ثم انتقل النَّاظمُ ﵀ إلى الكلام عَنِ الحدِيثِ الشَّاذ فَقَالَ:
٢١ - وما يُخَالِف ثِقَةٌ بِهِ الْمَلا فَالشَّاذُّ
قوله: وَمَا يُخَالف: أي إذا خَالَف رَاوٍ ثِقَةٌ: وهو العَدْلُ الضَّابِط فِي سِنَدِ أَو مَتْنِ حديثه بِزِيَادَةٍ أَو نُقْصَان، الْمَلا: أَي خَالَفَ جَمَاعَةً مِن الثقات فِيمَا رَوَوهُ أَو من كان أَحْفَظَ مِنْهُ،
مَعَ عدم إِمْكَان الْجمع بين الْمَرويَّاتِ، وأَمَّا إِذَا أمكن الْجمع فَلا يَكُونُ شَاذًّا ويُقْبل الْحَديث حِينَئِذٍ، فَهَذَا حَدُّ الحديثِ الشَّاذ الْمُشْتَرط انتفاؤه فِي حَدِّ الصَّحِيح. ومَعْنَى الشَّاذّ في اللغة: شَذَّ الرَّجلُ من أَصْحَابِهِ، أي: انْفَردَ عَنْهُم (١)، وقد اختار
_________________
(١) كتاب العين، للخليل بن أحمد بن الفراهيدي (ت: ١٧٠ هـ)، طبعة دار هلال، ق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السَّامرائي، (٦/ ٢١٥).
[ ٤٥ ]
النَّاظم هذا التَّعريف للشَّاذِّ كما أَشَارَ إليه الإمَامُ الشَّافعيّ - ﵀ - فِي قَولِهِ: " لَيسَ الشَّاذُّ مِنَ الحديثِ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ مَا لا يَرْوِي غَيْرُه؛ إنَّما الشَّاذُّ أَنْ يَرْوِي الثِّقَةُ حَدِيثًا يُخَالِفُ مَا رَوَى النَّاسُ" (١).
الخلاصةُ: أنَّ الحديث الشَّاذّ هو مَا رواه الثِّقَةُ مُخَالِفًا لِمَنْ هُوَ أَوْثَقُ منه، أو مُخَالفًا جَمَاعةً من الثِّقات، أو مُخَالفًا مَنْ هُو أولَى منه بالقَبولِ، ويكون الشُّذُوذ فِي السَّنَدِ، وفِي الْمَتْنِ.
مِثَال الشُّذُوذ فِي السَّنَد: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السنن فقال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَوْسَجَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلا مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلا غُلامًا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ لَهُ أَحَدٌ؟» قَالُوا: لا، إِلا غُلامًا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِيرَاثَهُ لَهُ». (٢)
والصَّحيحُ المحفوظ: مَا رَوَاهُ الترْمِذِيُّ فِي السنن فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَوْسَجَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَجُلا مَاتَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلا عَبْدًا هُوَ أَعْتَقَهُ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِيرَاثَهُ». (٣)، فالمشهور عند أهل الحديث أنَّ الحديث من طريق
_________________
(١) رَوَاهُ أَبُو بَكرٍ البَيْهَقِيُّ (ت: ٤٥٨ هـ) عنه في معرفة السنن والآثار، دار قتيبة، بيروت سنة ١٤١٢ هـ، ق: عبد المعطي أمين قلعجي، (١/ ١٤٣)، برقم (١٦٩).
(٢) السنن، لأبِي دَاودَ، كِتَاب الْفَرَائِضِ، بَابٌ فِي مِيرَاثِ ذَوِي الأَرْحَامِ، (٣/ ١٢٤)، برقم (٢٩٠٥).
(٣) السنن للترمذي، أَبْوَابُ الْفَرَائِضِ، بَابٌ فِي مِيرَاثِ المَوْلَى الأَسْفَلِ، (٤/ ٤٢٣)، برقم (٢١٠٦).
[ ٤٦ ]
"سُفْيَان" وهو ابن عُيَيْنَةَ الْمَكيّ، وليس من طرق "حماد" وهو هنا ابن سَلَمَةَ البَصْرِيّ، فصار الحديث شاذًا من جهة الإسناد.
ومِثَال الشُّذُوذ فِي الْمَتْن: مَا رَوَاهُ الترْمِذِيُّ فِي السنن فقال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ العَقَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ». (١)
والصَّحيحُ المحفوظ: ليس مِن قَولِ النَّبِيِّ - ﷺ - وإنَّمَا هو من فعله - ﷺ -، كما أخرجه البُخَارِيُّ فِي صحيحه فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيد، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا صَلَّى
رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ». (٢)، وبهذا يُعْلَم أَنَّ الشَّاذَّ يُقابله الْمَحْفُوظ لاشْتِمَاله عَلَى صِفَةٍ مُقْتَضِية للترجيح ككثرة العدد أَو قُوَّة الحفظ، أو الأَوْلَى مِنهُ، وَيُحْكَم بِذَلكَ بالسَّبرِ والْمُقَارَنه بين الْمَرْويَّات وقَرَائِنِ الترجيح.