الْمُتأَمِّلُ الْمُنْصِفُ يجد أَنَّ البَيْقُونِي ﵀ على الرغم من أنَّه لم يكن مشهورًا بين النَّاس، ولا يُعْرَف له ترجمة عن حياته وشيوخه وتلاميذه ونحو ذلك - كما أفاد ذلك جمع من الشُّرَاح ممن هو قريب العهد بالنَّاظم (١) - ولا يُعْلَم له مؤلفات إلا هذه المنظومة، نَشَراللهُ عِلْمَهُ بين النَّاس واستفاد منه الكبير والصغير والقاصي والداني؛ فإنَّه بذلك أشبه السلف رضوان الله عليهم قَدَرًا؛ فإنَّ أَئِمَّةَ السَّلفِ رضوان الله عليهم كانوا أكثر علمًا وأقلّ كلامًا، وأكبر نفعًا، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: "وانظر إلى أَكَابِر الصَّحابة وعُلَمَائِهِم كأَبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، ومُعَاذٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وزَيدِ بنِ ثَابِتٍ - ﵃ - كيف كَانَ كلامهم أَقلّ من كَلامِ ابنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - وهُم أَعْلمُ منه، كذلك كلام التَّابعين أكثر من الصَّحابة والصَّحابة أعلم منهم؛ فليس العِلم بكثرة الرِّواية ولا بكثرةِ المقال؛ ولَكِنَّهُ نُور يقْذِفُه اللهُ في قَلْبِ العبد المؤمن فَيَفْهَم بهِ الْحَقَّ، ويُمَيِّز به بَيْنَهُ وبَيْنَ البَاطل، ويُعبر عَنْ ذَلك بِعِبَاراتٍ وَجِيزةٍ مُحَصلة للمقَاصِد" (٢). رَزَقَنَا اللهُ حُبَّهُم، وجَعَلنا من حِزبهم، ومَلأ قُلُوبَنَا من مَعَارِفِهم وعُلُومِهم.
اسم النَّاظم: كما في مخطوطات المنْظُومَة البَيْقُونِيَّة، عمر - أو طه - بن محمد بن فتوح البَيْقُونِي الدِّمَشْقِيّ، وأَنَّه توفي سنة ١٠٨٠ هجرية، أو كان حيًا قبل ذلك
_________________
(١) قال الحموي (ت: ١٠٩٨ هـ) في شرحه تلقيح الفكر بشرح منظومة الأثر: (ولم أقف للنَّاظم رحمه الله تعالى على ترجمة يعلم منها اسمه وحاله ولا أدري ما هذه النسبة هل هي لبلدة أو قرية أو أب أو جد"، الشرح مخطوطة منها صورة في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
(٢) فضل علم السلف على الخلف، لعبد الرحمن بن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ)، (ص ٥).
[ ١٣ ]
العام من غير أن يُعرف تاريخ وفاته على وجه التحديد. وأما النسبة "البَيْقُونِي"، فقد قال الشيخ بدر الدين الحسني (ت: ١٣٥٤ هـ) في آخر صفحة من شرحه المسمى بـ (الدرر البهية) ما نصه: " [البيقوني] توقَّف في هذه النسبة غالب من كتب هنا، ورأيت لبعضهم أنها إلى بيقون قرية في إقليم أذربيجان بقرب الأكراد". وأما "الدِّمَشْقِيّ"، فقد يكون أصله من أذربيجان لكنَّه هو أو آباؤه وأجداده ممن سكن دمشق فَنُسِبَ إليها.
[ ١٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
شَرحُ الْمَنْظُومَةِ البَيْقُونِيَّةِ
١ - أبدأُ بالحمدِ مُصَلِّيًا عَلَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ نبيٍّ أُرْسِلا
٢ - وذِي من أقْسَامِ الحَدِيثِ عِدَّهْ وَكُلُّ واحدٍ أَتَى وحدَّه
قَالَ النَّاظمُ ﵀: أَبدأُ مَنْظُومَتِى بِالْحَمْد لله تَعَالَى اقْتِدَاءً بِالْكتابِ الْعَزِيز، مُصَلِّيًا أَي: أُصَلِّي فَهِيَ حَال للتَعْبِير عَلَى دَوَامِ الصَّلاة عليه - ﷺ -، [وَمُسَّلمًا] عَلَى سيدنَا مُحَمَّد خير نَبِي أُرْسِلا أَي: أنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - هو خَير من أُرْسِلَ للخَلقِ، واستخدم النَّاظم في أُرْسِلا ألف الإطلاق للدَّلالة على أنَّه أفضل من أُرْسِل، وذِي اسم إشارة إلى الْمَنْظُومَةِ وما تَحويهِ مِنْ أَقْسامِ الحديث، وعبر النَّاظمُ بـ مِنْ للتبعيض لأنَّه لم يَذكُر مِنْ أنواع الحديث إلا اثنتين وثلاثين نَوعًا؛ في حين أن ابن الصَّلاح ذَكَرَ بضعة وستين نَوعًا، قَولُهُ: عِدَّه أي أَنَّ هذه الأنواع كثيرة جدًا، والتَّحقيق أَنَّ كُلَّ هذه الأنواع تدخل تحت ثلاثة أقسام الصَّحيح والحسن والضعيف، وَكُلُّ واحدٍ أَتَى وحدَّه: بِالدَّال الْمُشَدّدَة الْمَفْتُوحَة أي كُلّ نوع مِنْ هذه الأنواع يأتي في هذا النَّظم مع تعريفه الاصطلاحي الجامع المانع الذي يُمَيِّزُهُ عن غيره، وأصل التقسيم في مُصْطَلحِ الحديث يكون من ثلاث جهات:
١ - من حيث اعتبار القبول والرد.
٢ - من حيث اعتبار من أُسْنِدَ إِليهِ.
٣ - من حيث اعتبار عدد طرق الحديث.
[ ١٥ ]
وموضوع علم الحديث معرفة الرَّاوي (الإسناد)، والمروي (المتن) من حيث القبول والردّ، وإليك هذه الخريطة الذِّهنية لِغَالب أَقْسَام الحديث؛ حتى يكون عندك تصور إجمالي لها.
خريطة ذهنية لأقسام الحديث