ثم قام النَّاظمُ ﵀ بتعريف الحدِيثِ الْمَقْلُوب وهو من أنواع الضَّعيف فَقَالَ:
والَمقْلُوبُ قِسْمَانِ تَلا
٢٢ - إبْدَالُ رَاوٍ مَا بِرَاوٍ قِسْمُ وَقَلْبُ إسْنَادٍ لِمَتْنٍ قِسْمُ
_________________
(١) المصدر نفسه، أَبْوَابُ الصَّلاةِ، بَاب مَا جَاءَ فِي الاضْطِجَاعِ، (٢/ ٢٨١)، برقم (٤٢٠).
(٢) الجامع الصحيح، كِتَابُ الجُمُعَةِ، بَابُ الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ، (٢/ ٥٥)، برقم (١١٦٠).
[ ٤٧ ]
والَمقْلُوبُ: فِي اللغة: ِ اسم مَفْعُول مِن "قَلْب الشَّيء" إذا صَرَفَه عَن وَجْهِه، وَهُوَ تَبْدِيل شَيْء بآخر، وفِي الاصطلاحِ: يَكُونُ الْمَقْلُوبُ تَارَةً فِي الإِسْنَادِ وَتَارَةً فِي الْمَتْنِ، قِسْمَانِ:
الأَوْلُ: إبْدَالُ رَاوٍ مَا بِرَاوٍ أيّ أَن يكون الحَدِيث مَعروفًا عند المحدثين براوٍ مَا فَيجْعَل مَكَانَهُ راو آخر فِي طبقته، أو يُقْلِب اسم الرَّاوي، أو يبدل اسم الرَّاوي بكنيته، وأمثلة ذلك:
١ - إبدالُ الرَّاوِي، فمثلًا الزُّهريِّ، عَن أَبِي سَلَمَةَ. يأتي الرَّاوي ويقلبه فَيُقُول: الزُّهْريّ عَنْ سَعِيدٍ، ومثاله: ما رَوَاهُ يَعْلَى بْنُ عُبيد الطَّنَافِسي، عن الثَّورِيِّ، عَنْ عَمْرو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (١)، غَلَط يَعْلَى فِي قَولِهِ: عَمْرو بْن دِينَارٍ والصَّحيحُ إنمَّا هُوَ عَبْد الله بن دينار، كَمَا رَوَاهُ الأئمة من أصحاب الثوري، وكما أخرجه النَّسائي فِي السنن فقال: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ». (٢)
٢ - إبْدَالُ اسم الرَّاوي، مثل: سَعَدُ بْنُ سِنَانٍ، يأتي الرَّاوي ويقول: سِنَانُ بْنُ سَعدٍ.
٣ - إبْدَالُ كُنْيَة الرَّاوِي، مثل: هُو مَعروف بِأَبِي سِنَانٍ، فَيَاتِي الرَّاوِي ويَقُول: عَنْ سِنَانٍ.
_________________
(١) أشار إليه علي بن عمر الدَّارقطنيُّ (ت: ٣٨٥ هـ) في العلل، طبعة دار طيبة، الرياض سنة ١٤٠٥ هـ، ق: محفوظ الرحمن زين الله السلفي، (١٣/ ١٦٨)، سؤال رقم (٣٠٥٣).
(٢) السنن، للنسائي، كِتَابُ الْبُيُوعِ، ذِكْرُ الاخْتِلافِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، (٧/ ٢٥١)، برقم (٤٤٨٠).
[ ٤٨ ]
٤ - التَّقْدِيم والتَّأخير، فَيَجْعل شَيْخِ الرَّاوِي تِلْمِيذه، وَبِالْعَكْسِ.
وأَمَّا القِسْمُ الثَّاني: قَلْبُ إسْنَادٍ لِمَتْنٍ أي أنَّ الرَّاوي يَرْوِي مَتْن حَديث مَا بإسنادِ حديثٍ آخر له مَتْن غيره، فَيجْعَل إسناد الحديث الثَّانِي لِمَتْنِ الحديث الأول، وقد يقع هذا إمَّا خطأ أو عمدًا، فأمَّا مثال ما وقع من ذلك بالخطأ: مَا أَخْرَجه الترْمِذِيّ في العلل الكبير فقال: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارِظٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ». سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَسَأَلْتُ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ عَنْهُ فَأَبَى أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَالَ: هُوَ غَلَطٌ، قُلْتُ لَهُ: مَا عِلَّتُهُ؟ قَالَ: رَوَى عَنْهُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارِظٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ». (١)
وأصل القَلبِ الذي اعترى هذا الحديث، أّنَّ مَعْمَرَ بْنَ رَاشِدٍ -وهو ثِقَةٌ ثَبْت- أوهم فأبدل إسناد حديث «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ»، بإسناد حديث «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»، مُخَالِفٌ بذلك جمعًا من الثقات، وأَشَارَ إلِى هذا الحافظ البيهقي في السنن فقال: "وخَالَفَهُم مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ فَرَواهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ إبْرَاهِيم بْنِ عَبْدِالله بْنِ قَارِظٍ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزيد، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قال: قال رسُول اللهِ ﷺ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ». (٢)
_________________
(١) العلل الكبير للترْمِذِيِّ، رتبه أبي طالب القاضي، طبعة عالم الكتب، بيروت، سنة ١٤٠٩ هـ، تحقيق: السيد صبحي السامرائي، (١/ ١٢١) برقم (٢٠٨).
(٢) البيهقي: أحمد بن الحسين، أبو بكر (ت: ٤٥٨ هـ)، السنن الكبرى طبعة مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، سنة ١٤١٤ هـ، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، (ج ٤/ص ٢٦٥).
[ ٤٩ ]
وأما تَعَمُد قَلْب إسْنَاد لِمَتْنٍ: إِنَّمَا يفعل ذَلِك لقصد الْكَشْف عَن حَالِ الْمُحدث مِثَاله مَا وَقع لأهل بَغْدَاد مَعَ إِمَام الْفَنّ البُخَارِيّ لما قدم عَلَيْهِم جمعُوا لَهُ مائَة حَدِيث وَجعلُوا متن هَذَا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هَذَا الْمَتْن لمتن آخر وألقوا ذَلِك عَلَيْهِ فَرد كل متن إِلَى إِسْنَاده وكُلّ إسنادٍ إِلَى مَتنه، فَأقر لَهُ النَّاس بِالْحِفْظِ وأذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ.