ثم انتقل النَّاظمُ ﵀ إلى مَبْحَثٍ آخَر مِن حيث اعتبار عدد طُرُق الحديث، ولم يذكر النَّاظم - ﵀- الحديث الْمُتَوَاتِر؛ لأنَّه ليس مما يُفَتَّش عليه من جهة القَبُولِ أو الرَّد؛ وإنَّمَا هو مَقْبُولٌ باتفاق أَهْل الحديث؛ ولِكَوْنِهِ ليس مِنْ مَبَاحِثِ صِنَاعَتِهِم، وحَدُّ الحديث الْمُتَوَاتِر هو: مَا بَلَغت رُوَاتُهُ فِي الْكَثْرَة مَبْلَغًا أَحَالت الْعَادة تَواطُؤُهُم عَلَى الْكَذِبِ من أَوّلِ السَّندِ إلى آخره، والمتواتر قسمان: لَفْظِيّ ومَعْنَويّ. قَالَ النَّاظِمُ ﵀:
١٢ - عَزِيزُ مَرْوِي اثْنَيْنِ أوْ ثَلاَثَهْ مَشْهُورُ مَرْوِي فوْقَ مَا ثَلاثهْ
خريطة ذهنية لأقسام الحديث من حيثُ اعتبار عدد الطرق
قَوْلُهُ: عَزِيزُ: أَصْلُها بالتنوين "عَزِيزٌ" مِنْ عَزّ يَعِزُّ، وفي اللغة عَزِيزٌ: فَعِيلٌ، تَقُولُ عَزّ الرَّجل إذا قُوِّي سمي بذلك لكَونه تَقَوَّى بمجيئه من طَرِيقٍ أُخْرَى، أَو بِكَسْر الْعين بِمَعْنَى قَلَّ لِقلَّةِ وجُودِهِ فِي مَرْويَّات الحديث، قَوْلُهُ: مَرْوِي (١) اثْنَيْنِ أوْ ثَلاَثَهْ: أي أَنَّ حَدَّ الحديث العَزِيز هُوَ ما يَرْوِيهِ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَة وَلَو مِن طَبقَةٍ وَاحِدَةٍ مِن طَبَقَاتِهِ، وهَذا التَّعريف هُوَ ما ذَهَبَ إليه الحافظُ أَبُو عَمْرو ابن
_________________
(١) أَصْلُهَا مَرْوِيّ بالتَّشْدِيد وحُذِفَتْ الْيَاءُ لضرورة الشِّعر، مَراعاةً للأوزان.
[ ٣٢ ]
الصَّلاحِ وَتَبِعَه عَلَى ذَلِكَ النَّاظِم ﵀ (١)، ومثاله: عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -، «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (٢)، فإنَّك تجد فِي هذا الحديث أَنَّه قد رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - صَحَابِيَّان هما: أَنَسُ بنُ مَالكٍ - ﵁ -، وأَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -. وَرَاهُ تَابِعِيان عَنْ أَنَسِ بنِ مَالكٍ هما: قَتَادَة، وعَبْدِالعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ. كذا فِي صَحِيحِ البُخَاريّ. وكَذَلَك رَوَاهُ فِي طَبَقةِ أَتْبَاعِ التَّابِعِين عَنْ قَتَادَةَ اثنان هما: شُعْبَةُ، وَسَعِيدُ بْن أَبِي عُرُوبَةَ. وأَيضًا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ اثنان هما: إسْمَاعِيلُ بْنُ عُليّةَ، وَعَبْد الوَارِث. ولا يُشْتَرط أن يكون ذلك فِي جميع طَبَقَاتِ السَّند حَتَى يكون عَزِيزًا؛ وإنمَّا إذا رَوَاهُ اثْنَان أَوْ ثَلاثَةٌ وَلَو مِن طَبقَةٍ وَاحِدَةٍ مِن طَبَقَاتِهِ.
وأَمَّا قَولُ النَّاظمِ: مَشْهُورُ: فبإسقاط التَّنْوِين اسْمُ مَفْعُول، واشْتَهَر بِكَذَا: عُرِفَ بِهِ، قَوْلُهُ: مَرْوِيّ فَوقَ مَا ثَلاثَة مَا زَائِدَة، يَعْنِي أنَّ الحدِيثَ الْمَشْهُور هو مَا رَوَاهُ أَكْثَرُ مِن ثَلاثَةٍ فِي الطَبَقَةِ الوَاحِدة، وَلم يَصِلْ إِلِى حَدِّ التَّوَاتُر، وهي الشُّهْرة الاصطلاحيَّة. وقد سماه بعض المحدثين الْمُستَفِض (٣) من كثرة طرقه، وَمِثَاله: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ
_________________
(١) ذهب الحافظ ابن حجر إلى تعريف العَزيز بأَنَّهُ: "مَا رَوَاهُ اثنان فقط"، وهو اصطلاح خَاصٌ به.
(٢) الجامع الصحيح، للبخاري، كتاب الإيمان، بَابٌ: حُبُّ الرَّسُولِ - ﷺ - مِنَ الإِيمَانِ، (١/ ٢).
(٣) استعمله الإمام مسلم كما فِي مقدمة صحيحه (١/ ٥)، والحافظ ابن حجر في النزهة (ص ٤٩).
[ ٣٣ ]
عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». (١)، وأما الشُّهْرة غَير الاصطلاحيَّة: وهي أَنْ يُشْتَهَر الحدَيثُ بَيْنَ عُمُومِ النَّاس، أو بين جماعةٍ مُعَينَة منهم لهم اخْتِصَاص بِعِلمٍ مخصوص كالْمُفَسِّرِين والْمُحَدِّثِين والفُقَهَاءِ والأُصُولِيّين وأَهْلِ اللغة وغَيْرِهِم، ومثال ذلك: شُهْرَة حديث: "اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَاك الناَّسُ وَأَفْتَوْكَ" (٢) عند عامة النَّاس، واشْتَهر عند الفقهاء: "أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلاقُ" (٣)، تنبيه: يجب معرفة أنَّ الحدِيثَ الْمَشْهور الاصْطِلاحِيّ، وغَير الاصْطِلاحِيّ لا يُفِيدُ الصِّحَّة، أَو الْحسن، أَو الضعْف.
وأَمَّا الْحَدِيثُ الغَرِيبُ فحدُّه عند النَّاظمِ هو: مَا رَوَاهُ رَاوٍ وَاحِد فَقْط مُتَفَرِدًا بِهِ لم يُتَابِعُه عَلَيهِ أَحَدٌ، أَي تفرد فِي الْمَتْن أَو الإسناد بِأَمْرٍ لا يذكرهُ غَيره مِنَ الرُّواةِ، ومثاله: حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، حَدِيثٌ غَرِيبٌ فِي طَبَقَتَيْ الصَّحابة والتَّابعين، قال الحافظ في الفتح: "لِكَوْنِهِ فَرْدًا؛ لأَنَّهُ لا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ - ﵁ - إِلا مِنْ رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ، وَلا عَنْ عَلْقَمَةَ إِلا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا
_________________
(١) الجامع الصحيح، للبخاري، كتاب العلم، بَابٌ: كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ، (١/ ٣١)، برقم (١٠٠).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٢٩/ ٥٣٣) برقم (١٨٠٠٦) وغيره من طُرقٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مِكْرَزٍ، عَنْ وَابِصَةَ الأَسَدِيِّ بسند ضَعِيفٍ للانقطاع بين أَيُّوبَ، ووَابِصَةَ.
(٣) أخرجه أبو داود فِي السنن، كتاب الطلاق، بَابٌ فِي كَرَاهِيَةِ الطَّلاقِ، (٢/ ٢٥٥) (برقم ٢١٧٨) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُعَرِّفِ ابْنِ وَاصِلٍ، عَنْ مُحَارِبِ ابْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ -، مرفوعًا به. وأَعَلَّهُ الإمامُ ابنُ أَبِى حَاتِمٍ في العِلل بالإرسال، فَقَالَ عَنْ أَبِيهِ (١/ ٤٣١): " إنَّمَا هُوَ مُحَارِبُ عَنِ النَّبِى - ﷺ -، مُرْسَلا".
[ ٣٤ ]
اشْتُهِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَتَفَرَّدَ بِهِ مَنْ فَوْقَهُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَزَّار". (١)
تنبيه هام:
اعلَمْ رَحِمَكَ الله أنَّ الحديث العَزِيز أو الْمَشْهُور أو الغَرِيب لا يُفِيدُ الصِّحَّة أو الضَّعف؛ ولكن هي أنواع تُدْرَس من بَابِ مَعْرِفَة عَدَد الطُّرق والمتابعات، ولِتَمْييز الحديث الغَرِيب؛ فإنَّ ذلك يُفِيد فِي بَعْضِ مَبَاحث عُلُوم الحديث. وأَمَّا تقسيم الأخبار إلى الْمُتَوَاتِر والْمَشْهُور والآحاد؛ فهي لِتَسْهِيلِ دراسة هذه الأنواع، ولا يَنْبَنِي عَلَيهِ شيء من التَّأصِيل والاستنباط؛ فكُلُّ مَنْ استخدمه للاستنباط عَلَى أنَّ صفات الله تثبت بالْمُتَوَاتِر ولا تثبت بالآحاد فَهَذَا باطلٌ؛ فإنَّ الله قَدْ أقام الْحُجَّة والْمَحَجَّة بما صَحَّ عَن رَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].