تعريف الغزالي:
قال في المستصفى (ص/١٢٥): [والعدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه، فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفا وازعا عن الكذب. ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي. ولا يكفي أيضا اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف في حبة قصدا. وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجرئ على الكذب بالأعراض الدنيوية، كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو الأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل وإفراط المزح؟ والضابط في ذلك فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم، فما دل عنده على جراءته على الكذب رد الشهادة به وما لا فلا، وهذا يختلف بالإضافة إلى المجتهدين، وتفصيل ذلك من الفقه لا من الأصول.]
تعريف ابن النجار الحنبلي:
قال ابن النجار في شرح الكوكب المنير (ص/٢٧٢): [(وهي) أي العدالة في اللغة: التوسط في الأمر من غير زيادة ولا نقصان، وهي في اصطلاح أهل الشرع (صفة) أي كيفية نفسانية، وتسمى قبل رسوخها حالا (راسخة في النفس) أي نفس المتصف بها (تحمله) على ملازمة التقوى والمروءة، وتحمله أيضا على (ترك الكبائر).]
تعريف ابن السمعاني:
قال ابن السمعاني: [لابد في العدل من أربع شرائط: المحافظة على فعل الطاعة، واجتناب المعصية، وأن لا يرتكب من الصغائر ما يقدح في دين أو
[ ٢٠ ]
عرض، وأن لا يفعل من المباحات ما يسقط القدر ويُكسبُ الندم، وأن لا يعتقد من المذاهب ما يردُّهُ أصول الشرع] (١).
تعريف المرتضى الزيدي:
قال المرتضي في البحر الزخار (٦/ ٥٠): [العدالة هي ملازمة التقوى والمروءة].
تعريف ابن الحاجب:
قال ابن الحاجب: [هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، ليس معها بدعة، وتتحقق باجتناب الكبائر، وترك الإصرار على الصغائر، وبعض الصغائر، وبعض المباح] (٢).
(ونختم بتعريف الإمام الشافعي الذي استحسنه الصنعاني حيث قال في ثمرات النظر (ص/٧٢ - ٧٣): [وقد قال الشافعي في العدالة قولا استحسنه كثير من العقلاء من بعده قال لو كان العدل من لم يذنب لم نجد عدلا ولو كان كل ذنب لا يمنع من العدالة لم نجد مجروحا ولكن من ترك الكبائر وكانت محاسنه أكثر من مساوئه فهو عدل انتهى (٣). قلت: وهذا قوله حسن ويؤيده أن أهل اللغة فسروا العدل بنقيض الجور وليس الجور عبارة عن ملكة راسخة توجب إتيان كل معصية ولا الجائر لغة كل من يأتي معصية بل من غلب جوره على عدله]
_________________
(١) - نقلا عن رسالة: الأصل في الناس الجهالة لا العدالة للردادي، وعزاه لـ: "إرشاد الفحول" (١/ ٢٦٤)، وانظر: "مقدمة ابن الصلاح" (١٠٥ - ١٠٦)، و"مذكرة أصول الفقه" (ص٢٠٤).
(٢) - نقلا عن المنهج الحديث للسماحي - قسم الرواة (ص/٥٥، ٥٦).
(٣) - وروى عنه الخطيب بسنده في الكفاية (ص/٩٠): عن البويطى قال: قال الشافعي لا اعلم أحدا أعطى طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية الله إلا يحيى بن زكريا ﵇ ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح.
[ ٢١ ]
ثم قال في نهاية رسالته (ص/١٥١) مبينا أن العدالة التي تشترط في الراوي لقبول روايته ما هي إلا ظن صدقه وعدم كذبه: [لا يشترط في قبول الرواة إلا ظن صدق الراوي وضبطه ولا يرد إلا بكذبه وسوء حفظه ونحوهما وأن هذا شرط متفق عليه بين كل طائفة والخلاف في القدح، وما عداه قد أقمنا الأدلة على أنه لا قدح به في الرواية].
وقد روى الخطيب في الكفاية (ص/ ٩٠) بعض الآثار مما يؤيد ذلك منها: وقال سمعت مالك بن أنس يقول سمعت الزهرى يقول سمعت سعيد بن المسيب يقول ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب لا بد ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه، من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.
وقد لاح لك مما سبق أن الصواب عدم اعتبار أن سب المسلم من القوادح في العدالة الخاصة بالرواية، وأيضا أنه لا يشترط الخلو من البدعة في رسم العدالة، وأن مدار العدالة على مظنة صدق الرواي.