ثم انتقل النَّاظمُ ﵀ إلى مَبْحَثٍ آخَر مِن أَنْواعِ الحديثِ الضَّعِيف فَقَالَ:
ومَا أَتى مُدلَّسًا نَوعَانِ
١٩ - الأَوَّلُ: الاسْقَاطُ لِلشَّيْخِ وَأَنْ يَنْقُلَ عَمَّنْ فَوْقَهُ بِعَنْ وَأَنْ
٢٠ - والثَّانِ: لاَ يُسْقِطُهُ لَكِنْ يَصِفْ أَوْصَافَهُ بِمَا بِهِ لاَ يَنْعَرِفْ
قَولُهُ: ومَا أتى مُدَلَّسًا بِفَتْح اللام الْمُشَدّدَة وهو فِي اللغَةِ مِنَ الدَلَسِ ومَعْنَاه اخْتِلاط الظَّلام بِالنُّورِ، ويأتي بمعنَى الخفاء (١)، وفِي الاصطلاح: هُوَ نَوعَان: النَّوْعُ الأَوَّلُ تَدْلِيس الإسْنَادِ: وهو الإسْقَاطُ لِلشَّيْخِ وَأَنْ يَنْقُلُ عَمَّنْ فَوْقَهُ أَيِّ أَنْ يَرْوِيَ الرَّاوِي روايَتَه بِصيغَةٍ مُحْتَمِلَةٍ - بِعَنْ وَأَنْ - تُوهِمُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ شَيْخِه وَهُو لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، بل سَمِعَ منه بِوَاسِطِةِ شيخٍ آخر أَسْقَطهُ. وقد فَصَّل أَهْل
_________________
(١) لسان العرب، لابن منظور الأنصاريّ الإفريقيّ، (٦/ ٧).
[ ٤٣ ]
الحديث في رواية الْمُدَلِّس: فإذا صَرَّحَ فِي الرِّواية بالسماع قُبِل؛ وإذا لم يُصَرّح بالتَّحدِيثِ وأتى فيه بلفظ مُحْتَمَلٍ مثل: "عَنْ" أو "قَالَ" أو "أَنْ"، فلا يُقْبَل.
ومثاله: مَا أَخْرَجَه أَبُو دَاوُدَ فِي السنن فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ: كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ بِلالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ فَيَاتِي بِسَحَرٍ فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْظُرُ إِلَى الْفَجْرِ، فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى الحديث. (١)، الإسناد فيه مُحَمَّد بْن إِسْحَاقَ وهو مُدَلِّس وَصَفَهُ بِذَلكَ جَمَاعةٌ من
نقاد الحديث، ولَمْ يُصَرِّح هنا ابْنُ إِسْحَاقَ بالسَّماع ممن فوقه فِي الإسنادِ وهو مُحَمَّد بْن جَعْفَرِ، فلا يُقْبل حتَى يُصَرِّح بالتَّحدِيث مِنْ شَيخِهِ.
وأمَّا النَّوْعُ الثَّانِي تَدْلِيس الشُّيوخِ أو الأسْمَاءِ: وهو أَنَّ الرَّاوي الْمُدَلِّس لاَ يُسْقِطُهُ أَيِّ يَعْنِي شيخه؛ لَكِنْ يَصِفْ أَوْصَافَهُ بِمَا بِهِ لاَ يَنْعَرِفْ، أَيِّ أَنَّ الرَّاوي يَصِف شَيخه بأوصافٍ لم يُشْتَهر بِهِا مِنْ اسمه أو كُنْيَتِه أو نَسَبِه أَو لقبه، والمقصود من ذلك إيهام السَّامع أَنَّ الشَّيخ الذي يَرْوِي عَنْهُ غير المعروف لدى السَّامِع فَيُظَن التَّعَدُّد والتَّكثّر ولا تَعَدُّد، ومثاله: رَوَى ابنُ جريجٍ - وهو مُدَلِّس - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى الأَسْلَمِيّ وهو ضَعِيف جِدًا، فَكَان يَقُولُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ أَبِي عَطَاءٍ! وأَبُو عَطَاء جَده. ومن تدليس الأسماء تدليس البُلدان كذلك، مِثل أَنْ يَقُولَ الرَّاوي حَدَّثَنِي فُلانٌ بالْمَدِينةِ وهو يَعْنِي الْمَدِينةَ التي يَسْكُن فِيهَا.
فائدةٌ دَقِيقةٌ:
لَمْ يَذْكُر النَّاظم الْمُرسَل الْخَفِيّ، وهو: أَنْ يَرْوِي الرَّاوي عَمَّن عَاصَرهُ أو لَقِيهُ ولَمْ يَسْمعْ منه، ومثاله: رواية قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَر - ﵃ -، وَقَتَادَةُ بْنُ
_________________
(١) السنن، لأبِي دَاودَ، كِتَاب الصَّلاةِ، بَابُ الأَذَانِ فَوْقَ الْمَنَارَةِ، (١/ ١٤٣)، برقم (٥١٩).
[ ٤٤ ]
دِعَامَةَ هو السَّدُوسِيُّ مُدِلِّس عَلَى جَلالَةِ قَدْرِه، كَانَ مَوْلِدُه: فِي سَنَةِ سِتِّيْنَ (٦٠ هـ)، ومعلوم أنَّ ابْنَ عُمَر - ﵃ - مات بِمَكْةَ سنة ثلاث وسبعين (٧٣ هـ)، الْمُتَأمِّل يَجد أَنَّ قَتَادَةَ عَاصَر ابْنَ عُمَر - ﵃ -؛ ولكِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ شَيْئًا، واختلف أَهْلُ الحدِيثِ فِي صُورةِ الْمُرسَل الْخَفِيّ، هل يَدْخُل فِي التَّدليس أم لا؟، والأَوْلَى عدم إلحاقه بالتَّدليس، والفَرْقُ بَيْنَ التَّدِلِيسِ وبَيْنَ الْمُرْسَلِ الْخَفِيّ هو: أَنَّ التَّدْلِيس هُوَ رِوَاية الرَّاوِي عَنْ شَيْخِهِ مَا لَمْ يَسْمَعهُ مِنهُ. وأَمَّا الْمُرْسَل الْخَفِيّ: أَنْ يَرْوِي الرَّاوِي عَمَّنْ عَاصَره ولم يَلقه أو يَسْمَعْ مِنهُ.
مِن أَسْبَابِ التَّدلِيس:
١ - القُربُ مِن الشَّيخِ، والعُلُوّ فِي الإسْنَادِ.
٢ - أَحْيَانًا قد يَكُون لإخفاء الضَّعف أو الجهالة فِي الإسْنَادِ.
٣ - أَحْيَانًا يَكُون الرَّاوي خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ مِن عَيبِ شَيْخِهِ، أو بِدْعَتِهِ.