هناك مسائل لها علاقة بشروط العدالة. ومرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا، وقد جرى إدراكها في كتب علوم الحديث، ويلاحظ أن آراء الأصوليين هي الغالبة في تلك المباحث. كما يغلب عليها طابع التنظير دون التمثيل بواقع المحدثين وسأختار فيما يلي بعض تلك المسائل، وأحاول دراستها وربطها بالواقع العملي. وهذه المسائل هي:
١) إذا روى الثقة حديثًا فسئل عنه فنفاه، فهل يقدح في عدالته؟
٢) إذا كان المحدث يغشى السلطان، هل يقدح في عدالته؟
٣) إذا كان المحدث يأخذ الأجرة على التحديث، فهل يقدح في عدالته؟
المسألة الأولى:
إذا روى الثقة حديثًا فسئل عنه فنفاه، فهل يقبل قوله؟ ثم هل يؤثر ذلك النفي في عدالة الفرع الراوي عنه أم لا؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على خمسة أقوال نوجزها فيما يلي (١):
١) إذا كان النافي جازمًا، وجب رد حديث الفرع.
٢) عكس الأول تمامًا، وهو عدم رد المروي، ولا يكون واحد منهما مجروحًا، لاحتمال النسيان.
٣) نفس القول السابق، إلا أنه يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل.
٤) أنهما يتعارضان، ويرجح أحدهما على الآخر. هذه الأقوال الأربعة إذا كان الأصل جازمًا بالرد.
٥) أما إذا قال الأصل " لا أعرفه " أو " لا أذكره " مما يقتضي جواز أن
_________________
(١) للتفصيل ينظر: مقدمة ابن الصلاح (علوم الحديث) ص١٠٥ - ١٠٦، وفتح المغيث للسخاوي ج١ ص٣١٥، وتدريب الراوي: ج١ ص٣٣٤ - ٣٣٥.
[ ٣٢ ]
يكون نسبه، فذلك لا يقتضي رد رواية الفرع عنه.
والظاهر قبول رواية الفرع، وأن ذلك لا يقدح في عدالته، ولا عدالة الأصل.
وقد أورد الإمام البخاري - ﵀ - في " صحيحه " حديث ابن عباس ﵁: " ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير " (١).
فهذا الحديث مما أنكره الأصل على الفرع، فقد رواه الإمام مسلم في صحيحه أيضًا عن عمرو بن دينار عن أبي معبد مولى ابن عباس أنه سمعه يخبر عن ابن عباس قال: " ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا! قال عمر: قد أخبرتنيه قبل ذلك " (٢).
وهذا يدل على أن البخاري ومسلمًا يذهبان إلى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عنه عدلًا، وأن ذلك لا يقدح في عدالة أصل الراوي ولا في عدالة الفرع الراوي عنه.
المسألة الثانية: