منهجه في شرحه
لم يلتزم المؤلفون القدامى - لاسيّما الشرّاح منهم - بنهج واحد يسيرون عليه في أثناء شروحهم، بل كانت ثمّة خطوط عريضة يضعها الشارح نصب عينيه، من غير التفات إلى الجزئيات، ومما يزيد الطين بلّة - كما يقولون - أن السواد الأعظم منهم لم يفصحوا عن مناهجهم، وتركوا الباب مشرعًا على مصراعيه للباحثين في الإدلاء بدلائهم لاستنباط منهج الشارح.
وقد كان من بين هؤلاء: الحافظ العراقي، فلم يوضّح لنا منهج شرحه، ولا أسلوب كتابته إلا أننا وبعد هذا الوقت الطويل الذي قضيناه برفقته استطعنا أن نتلمس بعض الأسس التي اعتمدها الحافظ العراقي في شرحه، والتي يمكن إيجازها بما يأتي:
١- تعددت شروح الألفية - كما سيأتي الكلام عنها - ولكن جميعها التزمت منهج البسط وهو الكلام عن البيت الشعري مقطّعًا؛ وذلك من خلال إيضاح معاني مفرداته ومن ثم معناه العام. في حين انفرد العراقي في شرحه بأن كانت طريقته تمتاز بجمع الأبيات ذات الموضوع والمغزى المتحد في مكان واحد، ومن ثَمَّ توضيح المراد بها من حيث المعنى والدلالة اللغوية والإعرابية. وهذا نهج مستفيض في أثناء شرحه - يلحظه كلّ متأنٍ - فليس بحاجة إلى تمثيل.
٢- بروز المنحى القائم على إيراد الأمثلة، إذ لا يكاد يورد شرحًا إلا مع التمثيل كتمثيله للتعليق المجزوم به (١)، وتمثيله لتسمية غير المجزوم به معلقًا (٢)، وغيرها (٣) .
٣- التنبيه على المواقع الإعرابية التي تحتلها بعض مفردات النظم، وتغيُّر موقعها الإعرابي بتغيُّر حركتها، نحو: إعرابه لكلمة: «معتصمًا» (٤)، وكلمة: «موقوف» (٥)،
_________________
(١) ١ / ١٤١.
(٢) ١ / ١٤٢.
(٣) انظر مثلًا: ١/ ١٤٣، ١٤٥، ١٥٣، ١٦٠، ١٧٤، ١٨٧، ١٨٨، ٢٣٦، ٢٣٩.
(٤) ١/ ١٠٢.
(٥) ١/ ١١٧.
[ ١ / ٤٣ ]
وكلمة: «ظنًا» (١)، وغيرها (٢) .
٤- جمعه أقوال العلماء وإيرادات بعضهم على بعض، وأجوبة تلك الاعتراضات، وتوظيفها بما يخدم منهجه في الشرح؛ بغية التوصل إلى نتيجة أقرب ما تكون إلى السلامة من الانتقاد، مدعمة بالأدلة، مقنعة للمحاجج.
ونجد ذلك واضحًا في مباحث تعريف الحسن (٣) . وفي مبحث تحقيق ما يستفاد من سكوت أبي داود (٤) وفي مباحث معنى قول الترمذي وغيره: حسن صحيح (٥)، وفي مباحثات تعليل حديث البسملة (٦)، وغيرها (٧) .
٥- لم يكن نظم الحافظ العراقي وشرحه مجرد تضمين لكتاب ابن الصلاح، خاليًا عن الفوائد، بل كان خلاصة جهود ابن الصلاح مضافًا إليها ما أفاده العراقي خلال رحلته العلمية الممتدّة على طول سني حياته. لذا فلم يخلُ هذا المصنَّف من استدراكات وتعقبات على صاحب الأصل (ابن الصلاح) هذا خلا زوائده التي سنبحثها مستقلة فيما بعد، ومن ذلك: استدراكه على ابن الصلاح فيما يتعلق بزيادات الحميدي على الصحيحين (٨)، واستدراكه على تمثيل ابن الصلاح بعفان والقعنبي على ما حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر (٩) . واستدراكه عليه في ذكر الخلاف في مرسل الصحابي (١٠) . وغيرها (١١) .
_________________
(١) ١ / ١٣٥.
(٢) انظر مثلًا ١/١١٠ و١٢٦، ١٤٩، ١٥٩، ١٦٨.
(٣) ١/ ١٥١ وما بعدها.
(٤) ١/ ١٦٢ وما بعدها.
(٥) ١/ ١٧٢ وما بعدها.
(٦) ١/٢٨٠ وما بعدها.
(٧) انظر مثلًا: ١ / ١٢٥.
(٨) ١/ ١٢٤ وما بعدها.
(٩) ١/ ١٤٤.
(١٠) ١/٢١٤.
(١١) انظر مثلًا: ١/٢٩٨ و٢٠٥، ٢٠٦، ٢١٤، ٢٥٤، ٢٧٣، ٢٩٨.
[ ١ / ٤٤ ]
٦- تعقباته على أقوال وتصرفات بعض الأئمة تأييدًا أو استدراكًا، مثل: ردّه على قول ابن طاهر في شرط الشيخين (١) . وردّه على صنيع ابن دقيق العيد والذهبي فيما يتعلق بـ" المستدرك " (٢) . ومثل تنبيهه على أن أبا الفتح اليعمري لا يشترط في كل حسن أن يأتي من وجه آخر (٣) . وغيرها (٤) .
٧- تنبيهه على ضبط بعض المفردات الواردة في نَظْمِه، لإصابة الغرض المقصود منه، مثل ضبطه للفظة: «مبهمًا» (٥)، وضبطه للفظة: «معتصمًا» (٦)، وغيرهما.
٨- بدا منهج الشرح اللغوي للمفردات واضحًا، مثل بيانه لمعاني: المرحمة (٧)، والرسم (٨)، والجفلى (٩)، وغيرها.
٩- بيانه بعض قيود ومحترزات بعض التعريفات التي يرى إمكان الإيراد عليه عند مَن لم يفهم الخارج بتلك المحترزات (١٠) .
١٠- فيما يختص بالنصوص التي ينقلها، كان له إزاءها منهجان:
الأول: التدليل على انتهائه بقوله: انتهى بعد النص (١١)، وهذا القسم أقل من الثاني وقد لجأ إليه الحافظ في أثناء مناقشاته، أو عندما يروم تعقب ذلك القول، أو غير ذلك من الأسباب، والدواعي الحاملة له على هذا الصنيع.
الثاني: عدم تدليله على انتهاء النص - وهو الأكثر - وذلك إما لكون النص ظاهر الانتهاء، أو لكونه أورده باختزال أو غير ذلك.
_________________
(١) ١/١٢٦.
(٢) ١/ ١٢٨.
(٣) ١/ ١٥٣.
(٤) انظر مثلًا: ١/ ١٣٠ و١٧٤ و٢١٦ و٢٣٩.
(٥) ١/ ١٠٢.
(٦) ١/ ١٠٢.
(٧) ١ /٩٩.
(٨) ١/ ٩٩.
(٩) ١/ ١٧٠.
(١٠) انظر مثلًا ١/ ١٠٤ و١٥٢ و١٨١.
(١١) انظر مثلًا: ١/ ١٣٠ و١٤٣ و١٥٢ و١٥٤ و١٦٦ و١٧٣ وغيرها.
[ ١ / ٤٥ ]
١١- فيما يتعلق بحرفية النص المنقول، لم يلتزم العراقي كثيرًا من الأحيان بحرفيته، فكان كثير التصرف حذفًا وإضافةً، وقد أشرنا إلى بعض ذلك وأغفلنا الكثير لما رأينا الأمر قد تفاقم خشية إثقال الحواشي.
١٢- كان طابع النقاش العلمي آنذاك يمتاز بعرض النتيجة ومن ثم ملاحظة الاعتراضات عليها والتي تسمى إيرادات أو اعتراضات، ومما يشيد تلك النتيجة أن يجاب عن اعتراضاتها المتوقعة مسبقًا، وهذا ما انتهجه العراقي في شرحه (١) .
١٣- توضيحه لمصادر كلام بعض العلماء، مثل بيانه لمصدر تحديد النووي لمعنى مصطلح: على شرط الشيخين (٢) . ومثل بيانه لمصدر كلام ابن الصلاح في تصحيح حديث «لولا أن أشق » من طريق محمد بن عمرو (٣) .
١٤- كان الحافظ العراقي حريصًا على إفادة القارئ: وبما أنه التزم أن يكون شرحه مختصرًا؛ لذا كان من منهجه أن يحيل إلى كتبه الأخرى في المواطن التي تحتاج إلى إسهاب ولا يحتمل المقام ذلك (٤) .
١٥- نقل أقوال الأئمة التي تعضد ما يروم التدليل عليه، وتوظيفها بمثابة ركائز تعزّز مراده (٥) .
١٦- وضع العراقي الأمانة العلمية نصب عينيه، فكان حريصًا على نسبة كل قول وفائدة إلى صاحبها إيمانًا منه بأن بركة العلم نسبته إلى أهله، إلا أنه خالف هذا النهج في موطن واحد فقط نقل فيه بضعة عشر نصًا عن جامع الخطيب حذف أسانيد الخطيب منها وساقها تباعًا من غير نسبة إليه (٦) وكان هذا من الحافظ العراقي لسببين اثنين:
الأول: طول أسانيد الخطيب - لاسيما مع بضعة عشر نصًا - والتزامه الاختصار غير المخل في شرحه.
الثاني: أنه لم يغفل قرينة تدل على عدم كون النص له، وهي قوله قبل سياقته النص: " روينا " وهذا إمعان منه في العمل بمقتضى أمانته العلمية.
_________________
(١) انظر مثلًا: / ١١٥ و١٢٣ و١٥٨ و١٦١ و١٩٧ وغيرها.
(٢) ١/ ١٢٨.
(٣) ١/ ١٦٠.
(٤) انظر مثلًا: ١/ ١١١ و١٢٩ و١٣٦.
(٥) انظر مثلًا: ١/ ١١٣ و١٩٢ و٢٢٤ و٢٢٥.
(٦) ٢/ ٢٦٢.
[ ١ / ٤٦ ]
١٧- فهمه دقائق وإشارات كلام ابن الصلاح، فهمًا منقطع النظير (١) . وعليه يصدق قول الشاعر:
إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوْهَا فَإِنَّ القَوْلَ مَا قَالتْ حَذَامِ
١٨- لقد كانت لزوائد الحافظ العراقي على ابن الصلاح أهمية علمية كبيرة، تمخضت عنها دراسات حاولت الكشف عن جدية تلك الزوائد، وبذلك أسهمت في إثراء المكتبة العلمية بمؤلفات، ومن ثم وفّرت مادة بحث جديدة للدارسين انصبت اهتماماتهم حولها، أو ضمنها من جاء بعده في مؤلفاتهم طلبًا للكمال وسدًّا للإعواز.
ولم تكن تلك الزيادات شيئًا نادرًا أو قليلًا ليستهان بها، وإنما كانت من الكثرة الكاثرة بمكان، ويكفيك لتعلم غزارة هذه الزوائد أننا في الجزء الأول فقط أحصينا له قرابة خمسين موطنًا ما بين زيادة واستدراك وتعقب على ابن الصلاح (٢) .
١٩- كان من منهج الحافظ العراقي أنه لم يترك الأمور على علاتها من غير ترجيح وإنما كان ذا شخصية فذة بارزة في شرحه، يصحّح ويختار ويرجح في ضوء اجتهاده، غير ملتفت إلى مخالفة ابن الصلاح أو موافقته (٣) .
٢٠-لم يلتزم الحافظ العراقي في نظمه ومن ثم شرحه ترتيب ابن الصلاح، لاسيّما أن ابن الصلاح لم يخرج كتابه دفعة واحدة، وإنما أملاه شيئًا فشيئًا فخرج على غير الترتيب المقصود (٤) .
لذا حاول العراقي أن يرتّب مباحث الكتاب على وضع مناسب حسب اجتهاده فقدّم وأخّر، وهذّب وعدّل، ومن ذلك:
أ- أنه قدّم موضوع " أول من صنف في الصحيح " على موضوع " تصحيح الأحاديث في العصور المتأخّرة ".
ب- دمج بين المنقطع والمسند والمعضل، بخلاف ابن الصلاح الذي فرّق بينها في كتابه.
ج- قدّم قول البرذعي في مبحث المقطوع، في حين ذكره ابن الصلاح في نهاية المنقطع.
_________________
(١) انظر مثلًا: ١/ ١٨٥ و٢١٦ و٢٣٩.
(٢) انظر مثلًا: ١/١١١ و١٢٠ و١٣٦ و١٥٣ و١٧١ و١٨٦ و١٨٧ و١٨٩ و١٩١ و١٩٢ و١٩٧ و٢٠٨ و٢١٣ و٢١٩ - ٢٢٠ وغيرها.
(٣) انظر مثلًا: ١/١٨٩ و٢١٩ وسواها الكثير.
(٤) انظر نزهة النظر: من ٥٠ - ٥١.
[ ١ / ٤٧ ]