مكانته العلمية وأقوال العلماء فيه:
مما تقدّم تبيّنت المكانة العلمية التي تبوّأها الحافظ العراقي، والتي كانت من توفيق الله تعالى له، إذ أعانه بسعة الاطلاع، وجودة القريحة وصفاء الذهن وقوة الحفظ وسرعة الاستحضار، فلم يكن أمام مَن عاصره إلاّ أن يخضع له سواء من شيوخه أو تلامذته. ولعلّ ما يزيد هذا الأمر وضوحًا عرض جملة من أقوال العلماء فيه، من ذلك:
١. قال شيخه العزُّ بن جماعة: «كلّ مَن يدّعي الحديث في الديار المصرية سواه فهو مدَّعٍ» .
٢. قال التقي بن رافع السلامي: «ما في القاهرة مُحَدِّثٌ إلاّ هذا، والقاضي عزّ الدين ابن جماعة»، فلمَّا بلغته وفاة العزّ قال: «ما بقي الآن بالقاهرة مُحَدِّثٌ إلاّ الشيخ زين الدين العراقي» .
٣. قال ابن الجزري: «حافظ الديار المصرية ومُحَدِّثُها وشيخها» .
٤. قال ابن ناصر الدين: «الشيخ الإمام العلاّمة الأوحد، شيخ العصر حافظ الوقت شيخ الْمُحَدِّثِيْن عَلَم الناقدين عُمْدَة المخرِّجِين» .
٥. قال ابن قاضي شهبة: «الحافظ الكبير المفيد المتقن المحرّر الناقد، محَدِّث الديار
المصرية، ذو التصانيف المفيدة» .
٦. قال التقي الفاسي: «الحافظ المعتمد، ، وكان حافظًا متقنًا عارفًا بفنون الحديث وبالفقه والعربية وغير ذلك، ، وكان كثير الفضائل والمحاسن» .
[ ١ / ٢٩ ]
٧. وقال ابن حجر: حافظ العصر، وقال: «الحافظ الكبير شيخنا الشهير» .
٨. وقال ابن تغري بردي: «الحافظ، شيخ الحديث بالديار المصرية، وانتهت إليه رئاسة علم الحديث في زمانه» .
٩. وقال ابن فهد: «الإمام الأوحد، العلاّمة الحجة الحبر الناقد، عمدة الأنام حافظ الإسلام، فريد دهره، ووحيد عصره، من فاق بالحفظ والإتقان في زمانه، وشهد له في التفرّد في فنه أئمة عصره وأوانه» . وأطال النفس في الثناء عليه.
١٠. وقال السيوطي: «الحافظ الإمام الكبير الشهير، حافظ العصر» .
ويبدو أنّ الأمر الأكثر إيضاحًا لمكانة الحافظ العراقي، نقولات شيوخه عنه وعودتهم إليه، والصدور عن رأيه، وكانوا يكثرون من الثناء عليه، ويصفونه بالمعرفة، من أمثال السبكي والعلائي وابن جماعة وابن كثير والإسنوي.
ونقل الإسنوي عنه في " المهمات " وغيرها، وترجم له في طبقاته ولم يترجم لأحد من الأحياء سواه، وصرّح ابن كثير بالإفادة منه في تخريج بعض الشيء.
ومن بين الأمور التي توضّح مكانة الحافظ العراقي العلمية تلك المناصب التي تولاها، والتي لا يمكن أن تسند إليه لولا اتفاق عصرييه على أولويته لها، ومن بين ذلك:
تدريسه في العديد من مدارس مصر والقاهرة مثل: دار الحديث
الكاملية، والظاهرية القديمة، والقراسنقرية، وجامع ابن
[ ١ / ٣٠ ]
طولون والفاضلية، وجاور مدةً بالحرمين.
كما أنّه تولّى قضاء المدينة المنورة، والخطابة والإمامة فيها، منذ الثاني عشر من جُمَادَى الأولى سنة (٧٨٨ هـ)، حتى الثالث عشر من شوال سنة (٧٩١ هـ)، فكانت المدة ثلاث سنين وخمسة أشهر.
وفي سبيل جعل شخصية الحافظ العراقي بينة للعيان من جميع جوانبها، ننقل ما زَبَّره قلم تلميذه وخِصِّيصه الحافظ ابن حجر في وصفه شيخه، إذ قال في مجمعه:
«كان الشيخ منور الشيبة، جميل الصورة، كثير الوقار، نزر الكلام، طارحًا للتكلف، ضيق العيش، شديد التوقي في الطهارة، لطيف المزاج، سليم الصدر، كثير الحياء، قلَّما يواجه أحدًا بما يكرهه ولو آذاه، متواضعًا منجمعًا، حسن النادرة والفكاهة، وقد لازمته مدّة فلم أره ترك قيام الليل، بل صار له كالمألوف، وإذا صلَّى الصبح استمر غالبًا في مجلسه، مستقبل القبلة، تاليًا ذاكرًا إلى أن تطلع الشمس، ويتطوع بصيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر وستة شوال، كثير التلاوة إذا ركب »، ثُمَّ ختم كلامه قائلًا: «وليس العيان في ذلك كالخبر» .