِيدَةُ الدَّارِ لَدَى مَنْ حَقَّقَهْ أيْضًا لَهَا ذَا الْفَضْلُ أمُّ وَرَقَهْ
فَهُمْ ثَلَاثُونَ مَعَ الثَّلاَثَةِ أكْرِمْ بِهمْ قَوْمًا خِيَارَ الأُمَّةِ
وَغَيْرُ هَولَاءِ أيْضًا قَدْ وَرَدَ فَاتْبَعْ طَرِيقَهُمْ فَإِنَّهُ الرَّشَدْ
(تنبيه): لا ينافي هذا ما ثبت في صحيح البخاري عن أنس - ﵁ - أنه قال: مات النبي - ﷺ - ولم يجمع القرآن غير أربعة أبو الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، - ﵃ - لأنه أجيب عنه بأجوبة: منها: أن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس فلا ينفي ذلك عن المهاجرين وغيرهم، لما أخرجه ابن جرير عن أنس قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقال الأوس: منا أربعة من اهتز له العرش سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومن حَمَته الدبر عاصم بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكروهم.
٦٦٨ - وَشُعَرَاءُ الْمُصْطَفَى ذَوُو الشَّانْ ابْنُ رَوَاحَةَ وَكَعْبٌ حَسَّانْ
(وشعراء المصطفى) - ﷺ - مبتدأ (ذوو الشان) مخفف الشأن بالهمز أي أصحاب الحال المرضية صفة للشعراء وصفهم به إشارة إلى أنهم هم المرادون في قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) الآية حيث استثناهم من قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) الآية. (ابن رواحة) خبر المبتدإ، هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأكبر الأنصاري
[ ٢ / ١٩٠ ]
الخزرجي، نزل دمشق، وهو عَقِبَيّ، بدري، نقيب، أمير، شهيد، له أحاديث انفرد له البخاري بحديث موقوف استشهد بمؤتة - ﵁ - اهـ خلاصة باختصار، وعبد الله بن رواحة شاعر مشهور.
أخرج ابن سعد بسنده عن مدرك بن عمارة قال: قال عبد الله بن رواحة: مررت في مسجد الرسول، ورسول الله - ﷺ - جالس وعنده أناس من الصحابة في ناحية منه، فلما رأوني قالوا: يا عبد الله بن رواحة، فجئت فقال: " اجلس " فجلست بين يديه فقال: " كيف تقول الشعر " قلت: أنظر في ذلك، ثم أقول: " قال فعليك بالمشركين " ولم أكن هيأت شيئًا فنظرت، ثم أنشدته فذكر الأبيات فيها (من البسيط):
فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ تَثْبِيْتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِروا
قال: فأقبل بوجهه مبتسمًا وقال: " وإياك فثبتك الله ". ومن أحسن ما مدح به النبي - ﷺ - قوله (من البسيط):
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَة كَانَتْ بَدِيهَتُهُ تُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ
وأخرج أبو يعلى بسند حسن عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: دخل النبي - ﷺ - مكة في عمرة القضاء وابن رواحة بين يديه وهو يقول:
خَلًّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ الْيَوم نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
ضَرْبًا يُزِيلَ الهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
فقال عمر: يا ابن رواحة أفي حرم الله، وبين يدي رسول الله - ﷺ - تقول هذا الشعر؟ فقال: خَلّ عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل. اهـ الإصابة باختصار.
(وكعب) عطف على الخبر هو كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين بن كعب أبو عبد الله الأنصاري السلمي، بفتحتين، الشاعر المشهور أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، قال ابن سيرين: قال كعب بن مالك بيتين كانا سبب إسلام دوس وهما (من الوافر):
[ ٢ / ١٩١ ]
قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَة كُلَّ وَتْر وَخَيْبَرَ ثُمَّ أغْمَدْنَا السُّيُوفَا
تحَبِّرُنَا وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ قَوَاطِعُهُنَّ دَوْسًا أو ثَقِيفَا
فلما بلغ ذلك دوسًا قالوا: خذوا لأنفسكم، لا ينزل بكم ما نزل بثقيف، مات أيام قتل علي بن أبي طالب، وقيل في خلافة معاوية - ﵃ -. اهـ الإصابة باختصار.
(حسان) عطف بحذف عاطف على الخبر أيضًا هو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري الخزرجي، ثمَّ النَّجاري شاعر رسول الله - ﷺ -.
أخرج الشيخان من طريق سعيد بن المسيب قال: مر عمر بحسان في المسجد وهو ينشد فلحظ إليه فقال: كنت أنشد، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعت النبي - ﷺ - يقول: " أجب عني اللهم أيده بروح القدس ". وأخرجا أيضًا عن البراء - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لحسان: " اهجهم، أو هاجهم وجبريل معك ".
وأخرج أبو داود بسنده عن عائشة أن النبي - ﷺ -: " كان يضع لحسان المنبر في المسجد يقوم عليه قائمًا يهجو الذين كانوا يهجون النبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله - ﷺ - ".
(تنبيه): هذا البيت ليس في نسخة الشارح.
٦٦٩ - وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرو وابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَار ٍ يَجْرِي
٦٧٠ - دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَهُمْ " عَبَادِلَهْ " وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
(والبحر) عبد الله بن عباس، مبتدأ، خبره جملة يجري (وابنا) بصيغة التثنية مضاف إلى (عمر) بالصرف للضرورة (وعمرو) بفتح العين، أي عبد الله بن عمر بن الخطاب المتوفى سنة ٧٤ هـ وعبد الله بن عمرو بن العاص المتوفى سنة ٦٥ هـ (وابن) بالرفع عطف على المبتدإ، أي عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي المتوفى سنة ٧٣ هـ (في اشتهار) أي في وضوح، متعلق بيجري بين العلماء (دون) عبد الله (بن مسعود) الهذلي، والظرف حال
[ ٢ / ١٩٢ ]
من الضمير في (لهم) متعلق بيجري أي لهؤلاء الأربعة، حال كونهم دون عبد الله بن مسعود فإنه ليس من العبادلة (عبادلة) فاعل يجري، أي يجري هذا اللقب لهم دون ابن مسعود وهو جمع عبد الله على النحت لأنه أخذ من المضاف وبعض المضاف إليه، لا أنه جمع لعبدل كما توهمه بعضهم، وإن كان صحيحًا في اللفظ إلا أن المعنى يأباه وأطلق على هؤلاء للتغليب ذكره في التاج.
وحاصل المعنى: أنه يجري لقب العبادلة مشتهرًا بين العلماء لابن عباس وابن عمر، وابن عمرو وابن الزبير فقط، وليس منهم ابن مسعود، قاله الإمام أحمد بن حنبل. قال البيهقي: لأنه تقدم موته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل هذا قول العبادلة.
(وَغَلَّطُوا) بتشديد اللام أي نسب العلماء إلى الغلط (من) مفعول به لغلطوا (غير هذا) القول منصوب على الاشتغال، أي من رأى غير هذا (مال له) أي اعتمده.
والمعنى: أن المحققين من العلماء حكموا على من مال إلى غير هذا القول المروي عن الإمام أحمد بأنه غلط من قائله غير جَارٍ على اصطلاحهم، وإن كان لا يمتنع من حيث المعنى، وذلك كقول بعضهم هم ثلاثة بإسقاط ابن الزبير.
وقولِ بعضهم هم ابن مسعود وابن عمر وابن عباس. وكذا لا يُسَمَّى سائر من يسمي عبد الله من الصحابة بالعبادلة اصطلاحًا، وهم نحو ثلاثمائة رجل.
٦٧١ - وَالْعَدُّ لا يَحْصُرُهُمْ، تُوُفِّي عَمَّا يَزِيدُ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفٍ
(وَالْعَدُّ لا يَحْصُرُهُمْ) مبتدأ وخبر، أي لا يضبط الصحابة - ﵃ - عدد معين لكثرتهم جِدًّا.
[ ٢ / ١٩٣ ]
(توفي) أي النبي - ﷺ - (عما) أي عدد، ولو قال عمن، أي صحابةٍ لكان أولى (يزيد) العدد (عشر ألف ألف) أي مائة ألف.
وحاصل المعنى: أن النبي - ﷺ - توفي عن صحابة يزيد عددهم على مائة ألف، وهذا البيت مأخوذ عن قول أبي زرعة الرازي في جواب من قال له: أليس يقال حديث النبي - ﷺ - أربعة آلاف حديث؟ فقال: ومن قال ذا؟ قَلقَلَ الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله - ﷺ -؟ قُبِضَ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن روي عنه وسمع منه.
فقيل له: هؤلاء أين كانوا، وأين سمعوا؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة، ومن بينهما والأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه بعرفة.
٦٧٢ - وَأَوَّلُ الْجَامِعِ لِلصَّحَابَةِ هُوَ الْبُخَارِيُّ وَفِي الإِصَابَةِ
٦٧٣ - أَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ وَتَحْرِيرٍ، وَقَدْ لَخَّصْتُهُ مُجَلَّدًا فَلْيُسْتَفَدْ
(وَأَوَّلُ الْجَامِعِ) أي أقدم من جمع في تصنيفه (للصحابة) - ﵃ -، فأول مبتدأ خبر، جملة قوله: (هو) الإمام العلم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (البخاري) صاحب الصَّحِيح فإنه أفرد في ذلك تصنيفًا، والمراد التصنيف المستقل فسقط ما اعترض به المحقق ابن شاكرٍ حيث قال: إن محمد بن سعد أقدم من البخاري، وهو جمع في الطبقات تراجم الصحابة ومَن بعدَهم إلى عصره.
ثم تلا البخاري من بعده كابن حبان، وابن منده، وأبي موسى المديني، وأبي نعيم، والعسكري، وابن عبد البر، وابن فتحون، وابن الأثير، والحافظ ابن حجرٍ، وكتابه أجمع وأنقح كما أشار إليه بقوله: (وفي الإصابة) متعلق بأكثر، وفيه التضمين أي في الكتاب المسمى بالإصابة في تمييز الصحابة (أكثر) فعل ماض وفاعله مقدر، أي مؤلفه الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد الشهير بابن حجرٍ العسقلاني (من جمع)
[ ٢ / ١٩٤ ]
للصحابة (وتحرير) أي تنقيح لهم وتهذيب، فإنه ﵀ جمع فيه ما تفرق في كتب من تقدمه، وحرره تحريرًا بالغًا، وقد ذكر في آخر الجزء السادس منه أنه مكث في تأليفه نحو أربعين سنة، وكانت الكتابة فيه بالتراخي وأنه كتبه في المسودات ثلاث مرات.
ومجموع التراجم التي فيه ١٢٢٧٩ بما فيه من المكرر للاختلاف في اسم الصحابي أو شهرته بكنية أو لقب أو نحو ذلك وبما فيه مَنْ ذَكَرَهُ بعض المؤلفين في الصحابة وليس منهم وغير ذلك قاله المحقق.
قال الناظم رحمه الله تعالى: (وقد لخصته) أي الكتاب المذكور، والتلخيص يطلق على التبيين، والشرح، والتلخيص، ذكره في " ق " والمناسب هنا المعنى الثالث، أي أتيت بخلاصته (مجلدًا) حال من التلخيص المفهوم من لخص أي حال كون ذلك الملخص مجلدًا واحدًا، مع كون أصله مجلدات وسماه عين الإصابة (فليستفد) بالبناء للمفعول أي فإذا كان هذا الملخص حاويًا مقاصد الأصل مع صغر حجمه فينبغي الاستفادة منه لقرب تناوله، لكن مع هذا لم يشتهر كاشتهار أصله.
ثم ذكر طبقات الصحابة - ﵃ - فقال:
٦٧٤ - وَهُمْ طِبَاقٌ، قِيلَ: خَمْسٌ وَذُكِرْ عَشْرٌ مَعَ اثْنَيْنِ وَزَائِدٌ أُثِرْ:
(وهم) أي الصحابة باعتبار سبقهم إلى الإسلام، أو الهجرة، أو شهود المشاهد الفاضلة، مبتدأ خبره (طباق) بالكسر جمع طبقة بالفتح وهي جماعة متفقة في شيء واحد (قيل خمس) أي قال بعضهم: طبقتهم خمس، وعليه عمل ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى، الأولى: البدريون، الثانية: مَن أسلم قديمًا ممن هاجر عامتهم إلى الحبشة، وشهدوا أُحدًا فما بعدها.
والثالثة: من شهد الخندق فما بعدها، الرابعة: مسلمة الفتح فما بعدها، الخامسة: الصبيان والأطفال ممن لم يغز سواء حفظ عنه وهم الأكثر أم لا (وَذُكِرْ) بالبناء للمفعول أي ذكر بعضهم أنها (عشر مع اثنين) أي اثنا عشر طبقة، وهذا ما ذكره الحاكم في معرفة علوم الحديث.
[ ٢ / ١٩٥ ]
(وزائد) على اثني عشر مبتدأ خبره جملة (أُثِرْ) بالبناء للمفعول أي نقل عن بعضهم أنهم يزيدون عليها، ثم رجح الناظم قول الحاكم ولذا فصله بقوله:
٦٧٥ - فَالأَوَّلُونَ أَسْلَمُوا بِمَكَّةِ يَلِيهِمُ أَصْحَابُ دَارِ النَّدْوَةِ
٦٧٦ - ثُمَّ الْمُهَاجِرُونَ لِلْحَبَشَهْ ثُمَّ اثْنَتَانِ انْسُبْ إِلَى الْعَقَبَهْ
٦٧٧ - فَأَوَّلُ الْمُهَاجِرِينَ لِقُبَا فَأَهْلُ بَدْرٍ وَيَلِي مَنْ غَرَّبَا
٦٧٨ - مِنْ بَعْدِهَا فَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ ثُمّْ مَنْ بَعْدَ صُلْحٍ هَاجَرُوا وَبَعْدُ ضُمّْ
٦٧٩ - مُسْلِمَةَ الْفَتْحِ فَصِبْيَانٌ رَأَوْا
(فالأولون) من الطبقات قوم (أسلموا بمكة) أي تقدم إسلامهم في مكة كالخلفاء الأربعة، فالأولون مبتدأ، وجملة أسلموا خبره (يليهموا) أي يتبعهم في الطبقة (أصحاب دار الندوة) أي الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور قريش في دار الندوة للمكر بالنبي - ﷺ -، وهي كما قال الحلبي من جهة الحِجْر، وكان لها باب إلى المسجد أُعِدَّت للاجتماع للمشورة (ثم) تلي الطبقة الثالثة وهم (المهاجرون للحبشة) وهي أول مُهَاجَرِ في الإسلام في رجب سنة خمس من النبوة هاجر إليها عدد كثير منهم من هاجر بنفسه وحده، ومنهم من هاجر بأهله كما هو مفصل في السير.
(ثم اثنتان) من الطبقات مبتدأ خبره قوله: (انسب) هما (إلى العقبة) علم بالغلبة على عقبة منى، والمراد أهل البيعة فيها.
والمعنى: أن الطبقة الرابعة هم أصحاب العقبة الأولى، والطبقة الخامسة هم أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار.
(فأول المهاجرين لقبا) أي ثم الطبقة السادسة أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله - ﷺ - بقباء قبل أن يدخل المدينة ويبني المسجد.
(فأهل بدر) أي ثم الطبقة السابعة أهل غزوة بدر وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا (ويلي) ما تقدم من الطبقات (من غربا) أي اغترب عن وطنه
[ ٢ / ١٩٦ ]
مهاجرًا إلى المدينة (من بعدها) متعلق بما قبله أي غزوة بدر وهذه هي الثامنة.
(فبيعة الرضوان) أي ثم الطبقة التاسعة أهل بيعة الرضوان وهم أهل الحديبية الذين نزل فيهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية. (ثم) تلي الطبقة العاشرة وهم (من بعد صلح) أي صلح الحديبية (هاجروا) إلى المدينة المنورة، كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص (وبعدهم) أي هؤلاء تلي الطبقة الحادية عشرة، وفي نسخة المحقق وبعدُ ضم أي بعد هؤلاء ضم أيها المحدث مسلمة الفتح، وبحتمل أن يكون فعلًا ماضيًا مغير الصيغة ونائب الفاعل قوله: (مسلمة الفتح) أي الصحابة الذين أسلموا يوم فتح مكة (فصبيان رأوا) أي ثم تلي الطبقة الثانية عشرة وهم الصبيان بالكسر وتضم كما في " ق " جمع صبي، وهو الصغير الذي لم يفطم.
والمعنى: أن الصبيان الذين رأوا النبي - ﷺ - يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرها آخر الطبقات.
ثم ذكر ترتيبهم في الفضل فقال:
وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ إِجْمَاعًا حَكَوْا
(وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ) مبتدأ وخبر، أي أفضل الصحابة أبو بكر عبد الله بن عثمان القرشي التيمي لأدلة كثيرة منها قوله - ﷺ -: " ألا إني أبرأ إلى كل خل من خله، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا إن صاحبكم خليل الله ". أخرجه مسلم والترمذي، وابن ماجه.
وقيل له الصديق لمبادرته إلى تصديق رسول الله - ﷺ - قبل النَّاس كلهم قال رسول الله - ﷺ -: " ما دعوت أحدًا إلى الإيمان إلا كانت له كبوة إلا أبا بكر فإنه لم يتلعثم ".
(إجماعًا) أي حال كون هذا الحكم مجمعًا عليه أو ذا إجماع، أو مفعول لقوله: (حكوا) أي حكى العلماء هذا الإجماع عن جميع أهل السنة
[ ٢ / ١٩٧ ]
والجماعة في كل عصر ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع ولا أهل البدع، والجملة مستأنفة.
٦٨٠ - وَعُمَرٌ بَعْدُ وَعُثْمَانُ يَلِي وَبَعْدَهُ أَوْ قَبْلُ قَوْلانِ: عَلِي
(وعمر) بالصرف للضرورة ابن الخطاب - ﵁ - (بعد) أي بعد أبي بكر في الأفضلية وهو أيضًا مجمع عليه.
أسند البيهقي في الاعتقاد له عن الشافعي أنه قال: ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، ومثله عن يَحْيَى بن سعيد الأنصاري، وقال مالك: أَوَفي ذلك شك؟
(عثمان) بن عفان أبو عمرو الأموي - ﵁ -، مبتدأ خبره جملة (يلي) في الأفضلية على قول أكثر أهل السنة والجماعة من أن ترتيبهم فيها على ترتيبهم في الخلافة.
(وبعده) أي بعد عثمان فيها، خبر مقدم لعليٍّ (أو قبل) أي قبل عثمان (قولان) خبر لمحذوف أي هذان الاحتمالان قولان لأهل العلم، والجملة معترضة بين المبتدإ والخبرِ (على) بتخفيف الياء للوزن ابن أبي طالب الهاشمي أبو الحسنين.
والمعنى: أن العلماء اختلفوا في تقديم عثمان على عليٍّ - ﵄ - والأكثرون كما قدمنا آنفًا على أنه هو المقدم، وعليه الشافعي، وأحمد وحكاه الشافعي عن إجماع الصحابة والتابعين، وهو المشهور عن مالك، والثَّوري، وكافة أئمة الحديث، والفقه، وكثير من المتكلمين.
وحكى عن مالك الوقف عن التفضيل لكن الأصح رجوعه عنه إلى تفضيل عثمان.
٦٨١ - فَسَائِرُ الْعَشْرَةِ فَالْبَدْرِيَّهْ فَأُحُدٌ فَالْبَيْعَةُ الزَّكِيَّهْ
(فَسَائِرُ الْعَشْرَةِ) بسكون الشين أي فيلي الخلفاءَ الأربعةَ في الفضل
[ ٢ / ١٩٨ ]
أيضًا باقي العشرة المبشرين بالجنة المجموعون مع الخلفاء في قول الحافظ (من الطويل):
لَقَدْ بَشَّرَ الهَادِي مِنَ الصَّحْبِ زمْرَةً بجَنَّاتِ عَدْنٍ كُلُّهُمْ فَضْلُهُ اشْتَهَرْ
سَعِيدٌ زُبَيرٌ سَعْد طَلْحَةُ عَامِرٌ أبُو بَكْرِ (١) عُثْمَانُ ابْن عَوْفٍ عَلَى عُمَرْ
(فالبدرية) أي فتلي الطائفة المنسوبة إلى غزوة بدر لشهودهم إياها، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، كما تقدم، فالمهاجررن نيف على ستين، والأنصار نيف وأربعون ومائتان، وقد صح حديث: " لن يدخل النار أحدٌ شهد بدرًا ". وفي الصَّحِيحين: " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " وفي بعض الروايات: " إنَّ الله اطلع على أهل بدر فقال " الحديث بالجزم.
(فَأُحُدٌ) أي يلي أُحُد، أي أهله الذين شهدوا وقعته، وكانوا ألفاَّ فرجع عبد الله ابن أُبي بثلاثمائة، وبقي مع النبي - ﷺ - سبعمائة استشهد منهم كثير.
(فالبيعة) أي يلي أهلها الذين بايعوا بالحديبية التي نزل فيها: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) الآية. (الزكية) صفة للبيعة على سبيل المجاز، لأن الزكاء لأهلها حقيقة، وهو من زكى الرجل يزكوا زكاء إذا صلح فهو زكى، أو من زكى الزرع والأرض إذا نمى وزاد، فهم لصلاحهم وزيادة خيراتهم، ونمو درجاتهم، زكيون، وكانوا ألفًا وأربعمائة على المعتمد، وقال لهم النبي - ﷺ -: " أنتم خير أهل الأرض ".
٦٨٢ - وَالسَّابِقُونَ لَهُمُ مَزِيَّهْ فَقِيلَ أَهْلُ الْبَيْعَةِ الْمَرْضِيَّهْ
٦٨٣ - وَقِيلَ أَهْلُ الْقِبْلَتَيْنِ أَوْ هُمُ بَدْرِيَّةٌ أَوْ قَبْلَ فَتْحٍ أَسْلَمُوا
(والسابقون) الأولون من المهاجرين والأنصار، مبتدأ أول (لهموا) جار ومجرور خبر مقدم (مَزِيَّهْ) مبتدأ مؤخر، والجملة خبر المبتدإ الأول.
والمعنى أن السابقين الأولين ثبت فضلهم في القرآن إيماءً لا نصًا.
_________________
(١) بترك التنوين للوزن.
[ ٢ / ١٩٩ ]
نعم النص الصريح في تفضيل من أنفق من قبل الفتح وقاتل. قاله السخاوي.
وقد اختلف في المراد بهم على أربعة أقوال أشار إليها بقوله: (فقيل) كما قال الشُّعْبِي هم (أهل البيعة) في الحديبية (المرضية) التي ثبت لها الرضي نصًا في الآية السابقة، رواه عبد بن حميد في تفسيره بسند صحيح عنه.
(وقيل أهل القبلتين) أي الذين صلوا إلى بيت المقدس والكعبة مع رسول الله - ﷺ -، وهو قول سعيد بن المسيب، وابن الحنفية، وابن سيرين، وقتادة، رواه عنهم عبد بن حميد في تفسيره، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور في سننه بأسانيد صحيحة.
(أو هموا بدرية) أي قيل إِنَّ السابقين أهل بدر، وهو قول محمد بن كعب، وعطاء بن يسار، رواه عنهما سُنَيد بسند فيه مجهول، وضعيف، وسنيد أيضًا ضعيف.
(أو قبل فتح أسلموا) أي قيل هو الذين أسلموا قبل فتح مكة، فالظرف متعلق بأسلموا وهو صلة لموصول محذوف، وهو جائز كما في قول حسان (من الوافر):
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُم وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ
أي من يمدحه ومن ينصره.
وهذا القول للحسن البصري، رواه عنه سنيد بسند صحيح، قال السخاوي، وصحح بعض المتأخرين أنهم الذين آمنوا وهاجروا قبل بيعة الرضوان، وصلح الحديبية لقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) الآية قال، والفتح هو صلح الحديبية على الأرجح اهـ.
ثم ذكر اختلاف العلماء فيمن أسلم أو لا فقال:
٦٨٤ - وَاخْتَلَفُوا أَوَّلَهُمْ إِسْلامَا وَقَدْ رَأَوْا جَمْعَهُمُ انْتِظَامَا
[ ٢ / ٢٠٠ ]
٦٨٥ - أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ فِي الرِّجَالِ صِدِّيُقُهُمْ وَزَيْدُ فِي الْمَوَالِي
٦٨٦ - وَفِي النِّسَا خَدِيجَةٌ وَذِي الصِّغَرْ عَلَيٌّ وَالرِّقِّ بِلالٌ اشْتَهَرْ
(واختلفوا) أي السلف من الصحابة والتابعين فمن بعدهم على أقوال (أولهم) منصوب بنزع الخافض وإن كان سماعيًا لأنهم أجروه مجرى القياس أي في أقدمهم (إسلامًا) منصوب على التمييز، أي من حيث الإسلام.
والمعنى: أن العلماء اختلفوا في أول من أسلم، فقيل: أبو بكر، قاله ابن عباس، وحسان، والشعبي، والنخعي في آخرين، وقيل: علي، وهو مروي عن ابن عباس، وأبي ذر، وسلمان، وآخرين، وقيل: زيد بن حارثة، قاله الزهري، وقيل: خديجة، روي عن ابن عباس، والزهري أيضًا وهو قول قتادة، وابن إسحاق، قال النووي: وهو الصواب عند جماعة من المحققين، وادعى بعضهم فيه الإجماع، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص، وقيل خباب بن الأرتّ، وقيل: بلال، وقيل: أبو بكر بن أسعد الحميري، وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: كنت أولهم إسلامًا.
وقال العراقي: ينبغي أن يقال: إن أول من آمن من الرجال ورقة بن نوفل لحديث الصَّحِيحين في بدء الوحي.
وأحسن من هذا كله سلوك طريق الجمع بين هذه الأقوال كما قال ابن الصلاح والنووي وأشار إليه الناظم بقوله:
(وقد رأوا) أي المحققون من العلماء (جمعهم) أي جمع الذين اختلف في كونهم أول (انتظامًا) مفعول لأجله أي لأجل أن تنتظم الأقوال من غير منافاة بينها وذلك الجمع أن يقال: (أول من أسلم في) أي من (الرجال) أي البالغين الأحرار (صديقهم) أبو بكر - ﵁ - (وزيد) بمنع الصرف للضرورة هو ابن حارثة بن شراحبيل الكلبي أبو أسامة مولى رسول الله - ﷺ -، استشهد يوم مؤتة في حياة النبي - ﷺ - سنة ثمان وهو ابن ٥٥ سنة. (في الموالي) أي منهم.
[ ٢ / ٢٠١ ]
والمعنى: أن أول من آمن من الموالي هو زيد بن حارثة - ﵁ -. (وفي النساء) أي منهن (خديجة) بالصرف للضرورة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية زوج النبي - ﷺ - تزوجها قبل البعثة بخمس عشرة سنة، وقيل أكثر. (و) من (ذِي الصِّغَرْ) أي أول من آمن من ذي الصغر أي الصبيان (عليٌّ) بمنع الصرف للوزن ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي المتوفى في رمضان سنة ٤٠ هـ وله ٦٣ سنة.
(وَالرِّقِّ) بالجر عطف على الصغر أي أول من آمن من ذي الرق أي العبودية (بلال) بن رباح المؤذن وهو ابن حمامة وهي أمُّهُ أبو عبد الله مولى أبي بكر من السابقين الأولين شهد بدرًا والمشاهد مات بالشام سنة ١٧ أو ١٨، وقيل: سنة ٢٠ هـ وله بضع وستون سنة، كان عبدًا لابن جدعان فلما أسلم أمر بتعذيبه بأنواع العذاب فاشتراه وأمه أبو بكر الصديق - ﵃ - فأعتقهما.
وهذا الجمع محكي عن الإمام أبي حنيفة ﵀، قاله البرماوي، وقوله (اشتهر) جملة حالية من بلال، ويحتمل أن تكون من جمعهم أي حال كون هذا الجمع مشتهرًا بين العلماء لكونه مُوَفِّقًا بين الأقوال المختلفة، أو مستأنفة.
٦٨٧ - وَأَفْضَلُ الأَزْوَاجِ بِالتَّحْقِيقِ خَدِيجَةٌ مَعَ ابْنَةِ الصِّدِّيقِ
٦٨٨ - وَفِيهِمَا ثَالِثُهَا الْوَقْفُ وَفِي عَائِشَةٍ وَابْنَتِهِ الْخُلْفُ قُفِي
٦٨٩ - يَلِيهِمَا حَفْصَةُ فَالْبَوَاقِي
(وأفضل الأزواج) أي زوجات النبي - ﷺ - مبتدأ، أو خبر مقدم، وهو الأولى (بالتحقيق) أي حال كون هذا الحكم ملتبسًا بالتحقيق أي ذكر الدليل، أو ذكر ذلك على الوجه الحق، لأن التحقيق يراد به هذان المعنيان وهو أحد الألفاظ الخمسة الدائرة في كلام العلماء في قول بعضهم (من الرجز):
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ذِكْرَ الدَّلِيلِ سَمِّ تَحْقِيقًا وَإِنْ أتَى دَلِيلُ ذَا فَتَدْقِيقٌ زُكِنْ
وَمَا الْمَعَانِي وَالْبَيَانُ رُوعِيَا فِيهِ فَتَنْمِيقٌ فَكُنْ لِي دَاعِيَا
وَحُسْنُ تَعْبِيرٍ بِتَرْقِيقٍ عُلِمْ وِفَاق شَرْعٍ قُلْ بِتَوْفِيقٍ وُسِمْ
ذكره الشارح.
(خديجة) خبر، أو مبتدأ مؤخر صرف للضرورة، يعني: أن أفضل أزواج النبي - ﷺ - على الإطلاق خديجة بنت خويلد - ﵂ - (مع ابنة الصديق) أي عائشة الصديقة - ﵄ -، يعني: أنهما أفضل من غيرهما.
من أمهات المؤمنين - ﵅ -. (وفيهما) أي خديجة وعائشة الصديقة متعلق بالوقف (ثالثها) أي الأقوال مبتدأ خبره قوله: (الوقف) ويحتمل العكس أي التوقف وعدم الجزم.
والمعنى: أنه اختلف في أيتهما أفضل على أقوال ثلاثة، فقال بعضهم: خديجة، وقال بعضهم عائشة، وتوقف بعضهم واختار التقي السبكي الأول وانتصر له.
(وفي عائشة) بالصرف للضرورة متعلق بقفي (وابنته) - ﷺ - فاطمة الزهراء، أم الحسن والحسين، سيدة نساء هذه الأمة، تزوجها عليٌّ في السنة الثانية من الهجرة وماتت بعده - ﷺ - بستة أشهر، وقد جاوزت العشرين بقليل. (الخلف) بالضم أي الاختلاف المذكور في خديجة وعائشة، فـ (أل) للعهد الذكري، مبتدأ خبره جملة (قفي) بالبناء للمفعول أي اتبع، يعني: أن العلماء اعتبروه، ودونوه في كتبهم.
وحاصل المعنى: أنه اختلف العلماء في التفضيل بين عائشة وفاطمة على ثلاثة أقوال كما في السابق، واختار السبكي، وتبعه الناظم تفضيل فاطمة لأنها بضعة منه - ﷺ -، ولحديث البخاري أنها: " سيدة نساء هذه الأمة " وفي خبر مرسل: " مريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها " ورواه
[ ٢ / ٢٠٣ ]
الترمذي موصولًا بلفظ: " خير نسائها مريم، وخير نسائها فاطمة " قال الحافظ ابن حجرٍ، والمرسل يفسر المتصل، (يليهما) هكذا النسخ بالياء، وهو جائز للفصل بالمفعول به المقدم، أي يتبع خديجة وعائشة في الفضل (حفصة) بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين تزوجها - ﷺ - بعد خُنَيس بن حذافة، سنة ثلاث، وماتت سنة خمس وأربعين - ﵂ -.
(فالبواقي) أي ثم يلي البواقي من أزواجه - ﷺ - في الفضل لحفصة، فهن سواء، وهن سودة بنت زمعة، وزينب بنت خزيمة، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وريحانة، وأم حبيبة، وميمونة، وصفية، فجملتهن مع تلك الثلاث اثنتا عشرة اختارهن الله تعالى لنبيه - ﷺ - ورضيهن له أزواجًا في الدنيا والآخرة.
وَآخِرُ الصِّحَابِ بِاتِّفَاقِ
٦٩٠ - مَوْتًا أَبُو الطُّفَيْلِ وَهْوَ آخِرُ بِمَكَّةٍ، وَقِيلَ فِيهَا: جَابِرُ
(وآخر الصحاب) بالكسر جمع صاحب بمعنى الصحابي، خبر مقدم (باتفاق) من العلماء (موتًا) منصوب على التمييز، أي من حيث الموت على الإطلاق (أبو الطفيل) مبتدأ مؤخر، أو بالعكس.
والمعنى: أن آخر من مات من أصحاب رسول الله - ﷺ - على الإطلاق من غير تقييد ببلد كالآتي: هو أبو الطفيل: عامر بن واثلة الليثي، لأنه ثبت من قوله: رأيت رسول الله - ﷺ - وما على وجه الأرض رجل رآه غيري، جزم بذلك مصعب الزبيري، وأبو زكريا بن منده، ومسلم بن الحجاج، بل أجمع عليه أهل الحديث، مات سنة ١٠٠ من الهجرة وقيل سنة ١٠٢ وقيل سنة ١٠٧ وقيل سنة ١١٠ وصحح هذا الذهبي.
(وهو) أي أبو الطفيل (آخر) من توفي (بمكة) بالصرف للضرورة، وهذا القول لابن المديني، وابن حبان وغيرهما، وهو الأصح، وقيل بالكوفة (وقيل) آخر من مات (فيها) أي مكة (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاري، السَّلَمي - ﵁ -.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وهذا القول لابن أبي داود، والمشهور وفاته بالمدينة بعد ٧٠ سنة، وهو ابن أربع وتسعين، قاله في التقريب، وقيل آخر: من مات بمكة ابن عمر، قاله قتادة، وأبو الشيخ ابن حبان ومات سنة ٣ وقيل ٧٤.
٦٩١ - بِطَيْبَةَ السَّائِبُ أَوْ سَهْلٌ أَنَسْ بِبَصْرَةٍ، وَابْنُ أَبِي أَوْ فَى حُبِسْ
٦٩٢ - بِكُوفَةٍ وَقِيلَ عَمْرٌو أَوْ أَبُو جُحَيْفَةٍ وَالشَّامُ فِيهَا صَوَّبُوا
٦٩٣ - الْبَاهِلِي أَوِ ابْنَ بُسْرٍ وَلَدَى مِصْرَ ابْنُ جَزْءٍ وَابْنُ الاَكْوَعِ بَدَا
(بطيبة السائب) أي آخر من مات بالمدينة المنورة السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، من صغار الصحابة، مات سنة ٩١ وقيل: قبل ذلك، وهذا القول لابن أبي داود.
(أو) لتنويع الخلاف، أي قال بعضهم آخر من مات بها (سهل) بن سعد الأنصاري، قاله ابن المديني، والواقدي، وإبراهيم بن المنذر، وابن حبان، وابن قانع، وابن منده، وادعى ابن سعد نفى الخلاف فيه توفي سنة ٨٨ وقيل ٩١. وقال قتادة: بل مات بمصر، وقال ابن أبي داود بالإسكندرية.
(أنس) بن مالك الأنصاري مبتدأ خبره (ببصرة) بالصرف للضرورة أي مات فيها، آخِرَ سنةِ ٩٣ وقيل ٩٢ وقيل ٩١ وقيل ٩٠. (و) عبد الله (ابن أبي أوفى) علقمةَ بنِ خالد بن الحارث الأسلمي شهد الحديبية، ومات سنة ٨٧ وقيل ٦ وقيل ٨ (حبس) بالبناء للمفعول أي مات، (بكوفة) بالصرف للضرورة، أي فيها، (وقيل) آخر من مات بها (عمرو) بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، مات سنة ٨٥ وقيل ٩٨ قال في التدريب: فإن صح الثاني فهو آخر من مات من أهل بيعة الرضوان - ﵃ -.
(أو) لتنويع الخلاف، أي قيل آخر من مات بها (أبو جحيفة) بالصرف للوزن وهو بالتصغير، وهب بن عبد الله السًّوائي بضم المهملة والمد، مات سنة ٧٤ وهذا القول لابن المديني.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
(والشام) مبتدأ وهو البلد المعروف، قال في " ق " الشأم بلاد عن مشأمة القبلة، وسميت لذلك. أو لأن قومًا من بني كنعان تشاءموا إليها أي تياسروا، أو سمى بسام بن نوح فإنه بالشين بالسريانية، أو لأن أرضها شامات بيض، وحمر، وسود، وعلى هذا لا تهمز اهـ.
(فيها صوبوا) جملة في محل رفع خبر المبتدإ، أي عَدَّ العلماء صوابًا كَونَ آخر من مات من الصحابة في الشام (الباهلي) مفعول به لصوبوا منصوب سكن للوزن، يعني: أن العلماء صوبوا موت أبي أمامة آخرًا بالشام، ومات سنة ٨٦ أخرج له الجماعة، وهذا القول للحسن البصري وابن عيينة.
(أو) لتنويع الخلاف، أي صوب بعضهم عبد الله (بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة المازني صحابي صغير ولأبيه صحبة مات سنة ٨٨ وقيل ٩٦ وله ١٠٠ أخرج له الجماعة وهذا القول قاله خلائق.
(ولدى مصر) أي آخر من مات في مصر عبد الله بن الحارث (ابن جزء) الزبيدي مات سنة ٨٦ وقيل ٥ وقيل ٧ وقيل ٨ وقيل ٩ قاله الطحاوي، وكانت وفاته بسفط القدور، وتعرف الآن بسقط أبي تراب، وقيل باليمامة، وقيل: إنه شهد بدرًا، ولا يصح فعلى هذا هو آخر البدريين موتًا.
(و) سلمة (بن الأكوع) مبتدأ خبره جملة (بدا) من باب قتل، يقال: بدا القوم بُدُوًَّا: خرجوا إلى البادية، والمراد أنه مات بالبادية، قاله أبو زكريا ابن منده، والصَّحِيح أنه مات بالمدينة سنة ٧٤ وقيل ٦٤.
٦٩٤ - وَالْحَبْرُ بِالطَّائِفِ وَالْجَعْدِيُّ بِأَصْبَهَانَ وَقَضَى الْكِنْدِيُّ
٦٩٥ - الْعُرْسُ فِي جَزِيرَةٍ، بِبَرْقَةِ رُوَيْفِعُ الْهِرْمَاسُ بِالْيَمَامَةِ
٦٩٦ - وَقُبِضَ الْفَضْلُ بِسَمْرَقَنْدَا وَفِي سِجِسْتَانَ الأَخِيرُ الْعَدَّا
(وَالْحَبْرُ) بالفتح والكسر، وبعضهم أنكر الكسر، وبعضهم جعله أفصح: العالم بتحبير الكلام وتعليمه وتحسينه جمعه أحْبَار، والمراد به هنا
[ ٢ / ٢٠٦ ]
عبد الله بن عباس - ﵄ -، لأنه يقال له الحبر، والبحر، لسعة علمه أفاده في اللسان، وهو مبتدأ خبره (بالطائف) أي مات آخرًا بها سنة ٦٨ عن ٧١ سنة.
(والجعدي) مبتدأ خبره الجار والمجرور، وهو النابغة الشاعر المشهور المعمر، كما سيأتي، اختلف في اسمه: فقيل: قيس بن عبد الله بن عدس، وقيل: عبد الله، وقيل: حبان بن قيس، وقيل: غير ذلك في نسبه، سمي بالنابغة لأنه أقام مدة لا يقول الشعر ثم قاله فقيل: نَبَغَ، أفاده في الإصابة، والمعنى أنه آخر من مات (بأصبهان) بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الباء، قال في " ق " أصله أصت بهان أي سمنت المليحة، سميت به لحسن هوائها، وعذوبة مائها، وكثرة فواكهها، فخففت، والصواب أنها أعجمية، وقد تكسر همزتها، وقد تبدل باؤها فاء فيهما اهـ. وهذا القول لأبي الشيخ، وأبي نعيم؛ والجعديُّ: نسبة إلى جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. اهـ لباب.
(وقضى) أي مات (الكندي) بكسر فسكون نسبة إلى كندة قبيلة كبيرة مشهورة من اليمن قاله في اللباب. (العرس) بضم فسكون بدل من الكندي، هو عرس بن عميرة بفتح فكسر صحابي مُقِلّ، قيل: عميرة أمه، واسم أبيه قيس بن سعد بن الأرقم، وقال أبو حاتم: هما اثنان، أخرج له أبو داود، والنسائي، أفاده في التقريب (في جزيرة) متعلق بقضى أي آخر من مات من الصحابة في الجزيرة العرس بن عميرة الكندي، والمراد بالجزيرة هنا كما قاله السخاوي التي بين دجلة والفرات وقال في " ق " الجزيرة أرض بالبصرة، وجزيرة قور بَيْنَ دجلة والفرات، وبها مدن كبار، ولها تاريخ، والنسبة إليها جزري، ثم ذكر إطلاقها على عدة أماكن فانظره.
وهذا القول كما قال السخاوي لأبي زكريا ابن منده. لكن قال أبو بكر الجعابي: إن آخر الصحابة موتًا بالجزيرة وابصة بن معبد، وكان زارها، ونحوه قول هلال بن العلاء قبر وابصة عند منارة جامع الرقة إذا الرقة على جانب الفرات الشمالي الشرقي، وهي قاعدة ديار مضر من الجزيرة. فالله
[ ٢ / ٢٠٧ ]
أعلم أيهما الآخر. اهـ كلام السخاوي. (ببرقة) بفتح فسكون وبالصرف للضرورة من بلاد المغرب فيما قاله أحمد بن البرقي، أي آخر من مات بها منهم (رويفع) مبتدأ خبره الجار والمجرور قبله، وهو بضم الراء وكسر الفاء وترك الصرف للضرورة ابن ثابت الأنصاري المدني، قال أحمد بن البرقي، وقد رأيت قبره بها، وكان أميرًا عليها، وكذا قال ابن يونس: إنه كان أميرًا عليها لمَسْلَمَة بن مُخَلَّد، وأن قبره معروف ببرقة إلى اليوم وعين وفاته في سنة ٥٣ نقله السخاوي.
(الْهِرْمَاسُ) بكسر فسكون الراء مهملة ثم ميم مفتوحة فسين مهملة بن زياد الباهلي، مبتدأ خبره قوله (باليمامة) أي مات بها، يعني: أنه آخر من مات من الصحابة بها فيما قاله أبو زكريا بن منده. وذكر عكرمة بن عمار أنه لقيه في سنة ١٠٢ قاله السخاوي، وذكر في التدريب أنه مات سنة ١٠٢ أو ١٠٠ أو بعدها اهـ. وفي المصباح اليمامة: بلدة من بلاد العوالي، وهي بلاد بني حنيفة، قيل من عروض اليمن، وقيل من بادية الحجاز اهـ.
(وقبض) أي توفي (الفضل) بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي ابن عم رسول الله - ﷺ -، وأكبر ولد العباس، استشهد في خلافة عمر - ﵁ -. (بسمرقندا) بفتح السين والميم وسكون الراء، وإسكان الميم وفتح الراء لحن قاله في " ق " لكن في التاج ما نصه: قال شيخنا وقد تعقبه الشهاب في شرح الشفا اهـ. وكتب في هامش " ق " ما نصه وسمعنا بعض مشايخنا المغاربة ينطق بسكون الميم ويستند إلى الشهرة عندهم بذلك، قال الصاغاني: وقد أُولعَ أهل بغداد بإسكان الميم وفتح الراء اهـ.
قلت: هذا المشهور هو المتعين هنا للوزن.
والمعنى: أن الفضل بن عباس - ﵄ - آخر من مات في سمرقند من الصحابة - ﵃ -.
(وفي سجستان) بالكسر بلد معرب سيستان، والنسبة إليه سجزي بالكسر ويفتح، وسجستاني، أفاده في " ق " وهو حال من العدَّا، أي حال كونه متوفى بها.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
(الأخير) أي آخر الصحابة موتًا، مبتدأ خبره قوله (العدَّا)، ويحتمل العكس، وهو بفتح العين المهملة وتشد الدال المهملة آخره همزة خفف للوزن ابن خالد بن هوذة العامري أسلم هو وأبوه جميعًا، وتأخرت وفاته إلى بعد المائة، أخرج له البخاري في التعليق والأربعة.
والمعنى أن آخر من مات من الصحابة في سجستان هو العدَّاء بن خالد.
٦٩٧ - النَّوَوِيْ: مَا َعَرَفُوا مَنْ شَهِدَا بَدْرًا مَعَ الْوَالِدِ إِلاَّ مَرْثِدَا
٦٩٨ - وَالْبَغَوِيُّ زَادَ: أَنَّ مَعْنَا وَأَبَهُ وَجَدَّهُ بِالْمَعْنَى
(النووي) مبتدأ خبره محذوف أي قائل، أو فاعل لمحذوف أي قال في كتابه التقريب: ما معناه (ما) نافية (عرفوا) أي العلماء (من) في محل نصب مفعول به لما قبله أي الذي، أو شخصًا (شهدا) بألف الإطلاق أي حضر (بدرًا) موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، ويقال: هو منها على ثمانية وعشرين فرسخًا على منتصف الطريق تقريبًا. وعن الشعبي أنه اسم بئر هناك، وسميت بدرًا لأن الماء كان لرجل من جهينة اسمه بدر، وقال الواقدي: كان شيوخ غفار يقولون بدر ماؤنا، ومنزلنا، وما ملكه أحد قبلنا، وهو من ديار غفار. اهـ المصباح، والمراد هنا الوقعة المشهورة.
(مع الوالد) حال مِنْ مَنْ، أي حال كونه مع أبيه (إلا مرثدًا) هو ابن أبي مرثد الغنوي، واسم أبيه كَنَّاز بنون ثقيلة وزاي ابن الحصين استشهد مرثد في صفر سنة ٣ في غزوة الرجيع ذكره في الإصابة.
وحاصل المعنى: أنه لا يعرف من الصحابة مَنْ شَهِد وقعة بدر مع أبيه إلا مرثد بن أبي مرثد - ﵁ -.
(و) قال الناظم: وأغرب من هذا ما أخرجه (البغوي) الحافظ الكبير الثقة مسند العالم أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي الأصل البغدادي، وُلدَ في رمضان سنة ٢١٤ وسمع ابن الجعد، وأحمد، وابن المديني، وخلقًا، وصنف معجم الصحابة، والجعديات،
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وطال عمره، وتفرد في الدنيا، وتوفي ليلة عيد الفطر سنة ٣١٧ عن مائة سنة. اهـ طبقات الحفاظ باختصار.
والبغوي: نسبة إلى بلد من بلاد خراسان بين مَرْوَ وهراة يقال له بغثور. اهـ. لباب.
وهو مبتدأ خبره جملة (زاد) أي على ما قاله النووي (أن) بالفتح
والتشديد (معنا) أي ابن يزيد بن الأخنس السلمي (وأبه) بالنقص لغة في
الأسماء الستة، أي يزيد (وجده) الأخنس (بالمعنى) خبر أن، فأل للعهد الذكريّ، أي بالمعنى الذي ذكره النووي لمرثد، وهو شهود بدر من دون مشارك وحاصل المعنى: أن معنا وأباه يزيد وجده الأخنس شهدوا بدرًا ولا يعلم بهذه المنقبة غيرهم.
ونصه في معجمه: كما في التدريب حدثنا ابن هانئ، حدثنا ابن بكير حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب أن مَعْنَ بن يزيد بن الأخنس السلمي شهد هو وأبوه وجده بدرًا، قال: ولا نعلم أحدا شهد هو وابنه وابن ابنه بدرًا مسلمين إلا الأخنس اهـ.
قلت: لكن قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب بعد أن ذكر نحوه، ولا يعرف في البدريين، ولا يصح، وإنما الصَّحِيح حديث أبي الجويرة عنه قال: بايعت رسول الله - ﷺ - أنا وأبي وجدي اهـ.
٦٩٩ - وَأَرْبَعٌ تَوَالَدُوا صَحَابَهْ: حَارِثَةُ الْمَوْلَى أَبُو قُحَافَهْ
(وأربع) من النسمات مبتدأ (توالدوا) أي تناسلوا، وولد بعضهم للبعض صفة لأربع (صحابه) خبر المبتدإ، والمعنى: أن أربعة متوالدين كلهم أدركوا النبي - ﷺ - لا يعرف غيرهم، وهم (حارثة المولى) ابن شراحيل بن كعب الكلبي، وابنه زيد بن حارثة، وابن ابنه أسامة بن زيد، وذكروا أن أسامة ولد له في حياة النبي - ﷺ - فهؤلاء كلهم صحابيون، إذ حارثة صحابي كما جزم به المنذري في مختصر مسلم، وحديث إسلامه في مستدرك الحاكم، وكذا زيد وأسامة - ﵁ - و(أبو قحافة) والد
[ ٢ / ٢١٠ ]
الصديق، واسمه عثمان، فإنه صحابي كابنه أبي بكر، وبنته أسماء بنت أبي بكر، وابنها عبد الله بن الزبير، وكذا عبد الرحمن بن أبي بكر، وابنه أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن، قال الحافظ: وكذا إياس بن سلمة بن عمرو بن الأكوع الأربعة ذكروا في الصحابة، وطلحة بن معاوية بن جاهمة بن العباس بن مرداس، في أمثلة أخرى لا تصح. اهـ تدريب.
(فائدة): ليس في الصحابة من اسمه عبد الرحيم، بل ولا من التابعين، ولا من اسمه إسماعيل من وجه يصح إلا واحد بصري، روى عنه أبو بكر بن عمارة حديث: " لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " أخرجه ابن خزيمة قاله في التدريب.
(تنبيه): يوجد هنا في نسخة المحقق ابن شاكرٍ ثلاثة أبيات الأول قوله:
٧٠٠ - وَمَاسِوَى الصِّدِّيقِ مِمَّنْ هَاجَرَا مَنْ وَالِدَاهُ أَسْلَمَا قَدْ أُثِرَا
ومعناه: أنه لا يوجد في المهاجرين من أسلم والداه غير أبي بكر الصديق - ﵁ -. وقال المحقق في تعليقه: ما نصه: ليس من الصحابة المهاجرين من أسلم أبواه غير أبي بكر الصديق، وأبو بكر اسمه عبد الله أو عتيق وأبوه: أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو من بني تيم بن مرة، وأمه: أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب من بني تيم بن مرة، وقد مات أبو بكر - ﵁ - في حياتهما ثم ماتت أمه ثم مات أبوه - ﵃ -. اهـ كلام المحقق.
قلت: هذا الذي قاله الناظم ووافقه عليه المحقق: لا أرى له وجهًا، لأن كثيرًا من المهاجرين قد أسلم والداهم، كما يظهر ذلك لمن طالع تراجم الصحابة وتواريخهم، ولم أرَ هذه المسألة لغير الناظم. والبيت الثاني قوله:
٧٠١ - وَلَيْسَ فِي صَحَابَةٍ أَسَنُّ مِنْ صِدَّيقِهِم مَعَ سُهَيْلٍ فَاسْتَبِنْ
ومعناه: أنه لا يوجد في الصحابة أسن من أبي بكر الصديق، وسهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري أسلم يوم الفتح.
[ ٢ / ٢١١ ]
قلت: هذا الكلام فيه نظر أيضًا فإنه يوجد في الصحابة من هو أكبر سِنًّا من الصديق بكثير، فإن العباس كان أسن من النبي - ﷺ - كما ثبت ذلك في الصَّحِيح، وأبو بكر أصغر سنًا منه، فليتأمل. والبيت الثالث قوله:
٧٠٢ - أَجْمَلُهُمْ دِحْيَةُ الْجَمِيلُ جَاءَ عَلَى صُورَتِهِ جِبْرِيلُ
ومعناه: أن أجمل الصحابة هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد الكلبي صحابي مشهور كان يضرب به المثل في حسن الصورة، ولهذا كان جبريل يأتي النبي - ﷺ - على صورته، جاء ذلك من حديث أم سلمة، وعائشة، وابن عمر، وأنس، أفاده في الإصابة.
ودحية بكسر الدال وفتحها، ومن أجمل الصحابة أيضًا جرير بن عبد الله البجلي، قال فيه عمر: هو يوسف هذه الأمة.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله: وقيل مع طول ومع رواية، وقوله: وقيل مدرك العصر إلى قوله في الأصح فيهما، وقوله: أو تابعي والأصح، وقوله: معاصر، وقوله النووي أجمع من يعتمد به، وقوله: يليه من قوله أبو هريرة يليه ابن عمر، وقوله: كالخدري، وقوله: وعُمَر، وزوجة الهادي إلى قوله وكعب حسان، وقوله: وغلطوا من غير هذا مال له، وقوله: وأول الجامع للصحابة إلى قوله: فليستفد، وقوله: قيل خمس وذكر، وقوله: فالأولون أسلموا إلى قوله: فصبيان رأوا، وقوله: إجماعًا حكوا، وقوله: أو قبل فتح أسلموا، وقوله: وقد رأوا جمعهم انتظامًا، وقوله: في الرجال، وقوله: في الموالي وفي النسا، وقوله: وذي الصغر، وقوله: والرق، وقوله: وأفضل الأزواج، إلى قوله فالبواقي، وقوله: وقيل عمرو أو أبو جحيفة، وقوله: والحبر بالطائف والجعدي بأصبهان، وقوله: وقبض الفضل إلى آخر الباب.
[ ٢ / ٢١٢ ]