وما يتعلق به من الجرح والتعديل، أي هذا مبحث معرفة صفة الشخص الذي تقبل روايته لاستكماله شروط القبول، والذي لا تقبل لعدم استكماله لها، وهو النوع السابع والثلاثون. من أنواع علوم الحديث.
٢٨٠ - لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَا: عَدْلٌ، وَضَبْطٌ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمَا
٢٨١ - مُكَلَّفًا لَمْ يَرْتَكِبْ فِسْقًا ولا خَرْمَ مُرُوءَةٍ وَلا مُغَفَّلا
٢٨٢ - يَحْفَظُ إِنْ يُمْلِ، كِتَابًا يَضْبُطُ إِنْ يَرْوِ مِنْهُ، عَالِمًا مَا يُسْقِطُ
٢٨٣ - إِنْ يَرْوِ بَالْمَعْنَى، وَضَبْطُهُ عُرِفْ إِنْ غَالِبًا وَافَقَ مَنْ بِهِ وَصِفْ
(لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ) أي راوي الأحاديث غير المتواترة، وهو خبر مقدم لقوله (شرطان) يعني أن الشخص الذي يروي الأحاديث يشترط لقبول روايته أمران:
وقيدنا بغير المتواتر لأنه لا يشترط فيه هذان الشرطان بل له شروط غيرهما تقدمت في مبحثه.
ثم بين الشرطين بقوله (هما) أي الشرطان مبتدأ خبره قوله (عدل وضبط) فالعدل بالفتح مصدر عدل من باب ضرب، والعدل القصد في الأمور وهو خلاف الجَوْر، واصطلاحًا (أن يكون) ناقل الأخبار (مسلمًا) فأنْ مصدرية وهي وصلتها خبر لمحذوف، أي هو كونه مسلما إلخ.
[ ١ / ٣٢٢ ]
فلا يقبل كافر إذ لا وثوق به مع شرف منصب الرواية عن الكافر لنفوذها على كل مسلم وهذا بالإجماع (مكلفًا) أي بالغًا عاقلًا فلا يقبل صبي في الأصح لأنه لعلمه أنه غير مكلف قد لا يحترز عن الكذب فلا يوثق به، وقيل يقبل إن عُلِم منه التحرز عن الكذب، ولا مجنونٍ إذ لا يمكنه التحرز عن الخلل إلا إذا انقطع ولم يؤثر في حال الإفاقة. (لم يرتكب فسقًا) أي لم يزاول مفسقًا، والفسق ارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة. (ولا خرم) أي خارم (مرؤة) أي قاطعها، ومزيلها، وهي بالضم والهمز بوزن سُهُولة، وقد تبدل الهمزة واوًا فتدغم فيما قبلها: آداب نفسانية تحمل مُرَاعَاتُهَا على الوقف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات.
ونقل السخاوي عن الزنجاني: أن المرؤة يُرجَع في معرفتها إلى العرف فلا تتعلق بمجرد الشرع. وأنت تعلم أن الأمور العرفية قلما تنضبط بل هي تختلف لاختلاف الأشخاص والبلدان فكم من بلد جرت عادة أهله بمباشرة أمور لو باشرها غيرهم لَعُدَّ خرمًا للمرؤة.
وبالجملة فرعاية مناهج الشرع وآدابه والاهتداء بالسلف والاقتداء بهم أمر واجب.
قال الزركشي وكأنه يشير بذلك إلى أنه ليس المراد سيرة مطلق الناس بل الذين يُقْتَدَى بهم وهو كما قال اهـ.
والحاصل: أن شروط العدالة على ما ذكره خمسة الإسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق، والسلامة مما يخرم المرؤة. فجملة " لم يرتكب " خبر بعد خبرين، أو حال من اسم يكونَ.
(و) أما الضبط فهو لغة: مصدر ضبط الشيء من باب ضرب حفظه حفظًا بليغًا، ومنه قيل ضَبَطْتُ البلاد وغيرها إذا قمت بأمرها قيامًا ليس فيه نقص. اهـ المصباح.
واصطلاحات ما أشار إليه بقوله: (لا) يكون (مغفلا) بصيغة اسم المفعول أي منسوبًا إلى الغفلة.
[ ١ / ٣٢٣ ]
والمعنى: أن الضبط أن لايكون الرواي مغفلًا بأن لا يميز الصواب من الخطأ، كالنائم والساهي، إذ المتصف بالغفلة لا يحصل الركون إليه، ولا تميل النفس إلى الاعتماد عليه. وقوله (يحفظ) جملة حالية أي حال كونه حافظًا أي مُثْبِتًا ما سمعه في حافظته بحيث يبعد زواله عنها متمكنًا من استحضاره متى شاء. وقوله (إن يمل) قيد في الحفظ أي إن رواه من حفظه، وهذا هو المسمى عندهم بضبط الصدر، وإِنْ في المواضع الثلاثة شرطية.
(كتابًا) مفعول لقوله (يضبط) بكسر الباء أي يحفظه ويصونه عن تطرق التزوير والتغيير إليه من حين سمع فيه إلى أن يؤدى منه. (إن يروى منه) أي الكتاب كما هو الغالب في الأزمان المتأخرة، وهذا هو المسمى عندهم بضبط الكتاب، قال بعضهم: ومن شرطه أن لا يُعِيَره لأحد، فإن أعاره فلا يجوز له أن يرويه بعده لاحتمال أن يغيره المستعير ويبدل، ما لم يعره لأمي، وما لم تكثر النسخ، وهذا الزمان لا يقال فيه ذلك لأن الكتب قد ضبطت. انتهى. ذكره الشارح. حال كونه (عالمًا ما) أي اللفظ الذي (يسقط) بضم الياء من الاسقاط أي يحذفه من الحديث (إن يرو) الحديث (بالمعنى) بناء على جوازه وهو الصَّحِيح كما سيأتي.
وحاصل المعنى: أنه يشترط كون الراوي عالمًا بما يحيل المعنى إن رواه بالمعنى بحيث يأمن من تغيير ما يرويه وسيأتي تمامه في بابه إن شاء الله تعالى.
ثم ذكر ما يعرف به كون الراوي ضابطًا بقوله (وضبطه) أي الراوي مبتدأ خبره قوله (عرف) بالبناء للمفعول أي علم (إن) شرطية (غالبًا) أي في كثير من الأحوال (وافق) الراوي (من) موصولة مفعول وافق (به) أي الضبط (وصف) بالبناء للمفعول أي من اتصف بالضبط وإن خالفه نادرا.
وحاصل المعنى أن ضبط الراوي يعرف باعتبار ما يرويه بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وُجِدَ موافقًا لهم غالبًا ولو من حيث
[ ١ / ٣٢٤ ]
المعنى فضابط وإلا فلا، ولا تضر مخالفته النادرة. ثم ذكر الخلاف فيما يَثْبُتُ به الجرح والتعديل فقال:
٢٨٤ - وَاثْنَانِ إِنْ زَكَّاهُ عَدْلُ وَالأَصَحْ إِنْ عَدَّلَ الْوَاحِدُ يَكْفِي أَوْ جَرَحْ
٢٨٥ - أَوْ كَانَ مَشْهُورًا
(واثنان) من المزكين (إن زكاه) أي حَكَمَا بعدالته في الرواية، يقال زكيته بالتثقيل نسبته إلى الزكاء وهو الصلاح، والرجل زكي والجمع أزكياء. اهـ المصباح، يعني أنه إن زكا شخصان راويا فهو (عدل) أي محكوم بعدالة الرواية، فقوله اثنان مبتدأ سوغه الوصف المذكور، وإن شرطية وفي نسخة " مَنْ " وزكاه فعل الشرط، وأفرد الضمير نظرًا للفظ اثنان، فإنه مفرد اللفظ مثنى المعنى، وقوله عدل خبر لمحذوف مع الرابط أي فهو عدل، والجملة جواب إن، والجملة خبر المبتدإ.
وحاصل المعنى أنَّ من عَدَّله عدلان فهو عدل، وأما من عدله عدل واحد ففيه خلاف والأصح أنه عدل وكذا الجرح، وإليه أشار بقوله (والأصح) من أقوال العلماء مبتدأ خبره جملة الشرط (إن) شرطية (عدل الواحد) أي أخبر المزكي الواحد بعدالة الراوي، والمراد بالواحد الشخص فيشمل العبد والأنثى كما سيأتي، وقوله (يكفي) جواب إن ولم يجزم لكون الشرط ماضيًا، كما قال ابن مالك: وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ.
يعني أن تعديل الواحد يكفي في عدالة الراوي، وقوله (أو جرح) عطف على عدل أي إن جرح الواحد يكفي في الجرح أيضًا وجملة " إن " خبر المبتدإ.
وحاصل المعنى: أن الأصح وهو قول المحققين ونقله ابن الحاجب عن الأكثرين، قال ابن الصلاح وهو الذي اختاره أبو بكر الخطيب وغيره أن تعديل الواحد أو جرحه كاف.
والحاصل: أن في المسألة ثلاثة أقوال: الأول أنه لا يقبل في التزكية
[ ١ / ٣٢٥ ]
إلا رجلان كالشهادة حكاه القاضي أبو بكر الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم.
الثاني: أنه يكفي الواحد فيهما وهو الذي اختاره في النظم.
الثالث التفصيل: فيكفي في الرواية تعديل الواحد بخلاف الشهادة.
ثم ذكر مما تثبت به العدالةُ الاستفاضةَ والشهرةَ فقال: (أو كان) الراوي (مشهورًا) بالعدالة ونباهة الذكر بالاستقامة والصدق مع البصيرة والفهم فإنه يكفي ذلك في قبوله، فقوله " كان " معطوف على عدل أي الأصح أنه إن كان الراوي مشهورًا بذلك يكفي في قبول روايته.
وحاصل المعنى: أن من اشتهر من الرواة بالعدالة بين أهل العلم وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة والصدق استغنى فيه بذلك عن طلب بينة شاهدة بذلك تنصيصًا، قال ابن الصلاح: وهذا هو الصَّحِيح في مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه، وذلك كشهرة مالك، وشعبة، ووكيع، وأحمد، وابن معين، ومن جرى مجراهم.
ويثبت الجرح أيضًا بالاستفاضة كما قال السخاوي، وتوسع الحافظ ابن عبد البر حيث قال: كل حامل علم معروف بالعناية به فهو محمول أمره على العدالة حتى يتبين جرحه وإليه أشار بقوله:
وزَادَ يُوسُفُ بِأَنَّ كُلَّ مِنْ بِعِلْمٍ يُعْرَفُ
٢٨٦ - عَدْلٌ إِلَى ظُهُورِ جَرْحٍ، وَأَبَوْا
(وزاد) توسعًا في باب العدالة الحافظ أبو عمر (يوسف) بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَرِيُّ القرطبي ولد سنة ٣٦٨ هـ في ربيع الآخر قال أبو الوليد الباجي: لم يكن بالأندلس مثله في الحديث، له التمهيد، والاستذكار، في شرح الموطأ، والاستيعاب في الصحابة، وغير ذلك.
توفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخرة سنة ٤٦٣ هـ عن ٩٥ سنة (بأن) الباءً زائدة، أو على تضمين زاد معنى تفرد، (كل من) أي شخص (بعلم)
[ ١ / ٣٢٦ ]
أي بالعناية به، متعلق بـ (يعرف) بالبناء للمفعول (عدل) خبر أنَّ، أي محمول أمره على العدالة (إلى ظهور جرح) متعلق بعدل، أي إلى تبين أمر جارح له.
وحاصل المعنى: أن ابن عبد البر يقول كل حامل علم معروف بالعناية به فهو محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى يتبين جرحه، ووافقه على ذلك ابن المَوَّاق من المتأخرين لقوله - ﷺ - " يَحمِلُ هذا العلمَ من كل خَلَفٍ عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين " لكن الجمهور قالوا إن هذا توسع غير مرضي، وإليه أشار بقوله (وأبوا) أي امتنع العلماء من قبول كلام ابن عبد البرّ المذكور، وقالوا إنه توسع غير مرضي.
والحديث المذكور حديث مختلف فيه، فقيل: إنه مرسل أرسله إبراهيم بن عبد الرحمن العُذْري روى عنه مُعان بضم أوله وتخفيف المهملة ابن رفاعة السلامي، ورواه عن معان غير واحد.
ذكره الذهبي في الميزان، وقد توبع معان فذكر الخَلَّال في علله أن أحمد بن حنبل سئل عنه، وقيل كانه كلام موضوع قال: لا هو صحيح، فقيل ممن سمعته؟ قال من غير واحد فقيل من هم؟ فقال حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن قال: يعنى فغلط في اسم إبراهيم بن عبد الرحمن قال أحمد ومعان لا بأس به ووثقه ابن المديني.
وقد أطال الكلام في هذا الحديث في التنقيح وشرحه التوضيح فارجع إليه.
وقد أيد ابن الجزري ما ذهب إليه ابن عبد البر وقال: هو الصواب وإن رده بعضهم وسبقه المزي فقال: هو في زماننا مرضي بل ربما يتعين، ونحوه قول ابن سيد النَّاس: لست أراه إلا مرضيًا، وقد قال الذهبي: إنه حق، قال: ولا يدخل في ذلك المستور فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تبينًا ولا اتفق لهم علم بأن
[ ١ / ٣٢٧ ]
أحدًا وثقه فهذا الذي عناه الحافظ ابن عبد البر وأنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه الجرح، قال: ومن ذلك إخراج البخاري ومسلم لجماعة ما اطلعنا فيهم على جرح ولا توثيق.
ثم ذكر مسألة الجرح والتعديل على الإبهام فقال:
وَالْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ مُطْلَقًا رَأَوْا
٢٨٧ - قَبُولَهُ مِنْ عَالِمٍ عَلَى الأَصَحّ مَا لَمْ يُوَثَّقْ مَنْ بِإِجْمَالٍ جُرِحْ
(والجرع والتعديل) بالنصب على الاشتغال، أو بالرفع على الابتداء خبره جملةُ رَأَوْا أي جَرْحُ الراوي وتعديله حال كون كل منهما (مطلقًا) أي غير مفسر بذكر سببه وفي نسخة مبهما (رأوا) أي المحققون (قبوله) أي كل واحد منهما (من عالم) أي من شخص عالم بأسباب الجرح والتعديل والخلافِ في ذلك بصيرٍ مرضِيّ في اعتقاده وأفعاله. (على الأصح) خبر لمحذوف أي هذا على القول الأصح، أو متعلق برأوا، وهذا القول هو الذي اختاره الحافظ (ما) مصدرية ظرفية (يوثق) بالبناء للمفعول ونائب فاعله (من) أي الشخص الذي (بإجمال) أي من غير تفصيل متعلق بقوله (جرح) بالبناء للمفعول يعني من جرحه جارح بأمر مجمل.
وحاصل المعنى: أن الأصح قبول الجرح والتعديل المبهمين إذا صدرا من عالم بالأسباب بصير مرضى اعتقادًا وأفعالًا ما لم يوجد توثيق إمام من الأئمة لمن جرح مجملًا فإن هذا الجرح لا يقبل إلا مفسرًا، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه ثم في حديثه ونقدوه كما ينبغي، وهم أيقظ النَّاس فلا ينقض حكم أحدهم إلا بأمر صريح، وإن خلا عن التعديل قُبِلَ الجرحُ فيه غير مفسر إذا صدر من عارف لأنه إذا لم يُعَدَّل فهو في حيز المجهول وإعمال قول الجارح فيه أولى من إهماله.
والحاصل أن في الجرح والتعديل المبهمين اختلافًا بين العلماء.
[ ١ / ٣٢٨ ]
الأول: يقبل التعديل من غير ذكر السبب ولا يقبل الجرح إلا مبينًا لأن أسباب التعديل كثيرة فيشق ذكرها بخلاف أسباب الجرح لأنه يحصل بأمر واحد وهذا قول الجمهور من الفقهاء والأصوليين وحفاظ الحديث كالشيخين.
والثاني: عكسه وهو قبول الجرح مطلقًا ولا يقبل التعديل إلا مفسرًا لأن أسباب العدالة يكثر فيها التصنع فيتسارع النَّاس إلى الثناء على الظاهر.
والثالث: لا يقبلان إلا مفسرين لأنه كما يجرح الجارح بما لا يقدح كذلك يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة.
والرابع عكسه: وهو لا يجب ذكر السبب في واحد منهما إذا كان الجارح والمعدل عالمين بأسباب الجرح والتعديل والخلافِ في ذلك بصيرًا مرضيا في اعتقاده وأفعاله، وهو اختيار القاضي أبي بكر ونقله عن الجمهور واختاره إمام الحرمين والغزالي، والرازي والخطيب وصححه أبو الفضل العراقي والبلقيني.
وفصل الحافظ تَفْصِيلًا حسنًا فإن كان من جرح مجملًا قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائنًا مَنْ كان إلا مفسرًا، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي إلى آخر ما تقدم.
وهذا هو الذي رجحه الناظم في هذا النظم، وهو في الحقيقة تفصيل للقول الرابع وليس قولًا مستقلًا. ثم ذكر مسألة تعديل العبد والأنثى فقال:
٢٨٨ - وَيَقْبَلُ التَّعْدِيلُ مِنْ عَبْدٍ وَمِنْ أُنْثَى وَفِي الأُنْثَى خِلافٌ قَدْ زُكِنْ
(ويقبل التعديل) فعل مغير الصيغة ونائب فاعله، أي يقبل تعديل الراوي وكذا جرحه حال كونه صادرًا (من عبد ومن أنثى) يعني أن العبد والأنثى إذا زَكَّيَا شخصًا يقبلان إذا كانا عارفين بهذه الصناعة لأنه إخبار ورواية، وروايتهما مقبولة، وهذا هو الصَّحِيح، وخالف بعضهم في المرأة
[ ١ / ٣٢٩ ]
وإليه أشار بقوله (وفي) قبوله من (الأنثى خلاف) بين العلماء (قد زكن) بالبناء للمفعول أي عُلِم.
فقد نقل القاضي أبو بكر عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم عدم القبول كما في الشهادة لكن الصَّحِيح هو الأول، وقد استدل الخطيب للقول الصَّحِيح بسؤال النبي - ﷺ - بريرة عن عائشة في قصة الإفك.
ثم ذكر الخلاف في تقديم الجرح على التعديل فقال:
٢٨٩ - وَقَدِّمِ الْجَرْحَ وَلَوْ عَدَّلَهُ أَكْثَرُ فِي الأَقْوَى، فَإِنْ فَصَّلَهُ
٢٩٠ - فَقَالَ: مِنْهُ تَابَ، أَوْ نَفَاهُ بِوَجْهِهِ قُدِّمَ مَنْ زَكَّاهُ
(وَقَدِّمِ) أيها الطالب للرأي الأرجح (الجرح) للراوي على التعديل له فيما إذا اجتمعا من الأئمة النقاد (ولو عدله) أي حكم له بالعدالة (أكثر) عددًا ممن جرحه وقوله (في الأقوى) أي القول الأرجح لقوة دليله متعلق بقدم.
والمعنى: أنه إذ اجتمع في الراوي جرح وتعديل فالجرح مقدم ولو زاد عدد المعدل، هذا هو الصَّحِيح عند الفقهاء والأصوليين، ونقله الخطيب عن جمهور العلماء لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل، ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي عليه، وقيد الفقهاء بما إذا لم يقل المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح ولكنه تاب منه وحسنت حاله فإنه حينئذ يقدم المعدل، وإلى هذا القيد أشار بقوله: (فإن فَصَّله) من الفصل، أو التفصيل، أي بين المعدل وجه تعديله بذكر ما يرجحه من نقض كلام الجارح كأن يقول الجارح إن هذا الراوي زنى (فقال) المعدل عرفت ذلك ولكنه (منه) أي مما جرح به (تاب) إلى الله بشرطه وحسن حاله واستقام، (أو) عَيَّنَ الجارح سببًا فـ (نفاه) عطف على فصله، أي نفى المعدل ما عينه الجارح سببًا للجرح (بوجهه) أي
[ ١ / ٣٣٠ ]
بطريق النفي المعتبرة، فالضمير عائد على النفي المفهوم من نفى، يعني أنه إذا نفى ذلك السبب بطريق معتبر مجزوم به كأن يقول الجارح قتل غلامًا ظلمًا يوم كذا فقال المعدل رأيته حَيًّا بعد ذلك.
أو قال كان القاتل في ذلك الوقت عندي، وقوله (قدم من زكاه) جواب إن، وهو فعل ونائب فاعله أي قدم قول المعدل على الجارح في هاتين الصورتين لأن معه زيادة علم.
وحاصل ما في هذه المسألة أنه إذا اجتمع في الراوي جرح وتعديل يقدم الجرح ولو زاد عدد المعدل على الأصح، لكن يسثنى من هذه القاعدة مسألتان " إحداهما " ما إذا نقض المعدل قول الجارح بأن قال: عرفت السبب، ولكنه تاب منه وحسنت حاله فإنه يقدم المعدل، وقيده البلقيني بغير الكذب على النبي - ﷺ - فإنه لا يقدم فيه قول المعدل كما سيأتي تحقيقه.
" الثانية ": ما إذا عين الجارح سببًا فنفاه المعدل بطريق معتبر فإنه يقدم فيه قول المعدل أيضًا.
ومقابل الأصح قول من قال: إن كان المعدلون أكثر يقدم على الجرح، وقول من قال: يرجح بالأحفظ، ومن قال: يتعارضان.
هذا كله فيما إذا صدرا من قائلين، وأما إذا كانا من قائل واحد كما يتفق لابن معين وغيره من أئمة النقد فهذا قد لا يكون تناقضًا بل نسيانًا في أحدهما أو نشأ عن تغير اجتهاد، وحينئذ فلا ينضبط بأمر كلي، وإن قال بعض المتأخرين: إن الظاهر أن المعمول به المتأخر منهما إن علم وإلا وجب التوقف أفاده السخاوي.
ثم ذكر رواية العدل عمن سماه هل تكون تعديلًا له أو لا فقال:
٢٩١ - وَلَيْسَ فِي الأَظْهَرِ تَعْدِيلًا إِذَا عَنْهُ رَوَى الْعَدْلُ وَلَوْ خُصَّ بِذَا
(وليس في) القول (الأَظْهَرِ) الذي قاله أكثر العلماء من المحدثين وغيرهم (تعديلًا) خبر ليس واسمها ضمير يعود إلى رواية العدل المفهوم مما
[ ١ / ٣٣١ ]
بعده، أي ليس رواية العدل عن شخص تعديلًا له (إذا روى عنه) أي عن الشخص (العدل) الحافظُ الضابط فضلًا عن غيره (ولو خص) بالبناء للفاعل أي ولو خص ذلك العدل روايته (بذا) أي العدل، أو بالبناء للمفعول أي ولو خص ذلك العدل بالرواية عن العدل. وحاصل معنى البيت: أنه إذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلًا لذلك الشخص عند الأكثرين وهو الصَّحِيح لجواز رواية العدل عن غير العدل فلم تتضمن روايته عنه تعديله.
ولو صرح بذلك بأن صرح أنه لا يروي إلا عن العدل، أو عرف من حاله بالاستقراء كشعبة ومالك وَيَحْيَى القطان لجواز أن يترك عادته. وسيأتي ذكر من لا يروي إلا عن ثقة غالبًا.
ومقابل الأظهر قول من قال: إنه تعديل مطلقًا إذ الظاهر أنه لا يروي إلا عن عدل إذ لو علم جرحًا لذكره لئلا يكون غاشًّا.
وقول من قال بالتفصيل: فإن كان لا يروي إلا عن عدل فهو تعديل وإلا فلا، وهو الصَّحِيح عند الأصوليين وإليه ميل الشيخين وابن خزيمة في صحاحهم.
وقيد بالعدل لأنه إذا كان غير عدل فإنه لا يكون تعديلًا بالاتفاق قاله السخاوي.
ثم ذكر مسألة التعديل لمن أُبْهِمَ، ومجرد الرواية عن المعين بدون تعديل فقال:
٢٩٢ - وَإِنْ يَقُلْ: حَدِّثْ مَنْ لا أَتَّهِمْ أَوْ ثِقَةٌ أَوْ كُلُّ شَيْخٍ لِي وُسِمْ
٢٩٣ - بِثِقَةٍ ثُمَّ رَوَى عَنْ مُبْهَمِ لا يُكْتَفَى عَلَى الصَّحِيحِ فَاعْلَمِ
٢٩٤ - وَيُكْتَفَى مِنْ عَالِمٍ فِي حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ، وَقِيلَ: لا، مَا لَمْ يُبَنْ
(وإن يقل) الراوي في روايته (حَدَّثَ) ـنِي، أو أخبرني مثلًا (من لا أتهمـ) ـهُ بكذب أو غيره (أو) قال حدثني (ثقة) أو ضابط أو عدل من غير أن يسميه (أو) قال (كل شيخ لي) مبتدأ خبره قوله (وسم بثقة) بالبناء للمفعول
[ ١ / ٣٣٢ ]
أي علم بكونه ثقة يعني أنه قال جميع أشياخي الذين أروي عنهم ثقات وإن لم أسمهم (ثم) بعد هذا كله (روى) حديثًا (عن) راو (مبهم) أي غير مسمى باسمه وقوله (لا يكتفى) بالبناء للمفعول جواب إن أي لا يكتفى به في تعديل ذلك المبهم (على الصَّحِيح) من الأقوال (فاعلم) هذا وحققه في ذهنك.
وحاصل معنى البيتين أنه إذا قال حدثني الثقة أو من لا أتهمه أو نحوهما من غير أن يسميه، أو قال: كل شيخ لي ثقة ثم روى عمن لم يسمه لم يكتف به في تعديل ذلك المبهم على الصَّحِيح حتى يسميه، لأنه وإن كان ثقة عنده فربما لو سماه لكان ممن جرحه غيره بقادح، بل في إضرابه عن تسميته ريبة توقع ترددا في القلب.
وقيل يكتفى به مطلقًا كما لو عينه لأنه مأمون في الحالين معا، وقيل يكتفى به من عالم في حق من قلده وإلى هذا أشار بقوله (ويكتفى) به بالبناء للمفعول حال كونه صادرًا (من عالم) أي مجتهد كمالكٍ والشَّافعي (في حق من قلده) متعلق بيكتفى أي يكتفى بالتعديل المذكور من ذلك العالم في حق من تبعه في مذهبه.
وهذا القول هو الذي جرى عليه المحققون كابن الصباغ واختاره إمام الحرمين ورجحه الرافعي في شرح المسند (١)، وفرضه في صدور ذلك من أهل التعديل، قال ابن الصباغ: لأنه لم يورد ذلك احتجاجًا بالخبر على غيره، بل يذكر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم وقد عرف هو من روى عنه ذلك، وقيل لا يكتفى به مطلقًا إلا إذا بين، وإليه أشار بقوله (وقيل لا) يكتفى به مطلقًا أي في حق المقلد أو غيره (ما) مصدرية ظرفية (لم يبن) بالبناء للمفعول من الإبانة أي ما لم يُظْهَر كون ذلك الشخص ثقة، أو
_________________
(١) أي شرح مسند الشافعي.
[ ١ / ٣٣٣ ]
بالبناء للفاعل أي ما لم يظهره، ويحتمل كونه ثلاثيًا من بان الشيءُ إذا اتضح أي ما لم يتضح كونه ثقة.
وحاصل المعنى: أنه لا يكتفي في حق من قلده أيضًا حتى يوضح ذلك كأن يقول كل من أروي لكم عنه ولم أسمه فهو عدل. ثم ذكر مسائل اختلف فيها هل تقتضي التصحيح أو لا.
فقال:
٢٩٥ - وَمَا اقْتَضَى تَصْحِيحَ مَتْنٍ فِي الأَصَحْ فَتْوَى بِمَا فِيهِ كَعَكْسِهِ وَضَحْ
٢٩٦ - وَلا بَقَاهُ حَيْثُما الدَّوَاعِي تُبْطِلُهُ، وَالْوَفْقُ لِلإِجْمَاعِ
٢٩٧ - وَلا افْتِرَاقُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّلِ مَا بَيْنَ مُحْتَجٍّ وِذِي تَأَوُّلِ
(وما) نافية (اقتضى) أي دل يقال اقتضى الأمر الوجوبَ أي دل عليه أفاده في المصباح. (تصحيح متن) مفعول مقدم على الفاعل أي صحة حديث وَرَدَ في أيّ معنى (في الأصح) الذي عليه الجمهور (فتوى بما فيه) فاعل مؤخر أي إفتاء العالم، وكذا عمله بمقتضى ما في ذلك المتن.
وحاصل المعنى: أن فتوى العالم وكذا عمله على وفق حديث وارد في ذلك المعنى لا يكون حكمًا منه بصحته، ولا بتعديل رواته، لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطًا أو لدليل آخر وافق ذلك الخبر من متن غيره، أو إجماع أو قياس، أو لكونه ممن يرى العمل بالضَّعِيف وتقديمه على القياس، وقيل إنه حكم بصحته، وصححه الآمدي وغيره من الأصوليين، وقال إمام الحرمين: إن لم يكن في مسالك الاحتياط، وفرق شيخ الإسلام ابن تيمية بين أن يعمل به في الترغيب وغيره، قال ابن الصلاح: وكذلك مخالفته للحديث ليست قادحة منه ولا في راويه، وإليه أشار بقوله (كعكسه) أي عَكس الحكم المذكور، وهو أنه إذا أفتى بخلاف مرويه لا يقتضى ذلك قدحًا في صحته ولا في رواته لإمكان أن يكون ذلك لمانع من معارض أو غيره، وقد روى مالك حديث الخيار ولم يعمل به لعمل أهل المدينة
[ ١ / ٣٣٤ ]
بخلافه، ولم يكن ذلك قدحًا في نافع راويه. وجملة قوله (وضح) صفة لعكس أو حال منه (ولا) يقتضي صحة الحديث أيضًا على الأصح (بقاه) بالقصر للوزن أي بقاء الحديث (حيثما الدواعي) أي الأسباب الداعية للبطلان (تبطله) أي ذلك الحديث بأن تركه ذوو الدواعي مع سماعهم له آحادا.
وحاصل المعنى أن بقاء خبر تتوفر الدواعي على إبطاله لا يدل على صحته خلافًا للزيدية حيث تقول إنه يدل عليها للاتفاق على قبوله حينئذ.
ورد بأن الاتفاق على القبول إنما يدل على ظنهم صدقه ولا يلزم من ذلك صحته في الواقع.
مثاله قوله - ﷺ - لعلي - ﵁ - " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " رواه الشيخان. فإن دواعي بني أمية وقد سمعوه متوفرة على إبطاله لدلالته على خلافة علي - ﵁ - كما قيل، كخلافة هارون عن موسى بقوله " اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي " وإن مات قبله ولم يبطلوه قاله القاضي زكريا. (و) لا يقتضي صحة الحديث أيضًا على الأصح (الوفق) بالفتح أي موافقة معناه (للإجماع) أي للحكم المجمع عليه لجواز أن يكون للإجماع مستند آخر، وقيل يقتضي ذلك إذ الظاهر استنادهم إليه وعدم مستند آخر، وقيل يقتضي ذلك إِن صرح أهل الإجماع بالاستناد إليه وإلا فلا وعليه ابن فورك (ولا) يقتضي أيضًا صحته على الأصح (افتراق العلماء الكمل) جمع كامل (ما) زائدة (بين محتج) بذلك الحديث (و) بين (ذي تأول) أي متأول له.
وحاصل المعنى أنه إذا افترق العلماء في الحديث فاحتج به بعضهم وتأوله آخرون فالأصح أن ذلك لا يدل على صحة الحديث، وقيل يقتضي ذلك لاتفاقهم عليه حيث احتج به بعضهم وتأوله الآخرون، إذ لو لم يصح لما احتاجو إلى تأويله. وأجيب بأن الاتفاق المذكور على ظنهم صحته، ولا يلزم منه ذلك في الواقع.
[ ١ / ٣٣٥ ]
ولما كان من شروط قبول الخبر كونُ الراوي مكلفًا فلا يقبل المجنون لعدم تمييزه إلا إذا كان يفيق فيقبل إذا أخبر في إفاقته إن لم يؤثر فيه الجنون ذكره بقوله:
٢٩٨ - وَيَقْبَلُ الْمَجْنُونُ إِنْ تَقَطَّعَا وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي إِفَاقَةٍ مَعَا
(ويقبل المجنون) أي خبره (إن تقطعا) بألف الإطلاق أي زال جنونه (و) الحال أنه (لَمْ يُؤَثِّرْ) الجنون أي لم يبق فيه علامة الجنون كالخَبَلِ، يقال أثرت فيه تأثيرًا أي جعلت فيه أثرًا أي علامة (في إفاقة) أي في حال إفاقته، يقال أفاق المجنون إفاقة رجع إليه عقله. وقوله (معًا) حال من الإفاقة أي حال كونها مجتمعة مع التأثير.
وحاصل المعنى أن خبر المجنون مقبول وقت إفاقته إذا لم يبق أثر الجنون وما تقدم من أن المجنون لا يقبل محمول على الجنون المطبق.
لكن اعترض العراقي بأنه لا يحتاج إلى ذكره لأنه في حالة الإفاقة إذا لم يستمر به الخبل ليس مجنونًا وإن استمر به الخبل فهو مجنون إلا أن الجنون أحواله مختلفة.
ثم ذكر المجهول وحكمه وهو أربعة أنواع: مجهول العين، ومجهول العدالة، ومجهول الحال، وهو المستور، ومجهول الاسم، أو النسب فَبَيَّنَ الأول بقوله:
٢٩٩ - وَتَرَكُوا مَجْهُولَ عَيْنٍ: مَا رَوَى عَنْهُ سِوَى شَخْصٍ وَجَرْحَا مَاحَوَى
٣٠٠ - ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مَنْ عَنْهُ انْفَرَدْ لَمْ يَرْوِ إِلاَّ لِلْعُدُولِ: لا يُرَدْ
٣٠١ - رَابِعُهَا: يُقْبَلُ إِنْ زَكَّاهُ حَبْرٌ وَذَا فِي نُخْبَةٍ رَآهُ
٣٠٢ - خَامِسُهَا: إِنْ كَانَ مِمَّنْ قَدْ شُهِرْ بِمَا سِوَى الْعِلْمِ كَنَجْدَةٍ وَبِرّ
(وتركوا) أي أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم (مجهول عين) أي روايته، ثم بينه بقوله (ما) نافية (روى) أي نقل (عنه) أي عن ذلك المجهول (سوى شخص) واحد فاعل روى، والجملة صفة لمجهول عين، أو حال
[ ١ / ٣٣٦ ]
منه. وقوله (وجرحًا) مفعول مقدم لحوى (ما) نافية (حوى) أي جمع يعني أنه لم يجرح، والجملة حال من مجهول العين، أي حال كونه غير مجروح.
وحاصل معنى البيت أن مجهول العين وهو من لم يرو عنه إلا رجل واحد غير مقبول الرواية عند جمهور العلماء وهو الصَّحِيح.
وأقل ما يَرْفَعُ الجهالةَ عنه روايةُ اثنين مشهورين بالعلم فأكثر عنه.
وقيل يقبل مطلقًا، وهو قول من لا يشترط في الراوي مزيدًا على الإسلام وَعُزِيَ إِلى الحنفية. قال السخاوي: وهو لازم كل من ذهب إلى أن رواية العدل بمجردها عن العدل تعديل له، بل عزا النووي في مقدمة شرح مسلم لكثيرين من المحققين الاحتجاج به، وكذا ذهب ابن خزيمة إلى أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وإليه يومئ قول تلميذه ابن حبان: وهذا القول هو الثاني المطوى في قوله.
(ثالثها): أي الأقوال المروية في قبول خبر المجهول العين، وهو مبتدأ خبره جملة قوله (إن كان من) أي الراوي الذي (عنه) أي المجهول العين (انفرد) بالرواية (لم يرو إلا للعدول) أي عن العدول (لا يرد) حديثه.
فقوله لم يرو خبر " كان " وقوله لا يرد جواب " إن ".
وحاصل المعنى: أن صاحب هذا القول يقول بالتفصيل فإن كان الراوي المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن العدول قُبِلَ، وذلك مثل عبد الرحمن بن مهدي وَيَحْيَى بن سعيد القطان ومالك ممن لا يروي إلا عن الثقات وإلا لم يقبل.
(فائدة): من كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في النادر: الإمام أحمد، وبقي بن مخلد، وحَرِيز بن عثمان، وسليمان بن حرب، وشعبة، والشعبي، وعبد الرحمن بن مهدي، ومالك، وَيَحْيَى بن سعيد القطان، وذلك في شعبة على المشهور قاله السخاوي. ونظمت ذلك، مع زيادة منصور بن المعتمر
[ ١ / ٣٣٧ ]
ويَحْيَى بن أبي كثير فإنهما ممن قيل فيه لا يروي إلا عن الثقة كما في تهذيب التهذيب، فقلت:
مَن كَانَ لَا يَنقُلُ عَن غَيرِ ثِقَهْ فِي غَالِبِ الحَالِ لَدىَ مَنْ حَقَّقَهْ
أحَمَدُ يَحيىَ مَالِك والشَّعْبِي بَقِىْ حَرِيزٌ مَعَهُ ابنُ حَرْبِ
يَحْيَى وَشُعْبَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَنَجْلُ مَهْدِيٍّ مَعَ الْمَنْصُور
ثم ذكر قولًا رابعًا وهو أيضًا مفصل فقال:
(رابعها): أي الأقوال أنه (يقبل) مجهول العين (إن زكَّاه) أي عدّله (حبر) بالكسر جمعه آحبار مثل حمل وأحمال، والفتح لغة فيه وجمعه حبور هو العالم.
وحاصل المعنى: أن مجهول العين يقبل إن زكاه عالم من أئمة الجرح والتعديل غير من انفرد عنه، أو هو إن كان أهلًا لذلك، (وذا) أي هذا القول الرابع مبتدأ خبره جملة رآه (في نخبة) أي في الكتاب المسمى بنخبة الفكر متعلق بقوله (رآه) أي رجحه مؤلفها الحافظ ابن حجرٍ تبعًا لاختيار أبي الحسن بن القطان.
ثم ذكر قولًا خامسًا مفصلًا أيضًا فقال:
(خامسها): أي الأقوال مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي يقبل (إن كان) أي مجهول العين (مِمَّنْ قَدْ شُهِرْ) بالبناء للمفعول أي الذين اشتهروا بين الناس (بما سوى العلم) من الخصال الجميلة وذلك (كنجدة) بفتح النون على المشهور ونقل في تاج العروس عن بعض أهل اللغة كسرها هي الشجاعة والشدة كاشتهار عمرو بن مَعدِي كَرِب بها (وبر) بالكسر: الخير، والفضل، من بَرَّ الرجل يَبَرّ بِرًّا وزان علم يعلم علمًا فهو بر بالفتح وبار، أي صادق، أو تقي قاله الفيومي، كاشتهار مالك بن دينار بالزهد.
وحاصل معنى البيت أن صاحب هذا القول يقيد قبول مجهول العين بكونه مشهورًا بخصلة من الخصال غير العلم كالزهد والشجاعة والأدب
[ ١ / ٣٣٨ ]
ونحوها وأما الشهرة بالعلم والثقة والأمانة فهي كافية من باب أولى.
وهذا القول مختار الحافظ ابن عبد البر.
وحاصل الأقوال في مجهول العين خمسة على ما في النظم وزاد في التنقيح سادسًا وهو أنه إن كان صحابيًا قُبِل وهو مذهب الفقهاء وبعض المحدثين وشيوخ الاعتزال. ولما أنهى الكلام في مجهول العين شرع يبين مجهول العدالة، وهو النوع الثاني من الأنواع الأربعة فقال:
٣٠٣ - وَالثَّالِثُ الأَصَحُّ: لَيْسَ يُقْبَلُ مِنْ بَاطِنًا وَظَاهِرًا يُجَهَّلُ
(والثالث) من الأقوال في مسألة مجهول العدالة مبتدأ خبره جملة " ليس يقبل " وقوله (الأصح) صفة له، أو بدل منه (ليس يقبل) بالبناء للمفعول ونائب فاعله قوله (مَنْ) أي الراوي الذي (باطنًا وظاهرًا) منصوبان على التمييز، أو بنزعِ الخافض (يجهل) بالبناء للمفعول من التجهيل، أي ينسب إلى كونه مجهولًا في باطنه وظاهره.
وحاصل المعنى: أن العلماء اختلفوا فيمن جُهِلَت عدالته باطنًا وظاهرًا، وهو المسمى بمجهول العدالة مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه على أقوال:
الأول: أنه يقبل مطلقًا، ونسبه ابن المَوَّاق لأكثر المحدثين كالبزار والدارقطني وابن حبان. الثاني يقبل إن كان الراويان عنه لا يرويان إلا عن عدل، وإلا فلا، وهذان القولان هما المطويان في قوله، والثالث الأصح إلخ.
يعني أن القول الثالث من الأقوال المروية في مجهول العدالة أنه لا يقبل مطلقًا، وهذا هو الأصح وعليه الجمهور كما قال ابن الصلاح، وعزاه ابن المواق للمحققين، ومنهم أبو حاتم الرازي، وكذا الخطيب، وَوَجْهُ هذا القول أن مجرد الرواية عن الراوي لا يكون تعديلًا له على الصَّحِيح. ثم
[ ١ / ٣٣٩ ]
ثم ذكر النوع الثالث، وهو مجهول الحال، ويُسمَّى المستور سماه به البغوي، وتبعه الرافعي، ثم النووي، فقال:
٣٠٤ - وَفِي الأَصَحِّ: يُقْبَلُ الْمَسْتُورُ: فِي ظَاهِرِهِ عَدْلٌ وَبَاطِنٌٍ خَفِي
(وفي الأصح) من الأقوال متعلق بـ (يقبل) بالبناء للمفعول (المستور) أي خبره (في ظاهره) متعلق بقوله (عدل) بالرفع بدل من المستور، أو خبر لمحذوف أي هو عدل في ظاهره وقوله (وباطن) مجرور بفي محذوفةٍ لدلالة ما قبله متعلق: بـ (ـخفي) بتخفيف الياء للوزن مرفوعًا عطفًا على عدل، ومعنى البيت أن الأصح أنه يقبل خبر المستور وهو الذي ثبتت عدالته في الظاهر دون الباطن.
ويحتمل أن يكون باطن مبتدأ خبره خفي، أي باطن منه خفي، والجملة حال من عدل.
والحاصل: أن في قبول خبر المستور اختلافًا بين العلماء يقبل مطلقًا، وبه قطع سليم بن أيوب الرازي قال: لأن الأخبار تُبْنَى على حسن الظن بالراوي وأيضًا فلتعسر الخِبْرَة الباطنية على الناقد، ولهذا فارق الراوي الشاهد فإن الشهادة تكون عند الحكام، وهم لا يتعسر عليهم لا سيما مع اجتهاد الخُصُوم في الفحص عنها، بل عُزِي الاحتجاج بأهل هذا القسم كالأول لكثيرين من المحققين قاله النووي في شرح مسلم، واستدل لهذا القول بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) فأوجب التثبت عند وجود الفسق فعند عدمه لا يجب، فوجب العمل بقوله، وهو المطلوب، وبكون النبي - ﷺ - قبل شهادة الأعرابي برؤية الهلال، ولم يعرف منه سوى الإسلام، وقيل إن كان من روى عنه فيهم من لا يروى عن غير عدل قبل، وإلا فلا، وقيل: لا يقبل في زماننا لكثرة الفساد، ويقبل في العصر الأول، وعليه بعض الحنفية، أفاده السخاوي.
وقيل: لا يقبل مطلقًا، وعليه الجمهور، لعدم ثبوت العدالة حيث كان مستورًا.
[ ١ / ٣٤٠ ]
والذي رجحه الحافظ في شرح النخبة أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردّها، ولا بقبولها، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله. ثم ذكر النوع الرابع وهو مجهول الاسم أو النسب فقال:
٣٠٥ - وَمَنْ عَرَفْنَا عَيْنَهُ وَحَالَهُ دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبٍ مِلْنَا لَهُ
(ومن) شرطية أو موصولة (عرفنا عينه) برواية عدلين عنه (وحاله) بثبوت عدالته باطنًا وظاهرًا (دون اسمه ونسب) له أي من غير أن نعرف اسمه ونسبه أو أحدهما، وقوله (ملنا له) جواب مَن، أو خبرها، أي عدلنا إلى قبوله بمعنى أننا نحتج به.
وحاصل المعنى: أن من عرفنا عينه وعدالته وجهلنا اسمه أو نسبه نحتج به، جزم بذلك الخطيب في الكفاية، ونقله عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وعلله بأن الجهل باسمه لا يخل بعدالته، وَمثلَة بحديث ثمامة بن حزن القشيري " سألت عائشة - ﵂ - عن النبيذ، فقالت هذه خادم رسول الله - ﷺ - لجارية حبشية فسلها "، الحديث، ذكره في التدريب، وفي الصَّحِيحين من ذلك كثير كقولهم ابن فلان أو والد فلان.
ثم ذكر مسألة شَكِّ المحدث في شيخيه أيهما حدثه فقال:
٣٠٦ - وَمَنْ يَقُلْ: " أَخْبَرَنِي فُلانٌ اْوْ هَذَا " لِعَدْلَيْنِ قَبُولَهُ رَأَوْا
٣٠٧ - فَإِنْ يَقُلْ: " أَوْغَيْرُهُ "، أَوْ يُجْهَلِ بَعْضُ الَّذِي سَمَّاهُمَا: لا تَُقْبَلِ
(ومن) شرطية (يقل) من المحدثين (أخبرني فلان) لشخص سماه (أو هذا) على الشك وقوله (لِعَدْلَيْنِ) حال من " فلان، أو هذا "، أي حال كونهما كائنين لعدلين من الشيوخ (قبوله) مفعول مقدم لقوله (رأوْا) أي العلماء وهو جواب من.
وحاصل معنى البيت أنه إذا قال الراوي حدثني فلان أو فلان على الشك وهما عدلان احْتُج بروايته لأنه عينهما وتحقق سماعه ذلك الحديث من أحدهما، وكلاهما مقبول، قاله الخطيب، ومَثَّلَهُ بحديث شعبة عن سلمة بن
[ ١ / ٣٤١ ]
كهيل عن أبي الزعراء (١) أو عن زيد بن وهب أن سويد بن غَفَلَةَ دخل على علي ابن أبي طالب فقال يا أمير المؤمنين أني مررت بقوم يذكرون أبا بكر وعمر. الحديث، (فإن يقل) المحدث أخبرني فلان (أو غيره) بالإبهام (أو يجهل) عطف على يقل مجزوم حرك بالكسر للوزن، (بعض الذي سماهما) من شيخيه يعني أنه سمى شيخيه بأن قال فلان أو فلان إلا أن أحدهما جهلت عدالته، فقوله بعض نائب فاعل يجهل، (لا) ناهية (تقبل) أيها المحدث ذلك الحديث وهو جواب إن، وفي نسخة الشارح: لا يقبل بالياء وعليه فلا نافية، ويقبل بالبناء للمفعول مرفوع وقف عليه بالسكون كيجهل للوزن.
وحاصل المعنى أنه إذا سماهما ولكن جهلت عدالة أحدهما لم يحتج به لاحتمال أن يكون الخبر عن المجهول.
ولما كان شرط قبول الرواية الإسلام والعدالة، فلا يقبل الكافر في حال كفره، والفاسق في حال فسقه: شرع يبين أحكام المبتدعة الذين ابتدعوا ما خالفوا فيه جماهير أهل الإسلام وهم مع ذلك من أهل القبلة هل تقبل روايتهم؟ لكونهم من أهل القبلة، أم لا إلحاقًا لهم بالكفار؟ أم يفرق بين الدعاة وغيرهم؟ أم نفرق بين من يستحل الكذب ومن لا يستحله؟ فقال:
٣٠٨ - وَكَافِرٌ بِبِدْعَةٍ لَنْ يُقْبَلا ثَالِثُهَا: إِنْ كَذِبًا قَدْ حَلَّلا
٣٠٩ - وَغَيْرُهُ: يُرَدُّ مِنْهُ الرَّافِضِيْ وَمَنْ دَعَا وَمَنْ سِوَاهُمْ نَرْتَضِيْ
٣١٠ - قَبُولُهُمْ لا إِنْ رَوَوْا وِفَاقَا لِرَأْيِهِمْ، أَبْدَى أَبُو إِسْحَاقَا
(وكافر ببدعة) مبتدأ خبره جملة لن يقبل، أي شخص كفر بسبب
_________________
(١) هكذا في كتب الرجال الزعراء بالعين المهملة وهو الصواب ووقع في نسخة التدريب الزغراء بالغين المعجمة وهو خطأ وقد ذكر على الصواب في كفاية الخطيب التي نقل عنها صاحب التدريب.
[ ١ / ٣٤٢ ]
بدعة ابتدعها، وهي اسم من الابتداع كالرفعة من الارتفاع، يقال: أبدعت الشيء وابتدعه استخرجته، وأحدثته، ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين، أو زيادة فيه، أفاده الفيومي.
وقال في " ق " وشرحه: والبدعة بالكسر الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي - ﷺ - من الأهواء، والأعمال، جمعه بِدَع، كعنب اهـ.
والمراد هنا: المجسم ومنكر علم الجزئيات، قيل وقائل خلق القرآن كما نص عليه الشافعي، واختاره البلقيني، (لن يقبلا) بالبناء للمفعول، والألف للإطلاق، أي لم يحتج بروايته مطلقًا، وعليه الجمهور.
وقيل: يقبل مطلقًا حكاه الخطيب عن جماعة من أهل النقل والمتكلمين، وهذا القول هو المطوي في قوله: (ثالثها) أي الأقوال مبتدأ خبره جملة الشرط والجزاء. (إن كذبا قد حللا) بالبناء للفاعل والألف للإطلاق، وجواب إن محذوف دل عليه السابق، أي فلن يقبل.
وحاصل هذا القول: أنه يُفَصَّل بين ما إذا اعتقد حِلَّ الكذبِ فيرد، أولا فيقبل، وهذا القول هو الذي صححه صاحب المحصول، وحاصل معنى البيت: أنه اختلف في رواية المبتدعة الذين كفروا بسببها على ثلاثة أقوال: الأول قول الجمهور أنها لا تقبل، والثاني تقبل، والثالث إن كان يرى حل الكذب لاتقبلَ، وإلا قبلت.
وقد أجاد الحافظ ﵀ في هذه المسألة إجادة بليغة، وقد سبقه إلى ذلك ابن دقيق العيد ﵀ حيث قال في شرح النخبة: والتحقيق أنه لا يرد كل مُكَفَّر ببدعة لأن كل طائفة تَدَّعِي أن مخالفيها مبتدعة وقد تبالغ فتكفرها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله. اهـ.
[ ١ / ٣٤٣ ]
ثم ذكر حكم الفاسق ببدعته، فقال: (وغيره) أي غير الكافر ببدعته وهو الذي يفسق بها مبتدأ خبره قوله (يرد) بالبناء للمفعول (منه) أي من غير الكافر (الرافضي) نائب فاعل " يرد "، أي المبتدع الذي ينسب إلى الرفض من رفضت الشيء من باب ضرب، وقتل إذا تركته، فالرافضي واحد الرافضة: وهم فرقة من شيعة الكوفة، سموا بذلك لأنهم رفضوا أي تركوا زيد بن علي ﵇ حين نهاهم عن الطعن في الصحابة، فلما عرفوا مقالته وأنه لا يتبرأ من الشيخين رفضوه، ثم استعمل هذا اللقب في كل من غلا في هذا المذهب، وأجاز الطعن في الصحابة قاله الفيومي.
وفي " ق " والتاج: والرافضة فرقة من الشيعة بايعوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ثم قالوا له تبرأ من الشيخين نقاتل معك فأبى، وقال كانا وزيري جدي - ﷺ - فلا أبرأ منهما فتركوه ورفضوه وارفَضُّوا عنه، فسُمُّوا رافضة، والنسبة رافضي، وقالوا الروافض، ولم يقولوا الرُّفَاض لأنهم عنوا الجماعات اهـ.
وحاصل المعنى: أن غير الكافر بالبدعة يقبل إِلا الرافضة (و) يرد أيضًا من المبتدعة غير المُكَفَرين (من دعا) أي المبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا القول هو الأظهر الأعدل، وقول الكثير أو الأكثر من العلماء قاله النووي.
ونقل ابن حبان فيه الاتفاق، لكن قال الحافظ إنه أغْرَبَ في حكاية الاتفاق. لكن يشترط مع كونه صدوقًا غير داعية أن لا يكون الحديث الذي يحدث به مما يعضد بدعته ويشدها ويزينها فإنا لا نأمن حينئذ عليه غلبة الهوى أفاده الحافظ.
(ومن سواهم) أي غير من ذكرنا من الرافضة والدعاة مبتدأ، خبره جملة قوله (نرتضي) أيها المحققون (قبولهم) أي قبول روايتهم (لا) نقبلهم (إن رووا) أي المبتدعة (وفاقًا) أي موافقًا مقويًا لرأيهم الباطل.
[ ١ / ٣٤٤ ]
(أبدى) أي أظهر هذا التفصيل الحَسَنَ الحافظُ (أبو إسحاقا) بألف الإطلاق الجوزجاني إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي، سكن دمشق وكان من الحفاظ المصنفين والمخرجين الثقات مات بدمشق سنة ٦ أو ٢٥٩.
وحاصل المعنى: أن غير الرافضة والدعاة مقبولون إلا إذا رووا ما يوافق بدعتهم صرح بذلك أبو إسحاق الجوزجاني.
وحاصل الأقوال في مسألة المبتدع الذي لم يُكَفَّر ببدعته ثلاثة:
الأول: لا يحتج به مطلقًا ونسب إلى مالك.
الثاني: يحتج به إن لم يكن ممن يستحل الكذب لنصرة مذهبه، وحكي عن الشافعي.
الثالث: يحتج به إن لم يكن داعية إلى بدعته ولا يحتج إن كان داعية وهذا هو الأظهر الأعدل.
ثم ذكر حكم التائب عن الفسق بقوله:
٣١١ - وَمَنْ يَتُبْ عَنْ فِسْقِهِ فَلْيُقْبَلِ أَوْ كَذِبِ الْحَدِيثِ فَابْنُ حَنْبَلِ
٣١٢ - وَالصَّيْرَفيُِّ وَالْحُمَيْدِيُّ: أَبَوْا قَبُولُهُ مُؤَبَّدًا، ثُمَّ نَأَوْا
٣١٣ - عَنْ كُلِّ مَا مِنْ قَبْلِ ذَا رَوَاهُ وَالنَّوَوِيُّ كُلَّ ذَا أَبَاهُ
٣١٤ - وَمَا رَآهُ الأَوَّلُونَ أَرْجَحُ دَلِيلُهُ فِي شَرْحِنَا مُوَضَّحُ
(ومن) شرطية مبتدأ (يتب) أي يرجع إلى الله تعالى (عن فسقه) السابق الذي تسبب لرد روايته، وقوله (فليقبل) بالبناء للمفعول جواب من أي يقبل حديثه ويعمل به.
والمعنى: أن الراوي المجروح بسبب الفسق إذا تاب وعرفت عدالته بعد التوبة تقبل روايته، وكذا شهادته للآيات والأخبار الدالة على ذلك، ثم استثنى من ذلك من كان فسقه بسبب الكذب في الحديث النبوي. فقال:
[ ١ / ٣٤٥ ]
(أو كذب الحديث) بالجر عطفًا على فسقه أي من يتب عن الكذب في الحديث النبوي مطلقًا في الفضائل أو الأحكام أو غيرهما بأن وضع أو ركب سندًا صحيحًا لمتن ضعيف، ونحو ذلك، ولو مرة واحدة.
وقيد بالكذب في الحديث النبوي احترازًا عن الكذب في حديث الناس فإنه داخل في المسألة السابقة فيقبل إذا تاب توبة صحيحة.
وقوله (فابن حنبل) مبتدأ خبره جملة أبوا، وجملة المبتدإ والخبر معطوفة على الجواب، وفيه العطف على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المشهور.
وحاصل المعنى: أن من تاب عن الكذب في أحاديث رسول الله - ﷺ - فالإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (و) العلامة أبو بكر محمد بن عبد الله (الصيرفي) بفتح الصاد وسكون الياء وفتح الراء نسبة إلى بيع الذهب، كان ﵀ فَهِمًا عالمًا سمع الحديث من أحمد بن المنصور الرمادي وغيره، وروى عنه القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن إسحاق بن يزيد الحلبي بمصر توفي في ربيع الآخر سنة ٣٣٠ هـ.
(و) الحافظ البارع أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى (الحميدي) بضم ففتح نسبة إلى حميد بطن من أسد القرشي صاحب الشافعي، روى عن ابن عيينة وفضيل بن عياض، وروى عنه البخاري، وهو أول من بدأ به الصَّحِيح مات بمكة سنة ٢١٩ هـ.
(أبوا) أي امتنعوا (قبوله) أي عن قبول روايته (مؤبَّدًا) حال من الإباء المفهوم من أبوا أي حال كون الإباء مؤبدا، أي ولو تاب وحسنت توبته.
يعني: أن هؤلاء الثلاثة أبوا قبول روايته ولو حسنت توبته تغليظًا عليه لما ينشأ من صنيعه من مفسدة عظيمة فإنه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره - ﷺ - فإن مفسدته قاصرة ليست عامة.
(ثم) إنهم بعد ما أبوا قبوله وإن تاب (نأوا) أي ابتعدوا أيضًا (عن) قبول (كل ما) أي الحديث الذي (من قبل ذا) أي كذبه على رسول الله - ﷺ -
[ ١ / ٣٤٦ ]
(رواه) هذا التائب، يعني أنهم أبوا قبول روايته قبل أن يُحْدِثَ الكذب عليه - ﷺ -.
(و) لكن الإمام أبو زكريا محيي الدين يَحْيَى بن شرف (النووي) ﵀ (كل ذا) أي كل ما تقدم مما قاله هؤلاء الأئمة (أباه) كرهه، يقال أبى الشيء يأباه، ويأبيه، إباء، وإباءه بكسرهما: كرهه اهـ.
وقوله " والنووي " مبتدأ، وكل ذا إما مبتدأ ثان أو منصوب على الاشتغال، وقوله أباه خبر المبتدإ الثاني، والجملة خبر للأول، أو جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب.
وحاصل المعنى: أن النووي ﵀ امتنع عن قبول رأي هؤلاء الأئمة، وقال: هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا، ولا يقوى الفرق بينه وبين الشهادة.
وقال في شرح مسلم: لم أر لهذا القول في أصل هذه المسألة دليلًا، والمختار القطع بصحة توبته في هذا الكذب، وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة اهـ.
ثم ذكر الناظم أن القول الأول هو الراجح، فقال (وما) موصولة مبتدأ أي الذي (رآه الأولون) وهم أحمد والحميدي والصيرفي من عدم قبول روايته بعد التوبة (أرجح) خبر المبتدإ، أي أكثر رجحانًا مما رآه النووي من القبول.
يعني: أن رأي هؤلاء الأئمة أرجح من رأي النووي في هذه المسألة (دليله) أي شاهد أرجحتيه مبتدأ (في شرحنا) أي في الكتاب المسمى بتدريب الراوي بشرح تقريب النواوي متعلق بقوله (موضح) أي مبين من التوضيح، خبر المبتدإ.
وحاصل المعنى: أن دليل أرجَحِيَّة ما قاله هؤلاء الأئمة مبين في التدريب. وحاصل ما ذكره هناك أن قول النووي: إن هذا مخالف للقواعد
[ ١ / ٣٤٧ ]
غير صحيح فإن له نظيرًا في الشرع فقد ذكر الفقهاء في باب اللعان أنَّ الزاني إذا تاب وحسنت توبته لا يعود محصنًا ولا يحد قاذفه بعد ذلك لبقاء ثلمة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدًا.
وذكروا أيضًا أنه لو قُذِفَ ثم زنى بعد القذف قبل أن يحد القاذف لم يحد لأن الله أجرى العادة أنه لا يفضح أحدًا من أول مرة، فالظاهر تقدم زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف، وكذا نقول فيمن تبين كذبه الظاهر تكرر ذلك منه حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه فوجب إسقاط الكل، وهذا واضح بلا شك، ولم أر أحدًا تنبه لما حررته، وللهِ الحمد اهـ.
ثم ذكر مسألة تكذيب الشيخ الراويَ بقوله:
٣١٥ - وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحّ إِسْقَاطُهُ، لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ
٣١٦ - أَوْ قَالَ: لا أَذْكُرُهُ، وَنَحْوُ ذا كَأَنْ نَسِي: فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا
(ومن) شرطية أو موصولة مبتدأ (نفى) أي كذب صريحا (ما) أي الحديث الذي (يروى) بالبناء للمفعول أي ينقل عنه كما إذا روى ثقة عن ثقة حديثًا، وروجع المروي عنه فيه فنفاه صريحًا بقوله كَذَبَ عَلَيَّ، أو ما رويته (فالأصح) أي القول المختار عند المتأخرين وفاقًا لابن الصلاح والنووي والإمام فخر الدين، والأمدي، وهو مبتدأ خبره قوله (إسقاطه) أي إسقاط ذلك الحديث فلا يعمل به، والجملة جواب الشرط، أو خبر المبتدإ.
وحاصل المعنى: أنه إذا روى ثقة من الثقات حديثًا فنفاه المروي عنه لَمَّا رُوجِعَ فإن كان جازمًا بنفيه بأن قال ما رويته أو كذب عَلَيَّ ونحوه فالمختار وجوب رده لتعارض قولهما كالَبَيِّنَتَين إذا تكاذبا فإنهما يتعارضان إذ الشيخ قطع بكذب الراوي، والراوي قطع بالنقل ولكل وجهة ترجيح.
[ ١ / ٣٤٨ ]
أما الراوي فلكونه مثبتًا، وأما الشيخ فلكونه نفى ما يتعلق به في أمر يقرب من المحصور غالبًا.
ولما كان يتوهم من رد حديثه ثبوت كذبه رفع هذا التوهم بقوله (لكن بفرع) وهو الراوي (ما) نافية (قدح) أي النفي المفهوم من " نَفَى " أي ما أثبت جرحه.
والمعنى أن هذا التكذيب من الشيخ لا يثبت جرح هذا الراوي في باقي رواياته لأن الجرح في مثل ذلك لا يثبت بالواحد، وأيضًا فقد كذب شيخه صريحًا إن فرض أنه قال كذب بل سمعته منه، أو بما يقوم مقام الصريح وهو جزمه بكون الشيخ حدثه به، لأن ذلك قد يستلزم تكذيبه في دعواه أنه كذب عليه، وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر، قاله في التدريب.
فإن عاد الشيخ وحدث به أو حدث به ثقة غير الأول منه ولم يكذبه فهو مقبول. ومقابل الأصح هو ما اختاره في جمع الجوامع وفاقًا لابن السمعاني وغيره بل حكاه الفخر الشاشي عن الشافعي، وحكى الصفي الهندي الاتفاق عليه، وهو عدم إِسقاط المروي لاحتمال نسيان الأصل له بعد روايته للفرع، ولأن الفرع عدل ضابط إلى آخر شروطه، وقد تقرر أنه يجب العمل بخبره، والوجوب لا يسقط بالاحتمال، والأصل وإن كان عدلًا ضابطًا أيضًا لكنه كَذَّبَ عدلًا وتكذيبُ العدل خلاف الظاهر.
لا يقال يلزم أن يكون الأصل كاذبًا وهو أيضًا عدل فيكون خلاف الظاهر لأنا نقول: بل هو الظاهر، لأنه كَذَب في التكذيب للفرع العدل وقد عَلِمتَ أنه خلاف الظاهر فيكون كذب الأصل هو الأصلَ إلا أنه لعدالته يحمل على النسيان.
قلت: وهذا القول هو الراجح عند المحدثين كما قال السخاوي نقلًا عن الحافظ، ويدل عليه صنيع الشيخين حيث أخرجا حديث عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس " ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله - ﷺ - إلا
[ ١ / ٣٤٩ ]
بالتكبير مع قول أبي معبد لعمرو لم أحدثك به، فإنه دل على أن الشيخين يريان صحة الحديث ولو أنكره الأصل، إذ الناقل عنه عدل فيحمل على أن الشيخ نسي.
وفيه قول ثالث وهو أنه لا يقدح في صحة الحديث إلا أنه لا يجوز للفرع روايته عن الأصل، وجزم به الماوردي والروياني.
وقول رابع أنهما يتعارضان ويرجح أحدهما بطريقه، وهو مختار إمام الحرمين وصححه في التنقيح.
هذا إذا نفاه الشيخ صريحًا أو ما يقوم مقامه، وأما إذا نفاه بما يقتضي النسيان فقد ذكر حكمه بقوله: (أو قال) الشيخ (لا أذكره) أي هذا المروي وقوله (ونحو ذا) بالنصب عطفًا على لا أذكره أي قال الشيخ نحو لا أذكره من الألفاظ التي لا تقتضي الجزم بالنفي كقوله: لا أعرفه، أو لا أدري، أو يغلب على ظني أني ما حدثته بهذا، أو لا أعرفه أنه من حديثي، والراوي جازم به وقوله (كأن نسي) الكاف للتعليل وأن مصدرية، أي فقال ما تقدم لأجل نسيانه ذلك، أو للتنظير أي مثل ما إذا حدث فنسى (فـ) ـفي كل ذلك (صححوا) أي جمهور المحدثين والفقهاء والمتكلمين وأهل الأصول (أن) مصدرية (يؤخذا) بالبناء للمفعول، والألف للإطلاق أي أن يعمل بذلك الحديث.
وحاصل المعنى إنه إذا لم ينف الشيخ الحديث الذي حدث عنه
الرواي بل قال: لا أعرفه أو لا أذكره أو نحو ذلك فإنه يقبل ولا يرد على الصَّحِيح، لأن الراوي ثقة جزمًا فلا يطعن فيه بالاحتمال إذ المروي عنه غير جازم بالنفي بل جَزمُ الراوي عنه وشكه قرينة لنسيانه.
وحكي عن بعضهم الرد في هذا ونسب إلى متأخري الحنفية، وذلك لأن الفرع تبع للأصل في إثبات الحديث بحيث إذا أثبت الأصل الحديث ثبت رواية الفرع فكذلك ينبغي أن يكون فرعًا عليه وتبعًا له في النفي، ورُدّ
[ ١ / ٣٥٠ ]
بأن عدالة الفرع تقتضي صدقه وعدم علم الأصل لا ينافيه فالمثبت مقدم على النافي خصوصًا الشاك.
وقيل: إن كان الشيخ رأيه يميل إلى غلبة النسيان، أو كان ذلك عادته في محفوظاته قُبِلَ الذاكر الحافظ، وإن كان رأيه يميل إلى جهله أصلًا بذلك الخبر رُدَّ فقلما ينسى الإنسان شيئًا حفظه نسيانًا لا يتذكره بالتذكير، والأمور تُبنَى على الظاهر لا على النادر، قاله ابن الأثير، وأبو زيد الدبوسي.
ومن أمثلة المسألة ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - " قضى باليمين مع الشاهد " زاد أبو داود في رواية أن عبد العزيز الدراوردي قال: فذكرت ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه قال عبد العزيز: وقد كان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه فكان سهيل بَعْدُ يحدث به عن ربيعة عنه، عن أبيه.
ورواه أيضًا أبو داود من رواية سُلَيمان بن بلال عن ربيعة، قال سليمان: فلقيت سهيلًا فسألته عن هذا الحديث فقال: ما أعرفه فقلت له: إن ربيعة أخبرني به عنك قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدِّثْ به عن ربيعة عني.
وقد صنف الدارقطني ثم الخطيب مَنْ حدَّثَ وَنَسِي، وللناظم ﵀: تذكرة المؤتسي بمن حدث ونسي، لخص فيه كتاب الخطيب ذكر فيه نحو أربعين حديثًا.
ثم ذكر مسألة أخذ الأجرة على التحديث، فقال:
٣١٧ - وَآخِذٌ أَجْرَ الْحَدِيثِ يَقْدَحُ جَمَاعَةٌ، وَآخَرُونَ سَمَحُوا
٣١٨ - وَآخَرُونَ جَوَّزُوا لِمَنْ شُغِلْ عَنْ كَسْبِهِ، فَاخْتِيرَ هَذَا وَقُبِلْ
(وآخذ) اسم فاعل مبتدأ أي راو آخذ (أجر الحديث) مفعوله أي أجر رواية الحديث (يقدح) أي يعيب، يقال: قدح فلان في فلان قَدْحا من باب
[ ١ / ٣٥١ ]
نفع: عابه وتنقصه، ومنه قدح في نسبه وعدالته إذا عيبه وذكر ما يؤثِّر في انقطاع النسب، ورد الشهادة. قاله الفيومي (جماعة) فاعل يقدح والجملة خبر المبتدإ بتقدير رابط أي في روايته.
وحاصل المعنى: أن من أخذ أجرًا على التحديث قدح جماعة من العلماء في روايته، منهم الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو حاتم الرازي فإنهم سئلوا عن المحدث بالأجر فأجابوا بأن لا يكتب حديثه عنه، وغير هؤلاء ذكرهم الخطيب بأسانيده. وإنما منعوا من ذلك تنزيهًا للراوي عن سوء الظن به فإن بعض من كان يأخذ الأجرة على الرواية عُثِرَ على تزيده، وادعائه ما لم يسمع لأجل ما كان يعطى، ومن هذا بالغ شعبة فيما حكى عنه، وقال: لا تكتبوا عن الفقراء شيئًا، فإنهم يكذبون، (وآخرون) من المحدثين مبتدأ خبره جملة (سمحوا) أي سهلوا في أخذ الأجرة على التحديث ترخصًا للفقر والحاجة لأن المحدث قد يكون فقيرًا وله عيال تجب عليه مؤنتهم وانقطاعه للتحديث يؤدي إلى ترك الكسب لهم.
قال ابن الصلاح: وذلك شبيه بأخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه غير أن في هذا من حيث العرف خرمًا للمروءة، والظنُّ يساء بفاعله إلا أن يقترن ذلك بعذر ينفي ذلك عنه اهـ.
وهؤلاء المجوزون جماعة ذكرهم الخطيب بسنده منهم مجاهد وعكرمة وطاوس وأبو نعيم الفضل بن دكين ويعقوب بن إبراهيم وغيرهم.
(وآخرون) من العلماء أي وهم المحققون (جوزوا) أخذ الأجرة على التحديث (لمن شغل) بالبناء للمفعول: أي منع، يقال شغله كمنعه شَغْلًا بالفتح ويضم وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة " ق " لكن قال في التاج إنها رديئة.
والشغل ضد الفراغ وقال الراغب: هو العارض الذي يذهل الإنسان. اهـ.
[ ١ / ٣٥٢ ]
(عن كسبه) متعلق بشغل أي لمن كان مشغولًا بسبب التحديث عن الكسب لنفسه وعياله.
وحاصل المعنى: أنه إذا كان للمحدث كسب فتركه بسبب التحديث فإنه يجوز له أخذ الأجرة بدلًا عما تركه رفقًا به، وهذا القول هو الراجح كما أشار إليه بقوله:
(فاختير هذا) القول المُفَصِّلُ (وقبل) بالبناء للمفعول لتوسطه بين القولين السابقين.
وقد أفتى بذلك الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أبا الحسن ابن النقور لأن أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله، وسبقه ابن عبد الحكم إلى الإفتاء بالجواز حيث سئل عن عالم يأخذ على قراءة العلم أجرًا.
والدليل لمطلق الجواز كما تقدم القياس على القرآن فقد جوَّزَ أخذ الأجرة على تعليمه الجمهور لقوله - ﷺ - في الحديث الصَّحِيح " أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله " رواه البخاري.
والأحاديث الواردة في الوعيد على ذلك لا تنتهض بالمعارضة إذ ليس فيها ما تقوم به الحجة، خصوصًا وليس فيهم التصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتُوافِقَ الصَّحِيحَ.
وقد حملها بعضهم على الأخذ فيما تعين عليه تعليمه لا سيما عند عدم الحاجة قاله السخاوي.
ثم ذكر حكم من يتساهل في السماع أو الإسماع، وكذا من يقبل التلقين، ومن يكثر شذوذه، أو سهوه إذا حدث من حفظه فقال:
٣١٩ - مَنْ يَتَسَاهَلْ فِي السَّمَاعِ وَالأَدَا كَنَوْمٍ اوْ كَتَرْكِ أَصْلِهِ ارْدُدَا
٣٢٠ - وَقَابِلَ التَّلْقِينِ وَالَّذِي كَثُرْ شُذُوذُهُ أَوْ سَهْوُهُ حَيْثُ أَثَرْ
[ ١ / ٣٥٣ ]
٣٢١ - مِنْ حِفْظِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ كَبُرْ وَمَنْ يُعَرَّفْ وَهْمَهُ ثُمَّ أَصَرّ
٣٢٢ - يُرَدُّ كُلُّ مَا رَوَى وَقَيِّدَا بِأَنْ يُبِينَ عَالِمٌ وَعَانَدَا
(من) شرطية مبتدأ (يتساهل) أي يتسامح (في السماع) أي في حال سماعه للحديث من شيخه (والأدا) الواو بمعنى أو، وفي نسخة في سماع أو أدا أي أدائه إلى من يروي عنه ثم مثل التساهل بقوله (كنوم) أي كتساهله بسبب نوم في مجلس سماعه أو إسماعه لعدم مبالاته بذلك، والمراد بالنوم الكثير فلا يضر النعاس الخفيف الذي لا يختل معه فهم الكلام لا سيما من الفطن قاله السخاوي. (أو كـ) تساهله بـ (ترك أصله) أي كتابه الذي فيه سماعه المقابَلِ بأصل صحيح، أو أصل شيخه.
وقوله: (ارددا) فعل أمر، والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة، والجملة جواب الشرط بتقدير رابط، أي فارددن أيها المحدث روايته.
وحاصل المعنى: أن من كان معروفًا بالتساهل في حال سماعه الحديث أو أدائه فإنه لا تقبل روايته.
(و) ارددن أيضًا (قابل التلقين) أي الشخص الذي يقبل التلقين، وهو أن يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه فلا يقبل لدلالته على مجازفته وعدم تثبته وسقوطِ الوثوق بالمتصف به.
(و) ارددن أيضًا رواية الشخص (الذي كثر) أي غلب (شذوذه) أي تفرده برواية شاذ أو منكر.
يعني: أن الذي تكثر في روايته المناكير والشواذ ترد روايته لأنه يَخْرِمُ الثقة بالراوي وضبطه، قال شعبة: لا يجيئك الحديث الشَّاذ إلا من الرجُلِ الشَّاذ.
(أو) كثر (سهوه حيث أثر) من باب قتل، أي حدث (من حفظه) لا من كتابه بأن لم يحدث من أصل صحيح.
يعني: أن الذي يكثر سهوه إذا حدث من حفظه ترد روايته، لما
[ ١ / ٣٥٤ ]
تقدم، وقُيِّدَ بما إذا حدث من حفظه لأنه إن حدث من أصل صحيح لا يرد إذ لا عبرة بكثرة سهوه حينئذ لأن الاعتماد على الأصل لا على حفظه.
ثم ذكر حكم من غلط فَبُيِّنَ له ذلك فَأصَرَّ بقوله: (قال جماعة) من العلماء (كَبُرْ) بضم ففتح جمع كبرى صفة لجماعة، كالإمام أحمد وابن المبارك والحميدي في آخرين، ومقول القول قوله: (ومن) شرطية (يعرف) بالبناء للمفعول من التعريف (وهمه) بسكون الهاء وفتحها لكن الأول هنا متعين للوزن، أي غلطه، وهو المفعول الثاني ليعرف والأول ضميرُ مَن (ثم) بعد أن يُبَيَّنَ له (أصر) أي ثبت على غلطه، يقال: أصر على فعله بالألف داومه ولازمه وأصر عليه عزم قاله الفيومي، (يرد) بالبناء للمفعول جواب الشرط، ورفعه مع كون فعل الشرط مضارعًا قليل قال ابن مالك:
وَبَعْدَ ماض رفعك الجزا حَسَنْ ورفعُهُ بعدَ مُضَارعٍ وَهَنْ
وليس خاصًا بالضرورة، لقراءة طلحة بن سليمان (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) ثم هو على حذف الفاء، وقيل غير ذلك.
وحاصل المعنى: أن من بين له غلطه في حديث ولو مرة واحدة فأصر على روايته ولم يرجع سقطت رواياته كلها، ولم يكتب عنه، لكن هذا إذا كان إصراره عنادًا أو نحوه، كما أشار إليه بقوله (وَقُيِّدَا) بالبناء للمفعول والألف للإطلاق أي قَيَّدَ ما قاله هؤلاء الأئمة بعضُ المتأخرين كما قال العراقي.
(بأن يبين) من الإبانة وهو الإظهار، أي يظهر له وهمه (عالم) بالفن عند ذلك الواهم، فلم يَقبَل بل صَمَّم (وعاندا) بألف الإطلاق، أىِ خالف، يقال عاند من باب قاتل إذا ركب الخلاف والعصيانَ، وعانده معاندة عارضه، وَفَعَلَ مثل فعله، قال الأزهري: المعانِدُ المعارض بالخلاف لا بالوفاق، وقد يكون مباراة من غير خلاف أفاده الفيومي.
قلت: والمناسب هنا المعنى الأول.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وحاصل المعنى: أنه إنما يرد بالمعاندة إذا بيّن له عالم بالفن عنده فلم يرجع، وأما إذا لم يثبت عنده أهلية الراد فلا، لأن المعاند كالمستخف بالحديث بترويج قوله بالباطل.
ثم إن هذه التشديدات المتقدمة كان في الأزمان المتقدمة، وأما المتأخرون فَجُل مقصودهم إبقاء السلسلة التي اختصت بها الأمة المحمدية، فلا يحتاجون إلى هذا كله بل إلى ما يحقق بقاء سلسلة الإسناد، وإليه أشار بقوله:
٣٢٣ - وَأَعَرَضُوا فِي هَذْهِ الأَزمَانِ عَنْ اعْتَبارِ هَذَهِ الْمَعَانِي
٣٢٤ - لِعُسْرِهَا مَعْ كَوْنِ ذَا الْمُرَادِ صَارَ بَقَا سَلْسَلَةِ الإِسْنَادِ
٣٢٥ - فَلْيُعْتَبَرْ تَكْلِيفُهُ وَالسَّتَرْ وَمَا رَوَى أَثْبَتَ ثَبْتٌ بَرُّ
٣٢٦ - وَلْيَرْوِ مِنْ مُوَافِقٍ لأَصْلِ شُيُوخِهِ فَذَاكَ ضَبْطُ الأَهْلِ
(وأعرضوا) أي تركوا يقال: أعرضت عن الشيء إذا أضربت، ووليت عنه، والهمزة فيه للصيرورة أي أخذت عرضًا أي جانبًا غير الجانب الذي هو فيه أفاده الفيومي.
يعني: أن العلماء المحدثين وغيرهم تركوا (في هذه الأزمان) المتأخرة وهي ما بعد ثلاثمائة كما قاله الذهبي في الميزان، (عن اعتبار هذه المعاني) أي اجتماع هذه الأوصاف المتقدمة في الراوي، والجارَّان يتعلقان بالفعل.
يعني: أنهم لم يتقيدوا بوجودها في الراوي بل تسامحوا فيه، وإنما أعرضوا عنها (لعسرها) أي مشقة وجودها في الراوي وافيةً (مع) بسكون العين لغة في فتحها (كون ذا المراد) أي المقصود الآن من طلب الحديث (صار بقا) بالقصر للوزن (سلسلة الإسناد) أي اتصال بعضه ببعض.
قال في القاموس وشرحه السَّلْسَلَة: يعني: بفتح السين، وسكونٍ اللام الأولى، وفتح الثانية: اتصال الشيء بالشيء، وشيء مُسَلْسَلٌ متصل
[ ١ / ٣٥٦ ]
بعضه ببعض، قال وبالكسر دائرة من حديد ونحوه. اهـ باختصار. قلت: ويجوز (١) الوجهان هنا.
يعني: أن المقصود الآن صار بقاء سلسلة السَّند بحدثنا أو أخبرنا لتبقى هذه الكرامة التي اختصت بها هذه الأمة شرفًا لنبيها - ﷺ - فلا يحتاج إلى مراعاة جميع ما تقدم لتعذر وفائه في رَاوٍ، بل يكفي وجود بعضه، كما أشار إليه بقوله:
(فليعتبر) أي فإذا كان المقصود ذلك فليعتبر من الشروط ما يليق بالمراد المذكور ولْيُكتَفَ ببعضها وهو (تكليفه) أي كون الراوي مكلفًا أي بالغًا عاقلًا (والستر) أي كونه مستور الحال، وهو أن لا يكون متظاهرًا بالفسق، أو السخف الذي يخل بالمروءة لتتحقق عدالته، هذا من حيث العدالة، وأما من حيث الضبط، فأشار إليه بقوله: (وما) مبتدأ أي الحديث الذي (روى) أي نقله وحفظه (أثبتـ) ـهُ (ثبت) بسكون الباء أي ثقة متثبت في روايته (بر) صفة لثبت، وهو بفتح الباء من بَرَّ الرجلُ يَبَرُّ وِزَانَ عَلِمَ يَعْلَم فهو بَرّ بالفتح، وبار أي صادق، أو تقي، والجملة خبر المبتدإ، وجملة المبتدإ والخبر حال من الضمير المجرور، يعني: أن ما رواه يكون ثَابِتًا بخط ثقة غير متهم سواء الشيخ، أو القارئ أوبعض السامعين وسواء كُتِبَ على الأصل أم في ثبت بيده إذا كان الكاتب ثقة من أهل الخِبْرَة بهذا الشأن، بحيث لا يكون الاعتماد في رواية هذا الراوي عليه بل على الثقة المفيد لذلك، أفاده القاضي زكريا. (وليروِ) حين يحدث (من) أصل صحيح (موافق لأصل شيوخه فذاك) أي ما ذكرناه مبتدأ، وخبره قوله: (ضبط الأهل) أي الضبط المعتبر لأهل الحديث في الأعصار المتأخرة بخلاف الضبط في المتقدمين.
وحاصل معنى الأبيات الأربعة: أن المحدثين أعرضوا في هذه
_________________
(١) فيكون المعنى على الفتح: بقاء اتصال الإسناد بعضه ببعض، وعلى الكسر يكون المعنى على التشبيه، أي بقاء الإسناد الشبيه بالسِّلْسِلَة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع هذه الشروط التي مضت في الراوي وضبطه فلم يتقيدوا بها في عملهم، لعسرها وتعذر الوفاء بها، بل استقر عندهم العمل على اعتبار بعضها فيكفي في أهلية الراوي كونه مسلمًا بالغًا عاقلًا غير متظاهر بالفسق وما يَخْرِمُ المروءة ظاهرًا، بمعنى: أنه مستور الحال ثبت سماعه بخط ثقة غير متهم، ورَوَى من أصل موافق لأصل شيخه.
قال السخاوي: والحاصل أنه لما كان الغرضُ أولًا معرفةَ التعديل والتجريح وتفاوت المقامات في الحفظ والإتقان ليتوصل بذلك إلى التصحيح والتحسين والتضعيف حصل التشديد بمجموع تلك الصفات، ولما كان الغَرَضُ آخرًا الاختصارَ في التحصيل على مجرد وجود السلسلة السَّندية اكتَفَوا بما ترى، لكن ذاك بالنظر إلى الغالب في الموضعين وإلا فقد يوجد في كل منهما من نمط الآخر، وإن كان التساهل إلى هذا الحدّ في المتقدمين قليلًا اهـ.
(تَتِمَّة): الزيادات على العراقي في هذا الباب قوله: ما لم يوثق إلى قوله: قد رُكِنْ في البيت بعده، وقوله: فإن فصله إلى قوله: من زكاه في البيت التالي، وقوله: ولو خص بذا، وقوله: من لا أتهم، وقوله: في الأصح من قوله: وما اقتضى إلخ، وقوله: كعكسه إلى قوله: في إفاقة معًا، وقوله: ثالثها إن كان من عنه انفرد إلى قوله: والثالث من البيت الرابع، وقوله: ومن عرفنا عينه إلى لا تقبل في البيت الثالث، وقوله: ثالثها إن كذبا قد حللا، وقوله: الرافضي، وقوله: لا إن رووا وفاقًا البيت، وقوله: والنووي إلى قوله: موضح، وقوله: في الأصح، وقوله: بأن يبين عالم.
ولما كان قبولُ الحديث ورده منوطًا على العدالة والجرح ناسب أن يذكر مراتب التعديل والتجريح بعد باب من تقبل روايته ومن ترد فقال:
[ ١ / ٣٥٨ ]