ثم انتقل النَّاظمُ ﵀ إلى مَبْحَثٍ وهو الحديثِ الْمُدَبَّجُ فَقَالَ:
٢٧ - ومَا رَوى كُلُّ قَرِينٍ عَنْ أَخِهْ مُدّبَّجٌ فَاعْرِفْهُ حَقًّا وانْتَخهْ
قوله: ومَا رَوى كُلُّ قَرِينٍ عَنْ أَخِهْ أي الحديث الَّذِي رَوَاهُ كُلُّ قَرِينٍ عَنْ مثله الْمُسَاوِي لَهُ فِي الطَّبقةِ، مُدّبَّجٌ فِي اللغةِ اسم مفعول من دبّج مدبّج، ومَادَّة دَبّج من التَّحْسينِ والتَّزْيين. لأَنَّ فيه شدّة تحسين وتزيين وتَوَاضع، وهو أَنْ يَرْوِي القَرِينُ عَنْ قَرِينِهِ ففيها تَقَارب بينهما، وفِي الاصطلاح: هُوَ رِوَايةُ كُلُّ قَرِينٍ عَنْ قَرِينِهِ. وقوله: فَاعْرِفْهُ حَقًّا وانْتَخهْ أَي افتخر بِمَعْرِفَته واسْتَمْسِك بِهَذَا النَّوعِ؛ لأَنَّ فِيهِ حُسْنًا وَتَعَاونًا وَأَخْلاقًا بَيْنَ الأَقْرَانِ.
ومثاله: من الصَّحَابَة كَرِوَايَة كُلّ مِن عَائِشَة، وَأَبِي هُرَيْرَة ﵄ عَن الآخر، أَو من التَّابِعين كَرِوَايَة كل مِنْ الزُّهْرِيِّ، وَعُمَر بن عبد الْعَزِيز عَن الآخر، أَو من غَيرهمَا كَرِوَايَة كُلّ مِن مَالك، وَاللَّيْث عَن الآخر، وفائدته: الأَمْن
_________________
(١) المصدر نفسه، كِتَابُ الوُضُوءِ، بَاب فَضْلِ الوُضُوءِ، وَالغُرُّ المُحَجَّلُونَ، (١/ ٣٩)، برقم (١٣٦).
[ ٥٨ ]
من ظن الزِّيَادَة فِي السَّنَد فَإِذا روى اللَّيْث عَن مَالك مثلا وهما قرينان عَن الزُّهْرِيّ فَلا يظنّ أَن قَوْله عَن مَالك زَائِد، وَأَن الأَصْل رِوَاية اللَّيْث عَن الزُّهْرِيّ؛ فَلا يَقَعُ النَّاظِرُ فِي الأَسَانِيدِ فِي الوَهْمِ.