في هذه المسألة قولان للعلماء: قول بالمنع، وآخر بالجواز.
_________________
(١) المصدر نفسه ص٤١٩.
(٢) المصدر نفسه ص٤٢٠.
(٣) هدي الساري ص٤٣٢.
(٤) المصدر نفسه ص٤٣٣.
(٥) المصدر نفسه ص٤٦٦.
[ ٣٥ ]
القول الأول:
من أخذ على التحديث أجرًا فلا تقبل روايته، وإليه ذهب الإمام أحمد وإسحاق
بن راهويه، وأبو حاتم الرازي، وحماد بن سلمة، وسليمان بن حرب وغيرهم (١).
القول الثاني:
قبول رواية من أخذ على التحديث أجرًا، وممن ذهب إلى هذا القول: أبو نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، وعلي بن عبد العزيز المكي البغوي، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وطاووس، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهشام بن عمار وغيرهم (٢).
والظاهر أنه لا تعارض بين هذه الأقوال إذ المنع مرتب على ما يمكن أن يجر إليه أخذ العوض على التحديث من التكثر في الرواية المفضي إلى الكذب، والجواز محمول على من هو ثقة ثبت له عذر في أخذ العوض كأن يكون فقيرًا، وله عيال يجب عليه مؤونتهم، وانقطاعه للتحديث يؤدي إلى ترك الكسب لهم، وإلى هذا نبّه الإمام السخاوي - ﵀ - حيث قال: " قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد، مثل ما قاما به: عفان، وأبو نعيم. يعني بقيامهما عدم الإجابة في المحنة، وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث. ووصف أحمد مع هذا عفان بالمتثبت. وقيل له: من تابع عفان على كذا؟ فقال: وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد، وأبا نعيم الحجة الثبت، وقال مرة أنه يزاحم به ابن عيينة، وهو على قلة روايته أثبت من وكيع، إلى غير ذلك من الروايات عنه، بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله، فيمكن الجمع بين هذا، وإطلاقهما كما مضى أولًا، عدم الكتابة بأن ذلك في حق من لم يبلغ هذه المرتبة في الثقة والتثبت، والأخذ مختلف في الموضعين " (٣).
_________________
(١) انظر: الكفاية ص١٨٤ - ١٨٦، وعلوم الحديث ص١٠٧.
(٢) انظر: الكفاية ص١٨٧ - ١٨٨، وعلوم الحديث ص١٠٧، وفتح المغيث: ج١ ص٣٧٨.
(٣) فتح المغيث: ج١ ص٣٧٨.
[ ٣٦ ]
وواضح أن الإمام البخاري يذهب إلى هذا الرأي، فقد روى عن شيوخ يأخذون الأجرة على التحديث منهم:
١) أبو نعيم الفضل بن دكين (١).
٢) عفان بن مسلم (٢).
٣) يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدروقي (٣): الحافظ المتقن صاحب المسند. فقد روى النسائي عنه - في سننه - حديث يحي بن عتيق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. رفعه: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم (٤) "، وقال عقبه: إنه لم يكن يحدث به إلا بدينار، ومع ذلك روى له البخاري والجماعة.
٤) هشام بن عمار (٥): قال ابن عدي: سمعت قسطنطين يقول: حضرت مجلسه فقال له المستملي من ذكرت؟ فقال له: بعض مشايخنا، ثم نعس فقال له المستملي: لا تنتفعون به. فجمعوا له شيئًا فأعطوه فكان بعد ذلك يملي عليهم، بل قال الإسماعيلي عن عبد الله بن محمد بن سيار. إن هشامًا كان يأخذ على كل ورقتين درهمين ويشارط، لذلك قال ابن وارة: عزمت زمانًا أن أمسك عن حديث هشام. لأنه كان يبيع الحديث، وقال صالح بن محمد (٦): إنه كان لا يحدث ما لم
٥)
_________________
(١) اسمه: عمرو بن حماد بن زهير بن درهم التميمي، أحد الأئمة، من شيوخ البخاري، مات سنة ٢١٨هـ ترجمته في: تهذيب التهذيب ج٨ ص٢٤٣. وتاريخ بغداد ج٦ ص٣٤٦، والعبر: ج١ ص٣٧٧.
(٢) أحد الأعلام، قال العجلي: ثقة ثبت صاحب سنة. مات سنة ٢١٩هـ، ترجمته في: تاريخ بغداد: ج١٢ ص٢٦٩، وتذكرة الحفاظ: ج١ ص٣٧٩، وشذرات الذهب: ج٢ ص٤٧.
(٣) كان أحد الحفاظ المتقنين، صنف " المسند "، مات سنة ٢٥٢هـ، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٥٠٥.
(٤) أخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب الماء الدائم (١/ ٤٩) حديث رقم (٥٩).
(٥) هشام بن عمار بن نصير بن مسيرة الدمشقي، روى عن مالك وخلق، وروى عنه البخاري وغيره. مات سنة (٢٤٥هـ). ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٤٥١ - وشذرات الذهب: ج٢ ص١٠٩.
(٦) صالح بن محمد بن عمر بن حبيب الأسدي مولاهم البغدادي المعروف بصالح جزرة، نزيل بخاري. قال الإدريسي: ما أعلم في عصره بالعراق ولا بخرسان مثله في الحفظ. مات سنة (٢٩٣هـ)، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٦٤١ وتاريخ بغداد: ج٩ ص٣٢٢.
[ ٣٧ ]
٦) يأخذ (١). ومع هذا كله لم ير الإمام البخاري ذلك قادحًا في عدالته فقد روى له في "صحيحه ". وكذا روى له أصحاب السنن.
الربط بين العدالة والمروءة والكذب:
بعد مناقشة شروط العدالة والكلام على المروءة يتأكد عندما مبدأ أن هذه الشروط التي تكلمنا عنها لإنها هي لحدوث ثقة واطمئنان في النفس لصدق الراوي، وأن إرتكاب بعض الكبائر كسب الصحابة والبدعة لا يقدح في هذا التلازم ولا يمنع من ترجيح جانب صدقهم وقبول روايتهم.
قال موفق الدين في "المغني" (١٠/ ١٤٩): (وقد روى أبو مسعود البدري، قال: قال رسول الله - ﷺ -:» إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت «. يعني من لم يستح صنع ما شاء. ولأن المروءة تمنع الكذب، وتزجر عنه، ولهذا يمتنع منه ذو المروءة وإن لم يكن ذا دين. وقد روي عن أبي سفيان، أنه حين سأله قيصر عن النبي - ﷺ - وصفته فقال: والله لولا أني كرهت أن يؤثر عني الكذب، لكذبته. ولم يكن يومئذ ذا دين. ولأن الكذب دناءة، والمروءة تمنع من الدناءة. وإذا كانت المروءة مانعة من الكذب، اعتبرت في العدالة كالدِّين).
قال الآمدي في "إحكام الأحكام" (٢/ ٧٧): (وأما بعض الصغائر فما يدل فعله على نقض الدين، وعدم الترفع عن الكذب وذلك كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، واشتراط أخذ الأجرة على إسماع الحديث ونحوه. وأما بعض المباحات فيما يدل على نقص المروءة، ودناءة الهمة، كالأكل في السوق والبول في الشوارع وصحبة الأراذل، والإفراط في المزح. ونحو ذلك مما يدل على سرعة الإقدام على الكذب، وعدم الاكتراث به. ولا خلاف في اعتبار اجتناب هذه الأمور في العدالة المعتبرة في قبول الشهادة والرواية عن النبي ﷺ؛ لأن من لا يجتنب هذه الأمور أحرى أن لا يجتنب الكذب، فلا يكون موثوقا بقوله).
قال الشيخ مشهور في "المروءة" (ص/٢٨٩): (المروءة تمنع من الكذب
_________________
(١) فتح المغيث: ج٣ ص٣٧٩.
[ ٣٨ ]
كالعدالة؛ فيجب اعتبارها فيه. قال ابن قدامة: " وإذا كانت المروءة مانعة من
الكذب، اعتبرت في العدالة كالدِّين " فالكذب دناءة، والمروءة تمنع منه؛ فحقَّقَت ما من أجله أشترطت العدالة، وقياسا على اشتراط الإسلام فإنه يمنع من الكذب؛ فكذا المروءة).