قد قدح كثير من الورعين في بعض الرواة بسبب علاقتهم بالسلطان، وخاصة إذا كان سلطان جور. ولكن ذلك في واقع الأمر لا يقدح في العدالة، ولا يوجب رد الرواية. ما كان الراوي متصفًا بالصدق مجانبًا للكذب، وقدح من قدح فيهم، إنما كان على سبيل الهجر والتأديب الشرعي كي يكفوا عن إعانة الظلمة - لا غير - قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: " أعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به. وكذا عاب
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الآذان، باب الذكر بعد الصلاة حديث رقم (٨٤١) ورقم (٨٤٢) ج٢ ص٣٧٨ مع الفتح.
(٢) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة حديث رقم (١٢١) ج١ ص٤١٠.
[ ٣٣ ]
جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا، فضعفوهم لذلك، ولا أثر لذلك
التضعيف مع الصدق والضبط. والله الموفق " (١).
وهذا الذي قرره الحافظ هو الحق - إن شاء الله - ويشهد له صنيع الإمام البخاري - ﵀ - فقد روى في "صحيحه" عن رجال كثيرين ضعفوا بسبب من هذه الأسباب، ولم ير ذلك قادحًا في عدالتهم وموجبًا لرد رواياتهم.
ومن هؤلاء:
١ - أحمد بن واقد الحراني:
قال ابن نمير: تركت حديثه لقول أهل بلده.
قال الميموني: قلت لأحمد: إن أهل حران يسيئون الثناء عليه فقال: أهل حران قل أن يرضوا عن إنسان، هو يغشى السلطان بسبب ضيعه له. فأفصح أحمد بالسبب الذي طعن فيه أهل حران من أجله، وهو غير قادح، وقد قال أبو حاتم: كان من أهل الصدق والإتقان. وقد روى عنه الإمام البخاري، في الصلاة والجهاد والمناقب أحاديث شورك فيها عن حماد بن زيد، كما روى عنه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي وابن ماجة (٢).
٢ - حميد بن أبي حميد الطويل:
مشهور من الثقات المتفق على الاحتجاج بهم، وقال يحي بن يعلي المحاربي: طرح زائدة حديث حميد الطويل. قال الحافظ: " إنما تركه زائدة لدخوله في شيء من أمر الخلفاء " (٣). فلم يعتبر الأئمة ذلك قادحًا في عدالته، فقد روى له البخاري وسائر الجماعة.
٣ - حميد بن هلال العدوي:
قال الحافظ فيه: "من كبار التابعين وثقة ابن معين، والعجلي والنسائي وآخرون وقال يحي القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه. قلت: بين أبو حاتم الرازي: أن ذلك
_________________
(١) هدي الساري ص٤٠٤.
(٢) المصدر نفسه ص٤٠٦.
(٣) المصدر نفسه ص٤١٩.
[ ٣٤ ]
بسبب أنه دخل في شيء من عمل السلطان، وقد احتج به الجماعة " (١).
٤ - خالد بن مهران الحذاء:
أحد الأثبات، وثقة أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد، وتكلم فيه شعبة وابن علية. إما لكونه دخل في شيء من عمل السلطان، أو كما قال حماد بن زيد، قدم خالد قدمة من الشام، فكأنما أنكرنا حفظه " (٢). فلم يعتبر ذلك البخاري ولا غيره قادحًا فيه، فقد روى له هو وسائر الجماعة.
٥ - عاصم بن سليمان الأحول:
ثقة، حافظ. وثقة أحمد وابن معين، والعجلي وابن المديني وغيرهم، وتركه وهيب لأنه أنكر بعض سيرته. قال الحافظ: " كان يلي الحسبة بالكوفة قال ابن سعد " (٣) ونجد الإمام البخاري قد وثقه وروى له في صحيحه ولم يلتفت إلى ما قيل فيه.
٦ - عبد الله بن ذكوان:
أبو الزناد المدني: أحد الأئمة الأثبات الفقهاء، ويقال إن مالكًا كرهه لأنه كان يعمل للسلطان (٤) لكن نجد البخاري قد وثقه وروى له، وكذا سائر الجماعة.
٧ - مروان بن الحكم:
تكلم فيه من أجل الولاية، لكن لم ير الأئمة ذلك قادحًا في عدالته، فقد روى له البخاري أحاديثه التي رواها عنه سهل بن سعد الساعدي، وعروة بن الزبير، وعلي بن الحسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وقد اعتمد مالك رأيه وحديثه وكذا بقية الجماعة سوى مسلم (٥).
المسألة الثالثة: