قوله: (وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإنَّ كثيرًا من العِلَل يأبَوْنها).
١ - قوله: (وفيه نظر) ظاهر هذه العبارة أن الضمير يعود لاشتراط نفي الشذوذ والعلة في الحديث الصحيح، وأن اشتراطهما فيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء دون المحدثين، وعبارة شيخه ابن دقيق العيد في الاقتراح صريحة في ذلك حيث قال: [الصحيح: ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التَّيقُظ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة، على ما قُرِّر في الفقه، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسندًا. وزاد أصحاب الحديث أن لا يكون شاذًا ولا معلَّلًا. وفي هذين الشرطين نَظَرٌ على مقتضى مذهب الفقهاء، فإن كثيرًا من العلل (التي) يعلِّل بها المحدثون الحديث لا
[ ١٠٥ ]
تجري على أصول الفقهاء].
(وبعد فالذي يظهر أنه هاهنا ثلاث وجوه للتعقب على الإمام الذهبي في هذه العبارة:
الوجه الأول: قد تعقب البعض هنا بأنهما أطلقا الخلاف في اشتراط خلو الحديث من الشذوذ والعلة، ولكنهما لم يفصلا بعد ذلك إلا في الكلام على العلة دون الشذوذ.
قال الصنعاني في توضيح الأفكار (١/ ١٤): [كلام الشيخ تقي الدين تنظير على شرطي السلامة من الشذوذ من العلة ولم يبين وجه النظر إلا في اشتراط السلامة من العلة دون الشذوذ؛ فالعلة قاصرة عن المدعى].
والصحيح أنه لا وجه للتعقب عليهما من هذه الناحية؛ وذلك لأن كلام الإمام الذهبي، وشيخه ابن دقيق العيد صريح في أن الفقهاء لا يشترطون خلو الحديث من الشذوذ مطلقًا، ولكنهم يتفقون مع المحدثين في اشتراط خلو الحديث من بعض العلل، وهي القادحة فقط، ولذا فقد لزم ذلك منهما التنبيه على موضع الاتفاق وهو بعض العلل، وأما الشذوذ فكلامهما في أول عبارتهما صريح في عدم اشتراط الفقهاء لخلو الحديث الصحيح منه، ولذلك لم يحتاجا لإعادة التنبيه اكتفاءً بما سبق من كلامهم.
ومما يؤكد مذهب الفقهاء في الشاذ ما نقله الصنعاني في التوضيح (١/ ٣٧٨) عن ابن حجر حيث قال: [قال الحافظ ابن حجر إنه يمكن بأن يجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في رسم الصحيح إنما يقوله المحدثون وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك فأهل الحديث يشترطون أن لا يكون الحديث شاذا ويقولون إن من أرسل عن الثقات فإن كان أرجح ممن وصل من الثقات قُدِّمَ والعكس ].
الوجه الثاني: ظاهر عبارة الإمام الذهبي أن المحدثين يشترطون في الحديث الصحيح خلوه من الشذوذ، وهذا متعارض مع ما قاله ابن حجر، قال السيوطي في التدريب (١/ ٦٥): [قيل لم يفصح - أي ابن كثير - بمراده من الشذوذ هنا وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال أحدها مخالفة الثقة لأرجح منه والثاني
[ ١٠٦ ]
تفرد الثقة مطلقا والثالث تفرد الراوي مطلقا ورد الأخيرين فالظاهر أنه أراد هنا الأول، قال شيخ الإسلام: وهو مشكل لأن الإسناد إذا كان متصلا ورواته كلهم عدولا ضابطين فقد انتفت عنه العلل الظاهرة ثم إذا انتفى كونه معلولا فما المانع من الحكم بصحته فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه أو أكثر عددا لا يستلزم الضعف بل يكون من باب صحيح وأصح. قال: ولم يرو مع ذلك عن أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة وأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين وغيرهما فمن ذلك أنهما أخرجا قصة جمل جابر من طرق وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن وفي اشتراط ركوبه وقد رجح البخاري الطرق التي فيها الاشتراط على غيرها مع تخريج الأمرين ورجح أيضا كون الثمن أوقية مع تخريجه ما يخالف ذلك ومن ذلك أن مسلما أخرج فيه حديث مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر (١) وقد خالفه عامة أصحاب الزهري كمعمر ويونس وعمرو ابن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب وشعيب وغيرهم عن الزهري فذكروا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح ورجح جمع من الحفاظ روايتهم على رواية مالك ومع ذلك فلم يتأخر أصحاب الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم وأمثلة ذلك كثيرة. ثم قال: فإن قيل يلزم أن يسمى الحديث صحيحا ولا يعمل به قلت لا مانع من ذلك ليس كل صحيح يعمل به بدليل المنسوخ قال وعلى تقدير التسليم إن المخالف المرجوح لا يسمى صحيحا ففي جعل انتفائه شرطا في الحكم للحديث بالصحة نظر بل إذا وجدت الشروط المذكورة أولا حكم للحديث بالصحة ما لم يظهر بعد ذلك أن فيه شذوذا لأن الأصل عدم الشذوذ وكون ذلك أصلا مأخوذ من عدالة الراوي وضبطه فإذا ثبت عدالته وضبطه كان الأصل أنه حفظ ما روي حتى يتبين خلافه].
وسوف يأتي - بمشيئة الله - الكلام على الشاذ في موضعه من الرسالة، وإنما الغرض هنا التنبيه. والله أعلم.،
_________________
(١) - أي بعد ركعتي الوتر.
[ ١٠٧ ]
الوجه الثالث: ظاهر عبارة الإمام الذهبي أن المحدثين يشترطون في الحديث الصحيح خلوه من العلة مطلقًا، بمعنى أنهم يعللون الحديث بمطلق العلة، مع أنه قد قال في الموقظة: (فإن كانت العلة غير مؤثرة، بأن يرويه الثبت على وجه، ويخالفه واه، فليس بمعلول. وقد ساق الدارقطني كثيرًا من هذا النمط في كتاب العلل فلم يصب، لأن الحكم للثبت) فهذا صريح منه في أن بعض العلل غير مؤثرة وأن الحديث مع وجود مثل هذه العلل ليس بمعلول.
وقال ابن حجر في النكت (١/ ٢٣٦): [ويحتمل إنه - أي ابن الصلاح - إنما لم يقيد العلة بالقدح في نفس الحد ليكون الحد جامعًا للحديث الصحيح المتفق على قبوله عند الجميع، لأن بعض المحدثين يرد الحديث بكل علة سواء كانت قادحة أو غير قادحة]. فقوله: (بعض المحدثين) صريح في بيان أن البعض الآخر من المحدثين لا يشترطون خلو الحديث الصحيح إلا من العلة القادحة.
وقد أطلق الخليلي أيضًا العلة على غير القادح وقسم الصحيح إلى معلول، وغير معلول حيث قال في الإرشاد (١/ ١٥٧ وما بعدها): [اعلموا رحمكم الله أن الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ على أقسام كثيرة: صحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح مختلف فيه، وشواذ، وأفراد، وما أخطأ فيه إمام، وما أخطأ فيه سيئ الحفظ يضعف من أجله، وموضوع وضعه من لا دين له فأما الحديث الصحيح المعلول فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلا وينفرد به ثقة مسندا فالمسند صحيح وحجة ولا تضره علة الإرسال ومثاله حديث رواه أصحاب مالك في الموطأ عن مالك قال بلغنا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال للملوك طعامه وشرابه ولا يكلف من العمل ما لا يطيق ورواه إبراهيم بن طهمان الخراساني والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحا يعتمد عليه وهذا من الصحيح المبين بحجة ظهرت وكان مالك - ﵀ - يرسل أحاديث لا يبين إسنادها وإذا استقصى عليه من يتجاسر أن يسأله ربما أجابه إلى الإسناد إلى آخر ما ذكر من أمثلة]. وراجع هنا أيضًا ما سبق ذكره
[ ١٠٨ ]
في تعريف العلة بالمعنى العام.