من أبهم على التعديل للعلماء في قبول روايته أقوال:
القول الأول: عدم قبول هذا التعديل أو التوثيق:
عزاه الزركشي في البحر المحيط (٦/ ١٧٤): لأبي بكر القفال الشاشي، والخطيب البغدادي، والصيرفي، والقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، والماوردي، والروياني، وعزاه ابن النجار في شرح الكوكب المنير (ص/ ٢٨٥) لبعض الأصحاب من الحنابلة، ولأكثر الشافعية. وهو ترجيح جماعة من العلماء منهم ابن الملقن في المقنع (١/ ٢٥٤)، والسخاوي في فتح المغيث (١/ ٣١٣)، والأبناسي في الشذا الفياح (١/ ٨٥ - ٨٦) وغيرهم.
قال ابن الصلاح في مقدمته (ص/٦١): [لأنه قد يكون ثقة عنده، وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده أو بالإجماع، فيحتاج إلى أن يسميه حتى يعرف. بل إضرابه عن تسميته مريب يوقع في القلوب فيه ترددًا].
القول الثاني: قبول هذا التعديل:
قال ابن النجار: [وصححه ابن الصباغ. قال ابن مفلح: وكذا أبو المعالي، واختار قبوله ; وأن الشافعي أشار إليه، وقبله المجد من أصحابنا، وإن لم يقبل
[ ٥٥ ]
المرسل والمجهول. فقال: إذا قال العدل: حدثني الثقة، أو من لا أتهمه، أو رجل عدل، ونحو ذلك. فإنه يقبل، وإن رددنا المرسل والمجهول; لأن ذلك تعديل صريح عندنا انتهى. وكذا قال ابن قاضي الجبل. ونقل ابن الصلاح عن أبي حنيفة: أنه يقبل].
قال ابن الوزير في التنقيح (٢/ ١٧١، ١٧٢ - مع التوضيح): [ثم ذكروا مسألة وهي: توثيق من لم يعرف عينه، ولم يسم، مثل قول العالم الثقة: حدثني الثقة، أو جميع من رويت عنه ثقة، واختاروا أنه لا يقبل؛ لجواز أن يعرف فيه جرح لو بينه، وهذا ضعيف؛ فإن توثيق العدل لغيره يقتضي رجحان صدقه، وتجويز وجود الجارح لو عرف هذا المُعَدَّل لا يعارض هذا الظن الراجح حتى يصدر عن ثقة ولو كان التجويز يقدح مع تسميته لأن التسمية لا تمنع من وجود جرح عند غير المعدل. فإن قالوا: لما لم يعلم حكمنا بالظاهر حتى نعلم، فكذلك هنا لا فرق بينهما، إلا أن طريق البحث غير ممكنة عند الإبهام، وقد يمكن عند التسمية، فيكون الظن بعد البحث عن المعارض وعدم وجدانه أقوى. وهذا الفرق ركيك؛ لأنا لم نتعبد بأقوى الظنون في غير حال التعارض؛ ولأن الطلب المعارض في هذه الصورة لا يجب؛ ولأن التمكن من البحث قد يتعذر مع التسمية فيلزم طرح توثيق من الفرض أن قبوله واجب.
ويمكن نصرة القول الأول - وهو عدم قبول تزكية المبهم - بأن الخبر عن التوثيق كالخبر عن التصحيح والتحليل والتحريم يمكن اختلاف أهل الديانة والإنصاف فيه بخلاف الأخبار المحضة فلا يجوز للمجتهد التقليد في التوثيق المبهم على هذا وهو محل نظر والله أعلم].
القول الثالث: القبول بشروط:
قال الصنعاني في توضيح الأفكار (٢/ ١٧٢): [واعلم أن في المسألة قولا ثالثا، حكاه البرماوي، قال: وهو الصحيح المختار الذي قطع به إمام الحرمين، وجريت عليه في النظم، وحكاه ابن الصلاح عن اختيار بعض المحققين: أنه إن كان القائل بذلك من أئمة هذا الشأن العارف بما يشترط هو وخصومه في العدل، وقد ذكر في مقام الاحتجاج فيقبل].
[ ٥٦ ]
القول الرابع: التفصيل:
قال الصنعاني: [وقول رابع: وهو التفصيل، فإن عرف من عادته إذا أطلق ذلك أنه يعني به معينًا، وهو معروف بأنه ثقة، فيقبل، وإلا فلا، حكاه البرماوي أيضا عن حكاية شارح اللمع عن صاحب الإرشاد، والثالث قد أشار إليه الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها].
وقد اجتهد العلماء في بيان المراد بالثقة عند الإمام الشافعي، والإمام مالك، وغيرهما، وقال الصنعاني في التوضيح (١/ ٣٢٠) بعد عرضه لبعض هذه الاجتهادات: [ذكر هذا البرماوي في شرح ألفيته في أصول الفقه، ثم نقل أقوالا غير هذه فيما يريده الشافعي بالثقة. قلت: وكلها تخمين وتظنن]
وقال الشيخ مقبل في المقترح بعد ذكره لكلام الصنعاني هذا: [يعنى لا يوجد جزم؛ لأن هذه مسألة استقراء تصيب وتخطئ].
القول الخامس:
قال ابن الصلاح في مقدمته (ص/٦١): [فإن كان القائل لذلك عالما أجزأ ذلك في حق من يوافقه في مذهبه على ما اختاره بعض المحققين. وذكر (الخطيب الحافظ): أن العالم إذا قال: كل من رويت عنه فهو ثقة وإن لم أسمه. ثم روى عن من لم يسمه فإنه يكون مزكيا له، غير أنا لا نعمل بتزكيته هذه].
(والقول الراجح هو القول بعدم قبول هذا الثوثيق أو التعديل؛ لأن الأصل في الرواة الجهالة، فلا ينتقل عن هذا الأصل إلا بيقين. ولما كان الخبر عن التوثيق والتعديل يختلف باختلاف المُعَدِّل، فقد يُظهر له المُعَدَّل ما يجعله يحكم له بالعدالة أو التوثيق، في حين أنه لو صرح به لأنكشف حاله؛ وعليه فتمسكًا بالأصل الأول في الرواة، وحماية لجناب السنة، نختار القول بعدم قبول هذا التعديل أو التوثيق للمجاهيل والمبهمين. والله أعلم.