ثم بعد أبيات المقدمة فِي الْمَنْظُومَة بَدأَ النَّاظمُ ﵀ بأَوْلِ أَقْسَام عُلُومِ الحديث وهي من حيث اعتبار القبول والرد؛ فبدأ بالحديث الصَّحيح، وما يُمَيِّزُهُ عن غيره فقال:
٣ - أوَّلُها الصَّحِيحُ وَهْوَ مَا اتَّصل إسْنَادُهُ وَلَمْ يَشُذَّ أَوْ يُعَلْ
٤ - يَرْوِيهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِه مُعْتَمَدٌ فِي ضَبْطِهِ وَنَقْلِه
أوَّلُها: أي أول أقسام الحديث، الصَّحِيحُ: في اللُّغةِ ضد المريض، وفي الاصطلاح عَرَّفه النَّاظمُ ﵀ بشروطه وأوصافه، وهَذَا نَوْعٌ مِن أَنْواعِ تعريف الحد الاصطلاحي، أَنْ يُذكر التَّعريف بِذِكر الشُّروط، ويكون التَّعريف بالمثال أحيانًا، وكذا قد يكون التَّعريف بالماهية أَحيانًا، قَولُهُ: وَهْوَ أي حَدُّ الحديث الصَّحِيح، مَا اتَّصل إسْنَادُهُ: أي الشرط الأول: الاتصال في السند، وتعريف الإسناد: هُوَ حكاية طَرِيق الْمَتْن، أي سلسلة الرَّواة الذين رَوُوا متن
[ ١٦ ]
الحديث، وأما الاتصال في السند يَعنِي: أَنْ يروي كُلُّ رجل في الإسناد عن شيخه الذي فوقه من غير واسطة بينهما من أول السند إلى منتهاه.
خريطة ذهنية لأقسام الحديث من حيثُ اعتبار القبول والرد
قَالَ النَّاظمُ: وَلَمْ يَشُذَّ، يَصِحُ أَنْ تقول: "يَشُذّ أو يَشِذّ"، أي الشرط الثاني: سَلامَةُ الحديثِ من الشُّذُوذ وهو عند أَهْلِ اللغة: الإنفراد، وقال بعضهم إنَّ الشُّذُوذ هو الْمُخَالَفة، والشُّذُوذ في الاصطلاح: هو ما رواه الثقة مُخَالفًا لمن هو أَوثَقُ منه، أو مُخَالفًا لجماعةٍ من الثِّقَات، قَوْلُهُ: أَوْ يُعَلْ أي الشرط الثالث: سَلامَةُ الحديثِ مِنَ العِلَّةِ وهي عند أَهْلِ اللغة: المرض، والعِلَّةُ في الاصطلاح: هي سَبَبٌ غَامِضٌ خَفيٌّ يَقْدحُ في صِحَّةِ الحديث، مع أنَّ الظاهر السَّلامة منه، وبين العِلَّةِ والشُّذُوذ عُمُوم وخُصُوص مُطلق، فَكُلّ شُذُوذ عِلَة، وليس كُلُّ عِلّة شُذُوذًا، وكُلٌّ مِنَ الشُّذُوذ والعِلَّة نَاتِج عن خطأ الرَّاوي في حديثه؛ ولكن قد خص بعض أهل الحديث - على المشهور- الشُّذُوذ بالخطأ الذي يُسْتَدل به على تفرد الرَّاوي، والعِلَّة بالخطأ الذي يُسْتَدل به على الاختلاف بين الرواة، ولا يُدْرِك العِلَّة إِلا خَواص الْمُحَدِّثين.
قَوْلُه: يَرْوِيهِ عَدْلٌ: أي الشرط الرابع: أَنْ يكونَ رُواته عُدُولًا، والعَدَالةُ: حَدَّها العلماءُ بشروط: الْمُسلم الْمُكَلف السَّالِم من الْفسق وصغائر الخسة، وأكثر أحواله طاعة الله.
[ ١٧ ]
ضَابِطٌ: أي الشرط الخامس: أي يجب أَنْ يكون رواة الحديث ضابِطينَ، وهو نوعان:
١ - ضَبطُ صَدْر: وَهُوَ أَن يثبت مَا سَمعه بِحَيْثُ يتَمَكَّن من استحضاره مَتى شَاءَ.
٢ - ضَبطُ كِتَاب: وَهُوَ صيانته عِنْده من يَوْم سمع مَا فِيهِ وَصَححهُ إلى أَن يُؤَدِّي مِنْهُ.
قَوْلُهُ: عَنْ مِثْلِه أي يجب أَنْ يكون كُلُّ راوٍ في الإسناد مُتَّصِفًا بالعدالة والضبط عَن مثله من أَول السَّنَد إلى مُنْتَهَاه، مُعْتَمَدٌ فِي ضَبْطِهِ: إشارة لضبط الصدر، وَنَقْلِه: إشارة لضبط الكتاب. فخلاصة ذلك أنَّ الحديث الصحيح هو: مَا اتصَل إِسْنَادُه بِرِوَايةِ عَدْلٍ تَام الضَّبط مِن غَير شُذُوذٍ وَلا عِلّةٍ قَادِحة، وهو قسمان عند أهل الحديث: صحيح لذاته وصحيح لغيره،
ومثال الصحيح لذاته متوفر بكثرةٍ في الصحيحين، ومثاله: قَالَ البُخَاريُّ فِي أول حَدِيثٍ في جامعه: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ ابْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».