١٧٨ وَاقْبَلْ زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ مِنْهُمُ وَمَنْ سِوَاهُمْ فَعَلَيْهِ المُعْظَمُ
١٧٩ وَقِيْلَ: لاَ، وَقِيْلَ: لاَ مِنْهُمْ وَقَدْ قَسَّمَهُ الشَّيْخُ، فَقَالَ: مَا انْفَرَدْ
١٨٠ دُوْنَ الثِّقَاتِ ثِقَةٌ خَالَفَهُمْ فِيْهِ صَرِيْحًا فَهْوَ رَدٌّ عِنْدَهُمْ
١٨١ أَوْ لَمْ يُخَالِفْ، فَاقْبَلَنْهُ وَادَّعَى فِيْهِ الخَطِيْبُ الاتِّفَاقَ مُجْمَعَا
١٨٢ أَوْ خَالَفَ الاطْلاَقَ نَحْوُ «جُعِلَتْ تُرْبَةُ الارْضِ» فَهْيَ فَرْدٌ نُقِلَتْ
[ ١ / ٢٦١ ]
١٨٣ فَالْشَّافِعِيْ وَأَحْمَدُ احْتَجَّا بِذَا وَالوَصْلُ والارْسَالُ مِنْ ذَا أُخِذَا
١٨٤ لَكِنَّ في الإرْسَالِ جَرْحًا فَاقْتَضَى تَقْدِيْمَهُ وَرُدَّ أنَّ مُقْتَضَى
١٨٥ هَذَا قَبُولُ الوَصْلِ إذْ فِيْهِ وَفِيْ الجَرْحِ عِلْمٌ زَائِدٌ لِلْمُقْتَفِيْ
مَعْرِفةُ زياداتِ الثِّقاتِ فنٌّ لطيفٌ، يُسْتَحسَنُ العِنايةُ بهِ. وَقدْ كانَ الفقيهُ أبو بكرٍ عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ زيادٍ النَّيْسابوريُّ مشهورًا بمعرفةِ ذلكَ. قالَ الحاكمُ: كانَ يعرفُ زياداتِ الألفاظِ في المتونِ، وكذلكَ أبو الوليدِ حسّانُ بنُ محمدٍ القرشيُّ النيسابوريُّ. تلميذُ ابنِ سُرَيْجٍ وغيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ.
واخْتُلِفَ في زيادةِ الثقةِ على أقوالٍ:
فذهبَ الجمهورُ منَ الفقهاءِ وأصحابِ الحديثِ، كما حكاهُ الخطيبُ عنهم، إلى قبولها سواءٌ تعلقَ بها حكمٌ شرعيٌّ أمْ لا. وسواءٌ غَيَّرَتِ الحكمَ الثابتَ، أمْ لاَ، وسواءٌ أوْجبتْ نقصًا منَ أحكامٍ ثبتتْ بخبرٍ ليستْ فِيْهِ تلكَ الزيادةُ أم لا. وسواءٌ كانَ ذلكَ من
[ ١ / ٢٦٢ ]
شخصٍ واحدٍ بأنْ رواهُ مرّةً ناقصًا، ومرةً بتلكَ الزيادةِ، أو كانتْ الزيادةُ منْ غيرِ مَنْ رواهُ ناقصًا. وهذا معنى قولي: (وَمَنْ سواهُمْ) أيْ: وَمَنْ سوَى منْ زادَها بشرطِ كونِهِ ثقةً؛ لأنَّ الفصلَ معقودٌ لزيادةِ الثقةِ، لا أنَّ المرادَ: ومَنْ سوى الثقاتِ. وقدِ ادَّعى ابنُ طاهرٍ الاتفاقَ على هذا القولِ عندَ أهلِ الحديثِ، فقالَ في "مسألةِ الانتصارِ": لا خلافَ تجدُهُ بينَ أهلِ الصنعةِ أنَّ الزيادةَ منَ الثقةِ مقبولةٌ انتهى. وشَرَطَ أبو بكرٍ الصَّيْرفيُّ منَ الشافعيَّةِ وكذلك الخطيبُ في قبولِ الزيادةِ كونَ مَنْ رواها حافظًا. وشَرَطَ ابنُ الصَّبَّاغِ في " العُدَّةِ " منهم، ألاَّ يكونَ مَنْ نقلَ الزيادةَ واحدًا، ومَنْ رواهُ ناقصًا جماعةٌ لا يجوزُ عليهمُ الوهمُ، فإنْ كانَ كذلكَ سقطتِ الزيادةُ وقالَ ذلكَ فيما إذا روياهُ عنْ مجلسٍ واحدٍ، فإنْ روياهُ عنْ مجلسينِ كانا خبرينِ وعُمِلَ بهِمَا.
والقولُ الثاني: أنَّها لا تقبلُ مطلقًا لا ممَّنْ رواهُ ناقصًا ولاَ مِنْ غيرِهِ حُكيَ ذلكَ عن قومٍ منْ أصحابِ الحديثِ فيما ذَكَرَهُ الخطيبُ في "الكفايةِ" وابنُ الصبّاغِ في "العُدَّة".
والقولُ الثالثُ: أنّها لا تقبلُ ممَّنْ رواهُ ناقصًا، وتقبلُ مِنْ غيْرِهِ منَ الثقاتِ، حكاهُ الخطيبُ عن فرقةٍ منَ الشافعيةِ.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وهوَ المرادُ بقولي: (وقيل: لا منهم) أي: لا يقبلُ ممَّنْ رواهُ ناقصًا، ثمَّ رواهُ بتلكَ الزيادةِ، أو رواهُ بالزيادةِ، ثمَّ رواهُ ناقصًا. وذكرَ ابنُ الصبّاغِ في " العدّةِ " فيما إذا روى الواحدُ خبرًا، ثمَّ رواهُ بعدَ ذلكَ بزيادةٍ، فإنْ ذكرَ أنَّهُ سمعَ كلَّ واحدٍ منَ الخبرينِ في مجلسينِ، قُبلَتِ الزيادةُ، وإنْ عزى ذلكَ إلى مجلسٍ واحدٍ وتكررتْ روايتُهُ بغيرِ زيادةٍ ثمَّ روى الزيادةَ. فإنْ قالَ: كنتُ أُنسيتُ هذهِ الزيادةَ قُبِلَ منهُ، وإنْ لَمْ يقلْ ذلكَ وجبَ التوقّفُ في الزيادةِ.
وفي المسألةِ قولٌ رابعٌ: أنَّهُ إنْ كانتِ الزيادةُ مغيرةً للإعرابِ، كانَ الخبرانِ متعارضينِ، وإنْ لَمْ تُغَيِّرِ الإعرابَ قُبِلتْ. حكاهُ ابنُ الصبّاغُ عنْ بَعضِ المتكلمينَ.
وفيها قولٌ خامسٌ: أنَّها لا تقبلُ إلاَّ إذا أفادتْ حكمًا.
وفيها قولٌ سادسٌ: أنَّها تقبلُ في اللفظِ دونَ المعنى، حكاهما الخطيبُ.
وقولُهُ: (وقد قسَّمهُ الشيخُ) أي: ابنُ الصلاحِ، فقالَ: قدْ رأيتُ تقسيمَ ما ينفردُ بهِ الثقةُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
أحدُها: ما يقعُ مخالفًا منافيًا لما رواهُ سائرُ الثقاتِ، فهذا حكمهُ الردُّ، كما سبقَ في نوعِ الشاذِّ.
الثاني: أنْ لا يكونَ فيهِ منافاةٌ ومخالفةٌ أصلًا لما رواهُ غيرُهُ، كالحديثِ الذي تفرّدَ بروايةِ جملتِهِ ثقةٌ، ولاَ تعرض فيهِ لما رواهُ الغيرُ بمخالفةِ أصلٍ.
فهذا مقبول، وقدِ ادَّعى الخطيبُ فيهِ اتفاقَ العلماءِ عليهِ، وسبقَ مثالهُ في نوعِ الشاذِّ.
[ ١ / ٢٦٤ ]
الثالثُ: ما يقعُ بينَ هاتينِ المرتبتينِ، مثلُ زيادةِ لفظةٍ في حديثٍ لَمْ يذكرْهَا سائرُ مَنْ روى ذلكَ الحديثَ، مثالُهُ ما رواهُ مالكٌ عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهَ - ﷺ -: «فرضَ زكاةَ الفطرِ من رمضانَ على كلِّ حرِّ، أو عبدٍ، ذكرٍ، أو أنثى منَ المسلمينَ»، فذكرَ أبو عيسى الترمذيُّ: أنَّ مالكًا انفردَ من بينِ الثقاتِ بزيادةِ قولِهِ: «منَ المسلمينَ» . وروى عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، وأيوبُ، وغيرُهما هذا الحديثَ عنْ نافعٍ عنْ ابنِ عمرَ دونَ هذهِ الزيادةِ، فأخذَ بها غيرُ واحدٍ منَ الأئمةَ، واحتجوا بها منهم:
[ ١ / ٢٦٥ ]
الشافعيُّ وأحمدُ ﵄. قالَ: ومنْ أمثلةِ ذلكَ: «جُعلَتْ لنا الأرضُ مسجدًا وَجُعِلَتْ تربتها لنا طهورًا» . فهذهِ الزيادةُ تفرَّدَ بها أبو مالكٍ سعدُ بنُ طارقٍ الأشجعيُّ، وسائرُ الرواياتِ لفظها: «وجُعلتْ لنا الأرضُ مسجدًا وطهورًا» . قالَ: فهذا وما أشبهَهُ يشبهُ القسمَ الأولَ من حيثُ إنَّ ما رواهُ الجماعةُ عامٌّ، وما رواهُ المنفردُ بالزيادةِ مخصوصٌ، وفي ذلكَ مغايرةٌ في الصفةِ، ونوعٌ منَ المخالفةِ يختلفُ بهِ الحكمُ. ويشبهُ أيضًا القسمَ الثانيَ من حيثُ إنَّهُ لا منافاةَ بينهما انتهى كلامُ ابنِ الصلاحِ، واقتصرَ على المثالِ الثاني؛ لأنَّهُ صحيحٌ، كما ذكرَ: تفرّدَ بالزيادةِ سعدُ بنُ طارقٍ أبو مالكٍ الأشجعيُّ، والحديثُ رواهُ مسلمٌ والنسائيُّ من روايةِ الأشجعيِّ عنْ رِبْعي، عن حذيفةَ. وأما المثالُ الأولُ فلاَ يصحُّ؛ لأنَّ مالكًا لم ينفردْ بالزيادةِ، بلْ تابعهُ عليها عمرُ بنُ نافعٍ،
[ ١ / ٢٦٦ ]
والضحاكُ بنُ عثمانَ، ويونسُ بنُ يزيدَ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ، والمُعَلَّى بنُ إسماعيلَ، وكثيرُ بنُ فَرْقدٍ. واختُلِفَ في زيادتها على عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، وأيوبَ.
وقدْ بينتُ هذهِ الطرقَ في " النكتِ " التي جمعتُها على كتابِ ابنِ الصَّلاحِ.
وقولُهُ: (والوصل والإرسال من ذا أخذ) أي: إنَّ تعارضَ الوصلِ والإرسال نوعٌ من زيادةِ الثقةِ؛ لأنَّ الوصلَ زيادةُ ثقةٍ، وقدْ تقدّمَ أنَّ الخطيبَ حَكَى عن أكثرِ أهلِ الحديثِ أنَّ الحكمَ لِمَنْ أرسلَ. وقالَابنُ الصلاحِ: إنَّ بينَ الوصلِ والإرسال مِنَ المخالفةِ نحوَ ما ذكرناهُ، أي: في القسمِ الثالثِ. قالَ: ويزدادُ ذلكَ بأن الإرسالَ نوعُ قدحٍ في الحديثِ، فترجيحُهُ، وتقديمُهُ من قبيلِ تقديمِ الجرحِ على التعديلِ. قالَ: ويجابُ عنهُ بأنَّ الجرحَ قُدِّمَ لما فيهِ من زيادةِ العلمِ. والزيادةُ هاهنا معَ مَنْ وصلَ، واللهُ أعلمُ.
[ ١ / ٢٦٧ ]