أي: شرُّ الأحاديثِ الضعيفةِ: الموضوعُ، وهو المكذوبُ، ويقالُ له
المختلَقُ المصنوعُ، أي: إنَّ واضعَهُ اختلقَهُ وصنَعَهُ. وهذا هو الصوابُ، كما ذكره ابنُ الصلاحِ هنا. وأما قولُهُ في قسمِ الضعيفِ: إنَّ ما عُدِمَ فيه جميعُ صفاتِ الحديثِ الصحيحِ والحسنِ، هو القسمُ الآخِرُ الأَرذَلُ؛ فَهُوَ محمولٌ عَلَى أنَّهُ أرادَ ما
[ ١ / ٣٠٦ ]
لَمْ يكنْ موضوعًا، اللهمَّ إلا أن يريدَ بفَقْدِ ثقةِ الرَّاوِي أنْ يكونَ كذّابًا. ومعَ هَذَا فَلاَ يلزمُ مِنْ وُجودِ كذّابٍ في السندِ أنْ يكونَ الحديثُ موضوعًا، إذ مطلقُ كذبِ الرَّاوِي لا يدلُّ عَلَى الوضعِ، إلا أنْ يعترفَ بوضعِ هَذَا الحديثِ بعينِهِ، أو ما يقومُ مقامَ اعترافِهِ عَلَى ما ستقفُ عَلَيْهِ. وكيفَ كَانَ الموضوعُ، أي: في أيِّ معنى كانَ، في الأحكامِ أو القصصِ، أو الترغيبِ والترهيبِ، وغيرِ ذَلِكَ. لَمْ يجيزوا لمنْ علمَ أنَّهُ موضوعٌ أنْ يذكرَهُ بروايةٍ، أو احتجاجٍ، أو ترغيبٍ إلا معَ بيانِ أنّهُ موضوعٌ، بخلافِ غيرِهِ من الضعيفِ المحتملِ للصدقِ، حَيْثُ جوّزوا روايتَهُ في الترغيبِ والترهيبِ، كَمَا سيأتي. قَالَ ابنُ الصَّلاَح: ولقد أكثرَ الَّذِي جمعَ في هَذَا العصرِ الموضوعاتِ في نَحْوِ مُجَلّدَيْنِ، فأودَعَ فِيْهَا كثيرًا مِنْهَا، لا دليلَ عَلَى وضعِهِ، وإنّما حقُّهُ أنْ يُذكرَ في مطلقِ الأحاديثِ الضعيفةِ. وأراد ابنُ الصلاحِ بالجامعِ المذكورِ، أبا الفَرَجِ بنَ الجَوْزيِّ. وأشرتُ إِلَى ذلكَ بقولي: (عَنَى: أبا الفرجِ) .
٢٢٨ وَالوَاضِعُوْنَ لِلحَدِيْثِ أضْرُبُ أَضَرُّهُمْ قَوْمٌ لِزُهْدٍ نُسِبُوا
٢٢٩ قَدْ وَضَعُوْهَا حِسْبَةً، فَقُبِلَتْ مِنْهُمْ، رُكُوْنًا لَهُمُ ونُقِلَتْ
٢٣٠ فَقَيَّضَ اللهُ لَهَا نُقَّادَهَا فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا
٢٣١ نَحْوَ أبي عِصْمَةَ إذْ رَأَى الوَرَى زَعْمًَا نَأوْا عَنِ القُرَانِ، فافْتَرَى
٢٣٢ لَهُمْ حَدِيْثًَا في فَضَائِلِ السُّوَرْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فبئسَمَا ابْتَكَرْ
٢٣٣ كَذَا الحَدِيْثُ عَنْ أُبَيٍّ اعْتَرَفْ رَاوِيْهِ بِالوَضْعِ، وَبِئسَمَا اقتَرَفْ
٢٣٤ وَكُلُّ مَنْ أوْدَعَهُ كِتَابَهْ - كَالوَاحِدِيِّ - مُخْطِئٌ صَوَابَهْ
الواضعونَ للحديثِ عَلَى أصنافٍ بحسبِ الأمرِ الحاملِ لَهُمْ عَلَى الوضعِ.
فضربٌ من الزَّنادقةِ يفعلونَ ذَلِكَ؛ ليُضلوا به الناسَ، كعبدِ الكريمِ بنِ أبي
[ ١ / ٣٠٧ ]
العَوجاءِ الذي أمرَ بضربِ عُنقِهِ محمدُ بنُ سليمانَ بنِ عليِّ، وكبَيَانٍ الذي قتَلهُ خالدُ القَسْريُّ، وحرقَهُ بالنارِ. وقدْ رَوَى العُقيليُّ بسندِهِ إلى حمّادِ بنِ زيدٍ قالَ: وضعتِ الزنادقةُ على رسولِ اللهِ (أربعةَ عشرَ ألفَ حديثٍ.
وضربٌ يفعلونَهُ انتصارًا لمذاهبِهِم، كالخَطَّابيّةِ والرافضةِ، وقومٍ من السَّالميةِ.
وضربٌ يتقربونَ لبعضِ الخلفاءِ والأمراءِ بوضعِ ما يوافقُ فعلَهُم وآراءهم، كغِياثِ بنِ إبراهيمَ، حيثُ وضعَ للمهدي في حديث: «لا سَبَقَ إلا في نَصْلٍ، أو
[ ١ / ٣٠٨ ]
خُفٍّ، أو حافرٍ» . فزادَ فيه: أو جَناحٍ. وكان المهديُّ إذ ذاك يلعبُ بالحَمَامِ فتركهَا بعد ذلك وأمرَ بذبحِها، وقال أنا حملتُهُ على ذلك.
وضربٌ كانوا يتكسَّبُونَ بذلك ويرتزِقُونَ به في قَصَصِهم، كأبي سعدٍ المدائنيِّ.
وضَرْبٌ امتُحِنوا بأولادٍ لهم أو ورّاقينَ فوضعُوا لهم أحاديثَ ودَسُّوها عليهم، فحدّثوا بها من غيرِ أنْ يَشْعُروا، كعبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ ربيعةَ القُدَامِيِّ.
وضربٌ يلجؤونَ إلى إقامةِ دليلٍ على ما أفتوا به بآرائِهِم، فيضعُونَ، كما نُقِلَ عن أبي الخطّابِ بنِ دِحْيةَ، إنْ ثَبَتَ عنه.
وضربٌ يَقلِبُونَ سَنَدَ الحديثِ؛ ليُستَغْرَبَ، فيُرغَبَ في سماعِهِ منهم، وسيأتي ذلكَ بعدَ هذا في المقلوبِ.
وضربٌ يتديّنُونَ بذلكَ لترغيبِ الناسِ في أفعالِ الخيرِ بزعمِهِم، وهم منسوبُونَ إلى الزُّهْدِ، وهم أعظمُ الأصنافِ ضررًا؛ لأنَّهم يحتسِبُونَ بذلكَ، ويرونَهُ قربةً، فلا يمكنُ
[ ١ / ٣٠٩ ]
تركُهم لذلك. والناسُ يَثِقُون بهم، ويركنونَ إليهم لما نُسِبُوا له من الزهدِ، والصلاحِ، فينقلونَها عنهم. ولهذا قالَ يحيى بنُ سعيدٍ القطّانُ: ما رأيتُ الصَّالحينَ أكذبَ منهم في الحديثِ. يريدُ بذلكَ - واللهُ أعلم - المنسوبينَ للصلاحِ بغيرِ علمٍ يفرّقُونَ بهِ بينَ ما يجوزُ لهم ويمتنعُ عليهم. يدلُّ على ذلكَ ما رواهُ ابنُ عَدِيٍّ والعُقيليِّ بسندِهما الصحيحِ إليه أنّهُ قال: ما رأيتُ الكذبَ في أحدٍ أكثرَ منه فيمَنْ يُنسَبُ إلى الخيرِ. أو أرادَ أنَّ الصالحينَ عندَهم حسنُ ظنٍّ، وسلامةُ صدرٍ، فيحمِلونَ ما سمِعَوه على الصدقِ، ولا يهتدونَ لتمييزِ الخطأ من الصوابِ.
ولكن الواضعون ممَّنْ يُنْسَبُ للصلاحِ، وإنْ خَفِيَ حالُهم على كثيرٍ من الناسِ، فإنّه لم يَخْفَ على جَهابِذَةِ الحديثِ، ونقّادِهِ. فقاموا بأعباءِ ما حُمِّلُواْ فتحمَّلوهُ، فكشفُوا عُوَارَها، ومَحَوا عَارَها. حتى لقد روينا عن سفيانَ قال: ما سترَ اللهُ أحدًا بكذبٍ في الحديثِ. وروينا عن عبدِ الرحمنِ بنِ مهديٍّ أنهُ قال: لو أنَّ
[ ١ / ٣١٠ ]
رجلًا هَمَّ أنْ يكذبَ في الحديثِ، لأسقَطَهُ اللهُ تعالى. وروينا عن ابنِ المباركِ قال: لو هَمَّ رجلٌ في السَّحرِ أنْ يكذبَ في الحديثِ، لأصبحَ والناسُ يقولون فلانٌ كذّابٌ. وروينا عنه أنّهُ قيل له: هذهِ الأحاديثُ المصنوعةُ، فقال: تعيشُ لها الجَهَابِذةُ (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُوْنَ (. وروينا عن القاسمِ بنِ محمدٍ أنّهُ قال: إنَّ الله أعانَنَا على الكذّابينَ بالنسيانِ.
ومثالُ مَنْ كان يضعُ الحديثَ حِسْبةً، ما رويناه عن أبي عِصْمَة نُوحِ بنِ أبي مريمَ المروزيِّ - قاضي مَرْو -، فيما رواهُ الحاكمُ بسندهِ إلى أبي عمّارٍ المروزيِّ أنّهُ قيل لأبي عصمةَ: مِن أين لك عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ في فضائلِ القرآنِ سورةً سورةً، وليس عند أصحابِ عكرمةَ هذا؟! فَقَالَ: إنّي رأيتُ الناسَ قَدْ أعرضُوا عن القرآنِ، واشتغلوا بفقهِ أبي حنيفةَ، ومغازي محمدِ بنِ إسحاقَ، فوضعتُ هَذَا الحديثَ حِسْبةً. وَكَانَ يُقال لأبي عصمةَ هَذَا نوحٌ الجامعُ. فَقَالَ أبو حاتمٍ ابنُ حبّانَ: جمعَ كلَّ شيءٍ إلا الصدقَ. وَقَالَ أبو عبدِ اللهِ الحاكمُ: وضعَ
[ ١ / ٣١١ ]
حديثَ فضائلِ القرآنِ. وروى ابنُ حبّانَ في مقدّمةِ "تاريخِ الضُّعفاءِ"، عن ابنِ مهديٍّ قال: قلتُ لِمَيْسرة بن عبدِ ربِّهِ: من أين جئت بهذهِ الأحاديثِ مَنْ قرأ كذا فلَهُ كذا؟ قال: وضعتُها أُرَغِّبُ الناسَ فيها. وهكذا حديثُ أُبَيٍّ الطويلُ في فضائلِ قراءةِ سُوَرِ القرآنِ سُورةً سورةً. فروينا عن المؤمَّل بنِ إسماعيلَ، قال: حدّثني شيخٌ به. فقلتُ للشيخِ مَنْ حدّثكَ؟ فقالَ: حدّثني رجلٌ بالمدائنِ - وهو حيٌّ - فصرتُ إليهِ، فقلتُ: مَنْ حدّثَكَ؟ فقال: حدّثني شيخٌ بواسطَ - وهو حيٌّ - فصرتُ إليه، فقال: حدثني شيخٌ بالبصرةِ، فصرتُ إليه، فقال: حدثني شيخٌ بعبادانَ، فصرتُ إليه، فأخَذَ بيدي، فأدخلني بيتًا، فإذا فيه قومٌ من المتصوّفِةِ، ومعهم شيخٌ، فقالَ هذا الشيخُ حدّثني، فقلتُ: يا شيخُ مَنْ حدّثكَ؟ فقال: لم يحدّثني أحدٌ. ولكنَّا رأينا الناسَ قد رغبُوا عن القرآنِ، فوضَعنا لهم هذا الحديثَ؛ ليصرفُوا قُلوبَهم إِلَى القرآنِ.
وكلُّ مَنْ أودعَ حديثَ أُبَيٍّ - المذكورِ - تفسيرَهُ، كالواحديِّ، والثَّعْلبيِّ والزَّمَخْشَريِّ مخطئٌ في ذلكَ؛ لكنّ من أبرزَ إسنادَهُ منهم، كالثعلبيِّ، والواحديِّ فهو
[ ١ / ٣١٢ ]
أبسطُ لِعُذْرِهِ، إذ أحالَ ناظرَهُ على الكشفِ عن سندِهِ، وإنْ كان لا يجوزُ له السكوتُ عليه من غيرِ بيانِهِ، كما تقدّمَ. وأمَّا مَنْ لم يُبْرِزْ سنَدَهُ، وأوردَهُ بصيغةِ الجزمِ فخطؤُهُ أفحشُ، كالزَّمخشريِّ.
٢٣٥ وَجَوَّزَ الوَضْعَ -عَلَى التَّرْغِيْبِ- قَوْمُ ابنِ كَرَّامٍ، وَفي التَّرْهِيْبِ
ذكرَ الإمامُ أبو بكرٍ محمدُ بنُ منصورٍ السَّمعانيُّ: أنَّ بعضَ الكَرَّاميَّةِ ذهبَ إلى جوازِ وضعِ الحديثِ على النبيِّ (، فيما لا يتعلقُ به حكمٌ من الثوابِ والعقابِ ترغيبًا للنَّاسِ في الطاعةِ، وزجْرًَا لهم عن المعصيةِ. واستدلوا بما رُويَ في بعضِ طُرقِ الحديثِ: «مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا -ليُضِلَّ بهِ الناسَ- فلْيَتبوَّأْ مَقْعدَهُ من النارِ» .
[ ١ / ٣١٣ ]
وحملَ بعضُهم حديثَ مَنْ كذبَ عليَّ، أي: قالَ: إنّهُ ساحرٌ أو مجنونٌ. وقال بعضُ المخذُولِينَ: إنّما قالَ مَنْ كَذَبَ عليَّ، ونحنُ نكذبُ لَهُ ونقوِّي شَرعَهُ. نسألُ اللهَ السلامةَ من الخِذْلانِ.
وروى العُقيليُّ بإسنادِهِ إلى محمدِ بنِ سعيدٍ - كأنَّهُ المَصْلُوبُ - قال: «لا بأسَ إذا كانَ كلامٌ حسنٌ أنْ تضعَ له إسنادًا» . وحكى القُرْطبيُّ في " المُفْهِم " عن بعضِ أهلِ الرأي أنَّ ما وافقَ القياسَ الجليَّ جازَ أنْ يُعزَى إِلَى النبيِّ (. وروى ابنُ حبّانَ في مقدّمةِ " تاريخِ الضُّعفاءِ " بإسنادِهِ إلى عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ المقريء: أنَّ رجلًا من أهلِ البِدَعِ رجعَ عن بدعتِهِ، فجعلَ يقولُ: انظروا هذا الحديثَ عمَّنْ تأخذونَهُ، فإنّا كُنَّا إذا رأينا رأيًا جعلنا له حديثًا.
[ ١ / ٣١٤ ]
٢٣٦ وَالوَاضِعُوْنَبَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَبَعْضٌ وَضَعَا
٢٣٧ كَلامَ بَعْضِ الحُكَمَا في المُسْنَدِ وَمِنْهُ نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدِ
٢٣٨ نَحْوُ حَدِيْثِ ثَابِتٍ (مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ) الحَدِيْثَ، وَهْلَةٌ سَرَتْ
ثُمَّ الواضعونَ منهم مَنْ يَضَعُ كلامًا من عندِ نفسِهِ، ويرويه إلى النبيِّ (ومنهم من يأخُذُ كلامَ بعضِ الحُكَماءِ، أو بعضِ الزُّهادِ، أو الإسرائلياتِ فيجعلُهُ حديثًا نحو حديثِ: «حبُّ الدنيا رأسُ كُلِّ خطيئةٍ» . فإنّه إمّا من كلامِ مالكِ بن دينارٍ، كما رواهُ ابنُ أبي الدنيا في كتابِ " مكايدِ الشيطانِ " بإسنَادِهِ إليه. وإمَّا هو مرويٌّ من كلامِ عيسى بنِ مريمَ (كما رواه البيهقيُّ في كتابِ " الزهدِ "، ولا أصلَ لَهُ من حديثِ النبيِّ (، إلا من مراسيلِ الحسنِ البصريِّ، كما رواهُ البيهقيُّ في " شعبِ الإيمانِ " في البابِ الحادي والسبعين منه. ومراسيلُ الحسن عندَهم شِبْهُ الريحِ.
وكالحديثِ الموضوعِ: «المَعِدةُ بيتُ الداءِ، والحِمْيَةُ رأسُ الدَّواءِ» . فهذا من كلامِ بعضِ الأطباءِ، لا أصلَ له عن النبيِّ (.
[ ١ / ٣١٥ ]
ومن أقسامِ الموضوعِ: ما لم يُقْصَدْ وضعهُ، وإنّما وهمَ فيه بعضُ الرواةِ. وقالَ ابنُ الصلاحِ: إنّهُ شبهُ الوضعِ، كحديثٍ رواهُ ابنُ ماجه، عن إسماعيلَ بنِ محمدَ الطَّلْحِيِّ، عن ثابتِ بنِ موسى الزاهدِ، عن شَرِيكٍ، عن الأعمشِ، عن أبي سُفيانَ، عن جابرٍ مرفوعًا: «مَنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ باللَّيلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بالنَّهارِ» .
قال أبو حاتمٍ الرازيُّ: كتبتُهُ عن ثابتٍ فذكرتُهُ لابن نُميرٍ، فقال الشيخُ - يعني ثابتًا - لا بأسَ به. والحديثُ منكرٌ. قال أبو حاتمٍ: والحديثُ موضوعٌ. وقال الحاكمُ: دخلَ ثابتُ بنُ موسى على شَريكِ بنِ عبدِ اللهِ القاضي، والمُستملي بين يديهِ، وشريكٌ يقول: حدّثنا الأعمشُ، عن أبي سفيانَ، عن جابرِ، قال: قالَ رسول الله (: ولم يذكرِ المتْنَ. فلما نظرَ إلى ثابتِ بنِ موسى قالَ: «مَنْ كثُرتْ صلاتُهُ بالليلِ حسُن وجههُ بالنهارِ» وإنَّما أرادَ ثابتًا لزهدِهِ وورعِهِ، فظنَّ ثابتٌ أنّه رُوِيَ هذا الحديثُ مرفوعًا بهذا الإسنادِ، فكان ثابتٌ يحدّثُ به عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرِ، وقالَ ابنُ حبّانَ: وهذا قولُ شريك. قالَهُ عَقِبَ حديثِ الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرِ: «يَعْقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم» . فأدرجهُ ثابتٌ في الخبرِ، ثمَّ سَرَقَهُ منهجماعةٌ ضعفاءُ، وحدّثوا به عن شريكٍ؛ فعلى هَذَا هُوَ من أقسامِ المدرجِ.
[ ١ / ٣١٦ ]
وقالَ ابنُ عديٍّ: إنّهُ حديثٌ منكرٌ لا يُعرفُ إلا بثابتٍ، وسرقَهُ مِنْهُ من الضُّعفاء عبدُ الحميدِ بنُ بحرٍ، وعبدُ اللهِ بنُ شبرمةَ الشَّريكيُّ، وإسحاقُ بن بشرٍ الكَاهليُّ، وموسى بنُ محمدٍ أبو الطاهرِالمقدسيُّ. قَالَ: وحدّثنا بِهِ بعضُ الضِّعاف عن زحمويهِ، وكذب؛ فإنَّ زحمويهِ ثقةٌ. قَالَ وبلغني عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بن نميرٍ أنّهُ ذُكرَ لَهُ هَذَا الحديثُ، عن ثابتٍ، فَقَالَ: باطلٌ، شُبِّهَ عَلَى ثابتٍ؛ وذلكَ أنَّ شريكًا كان مَزَّاحًا، وكانَ ثابتٌ رجلًا صالحًا فيشبهُ أن يكونَ ثابتٌ دخلَ على شَرِيكٍ، وكان شريكٌ يقولُ: حدثنا الأعمشُ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن النبيِّ (، فالتفَتَ فرأى ثابتًا فقال يُمازِحُه: «مَنْ كثُرت صلاتُهُ بالليلِ حسُن وجهُهُ بالنهارِ» . فظنَّ ثابتٌ لغفلتِهِ أنَّ هذا الكلامَ الذي قالَهُ شريكٌ، هو متنُ الإسنادِ الذي قرأهُ فحملَهُ على ذلك. وإنَّما ذلك قولُ شريكٍ. وقال العقيليُّ: إنّهُ حديثٌ باطلٌ، ليس له أصلٌ ولا يتابعهُ عليه ثقةٌ. وقال عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ: كُلُّ مَنْ حَدَّثَ به عن شريكٍ، فهو غيرُ ثقةٍ. وقد قالَ ابنُ معينٍ في ثابتٍ هذا: إنّهُ كذَّابٌ. وقولُهُ: (وَهْلَةٌ) أي: غَفْلَةٌ. ومنه: قولُ عائشةَ ﵂ في الحديثِ الصحيحِ: «إنَّهُ لم يكذبْ ولكنَّهُ وَهِلَ»، أي: ذهبَ وَهْمُهُ إلى ذلك.
[ ١ / ٣١٧ ]
٢٣٩ وَيُعْرَفُ الوَضْعُ بِالإقْرَارِ، وَمَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَرُبَّمَا
٢٤٠ يُعْرَفُ بِالرِّكَةِ، قُلْتُ: اسْتَشْكَلاَ (الثَّبَجِيُّ) القَطْعَ بِالوَضْعِ عَلَى
٢٤١ مَا اعْتَرَفَ الوَاضِعُ، إذْ قَدْ يَكْذِبُ بَلَى نَرُدُّهُ، وَعَنْهُ نُضْرِبُ
قال ابنُ الصلاحِ: وإنّما يُعرف كونُ الحديثِ موضوعًا، بإقرارِ واضعِهِ أو ما يتنزلُ منزلةَ إقرارِهِ. قال: وقد يفهمُونَ الوضعَ من قرينةِ حالِ الراوي، أو المروِيِّ فقد وُضِعتْ أحاديثُ طويلةٌ يشهدُ بوضعِها رَكاكةُ ألفاظِها ومَعانِيها. انتهى. وروينا عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ قال: إنَّ للحديثِ ضَوْءًا كضَوْءِ النهارِ، تعرفُهُ؛ وظُلمةً كظلمةِ الليلِ تُنْكِرُهُ.
قال ابنُ الجوزيِّ: واعلمْ أنَّ الحديثَ المُنكرَ يقشعرُّ له جلدُ الطالبِ. للعلمِ ويَنْفُرُ مِنْهُ قلبُهُ في الغالبِ. وَقَدْ استشكلَ ابنُ دقيقِ العيدِ الاعتمادَ عَلَى إقرارِ الرَّاوِي بالوضعِ. فَقَالَ: هَذَا كافٍ في رَدِّهِ لَكِنْ لَيْسَ بقاطعٍ في كونِهِ موضوعًا؛
[ ١ / ٣١٨ ]
لجوازِ أنْ يكذبَ في هذا الإقرارِ بعينِهِ. وهذا هو المعنيُّ بقولي: (استشكلَ الثَّبَجِي)، وهو ابنُ دقيقِ العيدِ، وربّما كان يكتبُ هذهِ النسبةَ في خَطِّهِ، لأنّهُ ولد بثَبَجِ البحرِ بساحلِ يَنْبُعَ من الحِجازِ. ومنهُ الحديثُ الصحيحُ: «يَرْكَبُوْنَ ثَبَجَ هذا البَحْرِ»، أي: ظَهْرَهُ، وقيلَ: وَسَطَهُ.