ثم انتقل النَّاظمُ ﵀ إلى مَبْحَثٍ آخَر لا يفيد الصِّحة أو الضَّعف فَقَالَ:
١٤ - وَكُلُّ مَا قَلَّتْ رِجَالُهُ عَلاَ وَضِدُّهُ ذاك الذي قد نَزَلا
قوله: وَكُلُّ مَا قَلَّتْ رِجَالُهُ أي: كل حَدِيثٍ قَلَّتْ فيه عدد الوسائط بين الرَّاوي وبين رَسُول الله - ﷺ - عَلاَ أي: هو حَدّ الحديث العَالِي، والعُلُوّ إما أَنْ يكون مُطلَق أو نِسْبِي وصورة العُلُوّ الْمُطْلَق هو الْقرب من رَسُول الله - ﷺ - بِقِلِّةِ عدد الرِّجال، ومثاله: أنَّ البُخَاريّ تقدم عَلَى أَقْرَانه باثنين وعشرين حديثًا كُلّهَا ثُلاثِيَات - يَعْنِي ثَلاثَةَ رِجَالٍ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُول الله - ﷺ -، أوصله لهذا العُلُوّ خمَسةُ شُيوخٍ هم: المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وأَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، وعِصَامُ بْنُ خَالِدٍ، وخَلادُ بْنُ يَحْيَى. في حين أنَّ أَقْرانه لم يظفروا إلا بحديثٍ أو حَدِيثين ثُلاثِيَّات بينهم وبين رَسُول الله - ﷺ -.
وأَمَّا العُلُوّ النِّسبِي فله صور عدة منها:
١ - الْقُرب من إِمَامٍ من أَئِمَّة الحَدِيث ذِي صِفةٍ عَاليةٍ كالإمامِ مَالك أوِ الشَّافِعِيّ.
٢ - الْقُرب من مصنف كتاب من كُتب الحَدِيث الْمُعْتَبرَة.
_________________
(١) الجامع الصحيح، للبخاري، كِتَابُ العِلْمِ بَاب الفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ (١/ ٢٨)، (٨٣).
[ ٣٧ ]
٣ - العُلُوّ بتقدم السَّماع من الشيخ، فمن سمع قديِمًا كان أعلى.
وقول النَّاظم: وَضِدُّهُ ذاك الذي قد نَزَلا، ضِدُّهُ أَي: مَا قَلَّ عدد رِجَاله فِي السَّنَد، ذلك الَّذِي قد نزلا، بِأَلف الإطلاق أَي: هُوَ الْمُراد عِنْدهم بالنَّازِلِ لبُعده عَن النَّبِيِّ - ﷺ -، وهُوَ فِي مُقَابِلِ العَالِي فَإِنَّ كُلَّ قِسْمٍ من الْعُلُوّ يُقَابله قِسْمٌ مِنْ أَقسَامِ النَّازِلِ، أي فَمَا مِنْ إسْنَادٍ عَالٍ إلا ويُقَابله إسْنَادٌ نَازِل، والإسناد العالي لا يفيد الصِّحة أو الضَّعف؛ وإنَّمَا العُلُوّ لشرف القرب من رَسُول الله - ﷺ -، وقَالَ الإمامُ أَحْمَد: "طَلَبُ السَّنَد العَالِي سُنّةً عَمَّن سَلَف".
مثال الحديث العالي مقابل النَّازل:
السَّند العالي: أخرجه البُخَارِيُّ فِي صحيحه فقال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، أَنَّ أَنَسًا، حَدَّثَهُمْ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الأَرْشَ، وَطَلَبُوا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ، فَأَمَرَهُمْ بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ: «يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ القِصَاصُ»، فَرَضِيَ القَوْمُ وَعَفَوْا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ». (١)
السَّند النَّازل: أَخْرجَ مُسْلِمٌ الحديث نَفسه فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ جَرَحَتْ إِنْسَانًا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - الحديث (٢)، الْمُتأملُ في الإسنادِ يجد
_________________
(١) الجامع الصحيح، للبخاري، كِتَابُ الصُّلْحِ، بَاب الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ، (٣/ ١٨٦) برقم (٢٧٠٣).
(٢) الجامع الصحيح، لمسلم، كِتَابُ الْأَيْمَانِ، بَاب إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ فِي الْأَسْنَانِ، (٣/ ١٣٠٢)، برقم (١٦٧٥).
[ ٣٨ ]
أنَّ بين البُخَارِيِّ وَبَيْنَ رَسُولِ الله - ﷺ - ثَلاثَة رجالٍ؛ في حين أنَّ مُسْلِمًا بَيْنَه وَبَيْنَ رَسُولِ الله - ﷺ -، خَمْسَة رجالٍ.