عندنا ثلاث مسائل تكلم فيها العلماء وهي هل الأصل في المسلم العدالة؟ وهل الأصل في الشاهد العدالة؟ ومسألتنا هي هل الأصل في الرواي العدالة؟ وهذه المسائل بينها عموم وخصوص وقد تتداخل، وقد اختلف العلماء فيها على قولين بالإيجاب والسلب.
وسوف نركز كلامنا في الراوي، والذي أراه راجحا هو أن الأصل في الراوي الجهالة حتى تثبت عدالته ويغلب الظن صدقه في نقل كلام النبي صلى الله عليه
[ ٣٩ ]
وسلم على النحو سالف الذكر، والدليل على ذلك أمور منها:
أولا - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]
هذه الآية لا دلالة فيها على أحد القولين من أن الأصل في المخبر العدالة أم الجهالة، وإنما تدل بمنطوقها على التثبت والتوقف في خبر من تبين فسقه لنرى هل صدق في هذا الخبر أم لا، وتدل بمفهومها على قبول خبر من من لم يعرف بفسق، وأما من لم يتبين حاله هل هو فاسق أم عدل ماذا نفعل في خبره هل نتوقف فيه أم نقبله؟
قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/١٣٨): (ومدار هذا الخلاف على أن شرط القبول هل هو العلم بالعدالة أو هو عدم العلم بالفسق فمن قال لا يقبل مجهول العدالة قال المدار على علم العدالة والمجهول لم تعلم عدالته فلا يقبل ومن قال يقبل قال المدار على عدم العلم بالفسق وهذا لم يعلم منه فسق فيقبل).
والقول بقبول رواية مجهول العدالة هو قول الحنفية، وقد رده الألوسي الحنفي في "روح المعاني" (١٣/ ٢٩٨): (واستدل الحنفية بها على قبول خبر المجهول الذي لا تعلم عدالته وعدم وجوب التثبت لأنها دلت على أن الفسق شرط وجوب التثبت فإذا انتفى الفسق انتفى وجوبه وهاهنا قد انتفى الفسق ظاهرا ونحن نحكم به فلا يجب التثبت. وتعقب بأنا لا نسلم أنه هاهنا انتفى الفسق بل انتفى العلم به ولا يلزم من عدم العلم بالشيء عدمه والمطلوب العلم بانتفائه ولا يحصل إلا بالخبرة به أو بتزكية خبير به له).
وعليه فالأقوى أنه يلحق بالفاسق حكما ونتوقف في خبره حتى نتبين حاله؛ حماية لجناب السنة حتى لا يلحق بسنة النبي ما لم يقله، وفي ذلك من المفاسد في ناحية التعبد ما لا يخفى.
ثانيا - ما عليه الجمهور من رد رواية مجهول العين والحال، ولو كان الأصل في الراوي العدالة لما رُدَّ حديثه.
قال ابن الصلاح في "مقدمته" (ص/١١١): (المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعا، وروايته غير مقبولة عند الجماهير). ثم قال: (المجهول العين،
[ ٤٠ ]
وقد يقبل رواية المجهول العدالة من لا يقبل رواية المجهول العين، ومن روى عنه عدلان وعَيَّنَاه فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة).
ثالثا - في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" ولو كانت كل الرواة عدول لما أوجب النبي التثبت من خبره، ولما حكم بإثم وتكذيب من يحدث بكل ما سمع.
رابعا - ما ورد عن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من التحري في الرواية وعدم الرواية عن الكذابين والضعفاء والمجروحين والمجهولين، وهذا مشهور عنهم وإليك طائفة من أقوالهم:
ساق الخطيب في "الكفاية" (ص/٨٣): بسنده عن أبي إسحاق، قال: كنت في المسجد الجامع مع الأسود فقال: أتت فاطمة بنت قيس عمر بن الخطاب فقال:» ما كنا لندع كتاب ربنا، وسنة نبينا لقول امرأة، لا تدري أحفظت أم لا «ثم قال: (وهكذا اشتهر الحديث عن علي بن أبي طالب أنه قال ما: حدثني أحد عن رسول الله ﷺ إلا استحلفته، ومعلوم أنه كان يحدثه المسلمون ويستحلفهم، مع ظهور إسلامهم، وأنه لم يكن يستحلف فاسقا ويقبل خبره، بل لعله ما كان يقبل خبر كثير ممن يستحلفهم، مع ظهور إسلامهم وبذلهم له اليمين، وكذلك غيره من الصحابة روي عنهم أنهم ردوا أخبارا رويت لهم ورواتها ظاهرهم الإسلام، فلم يطعن عليهم في ذلك الفعل، ولا خولفوا فيه، فدل على أنه مذهب لجميعهم، إذ لو كان فيهم من يذهب إلى خلافه لوجب بمستقر العادة نقل قوله إلينا، ويدل على ذلك أيضا إجماع الأمة على أنه لا يكفي في عدالة الشهود على ما يقتضي الحدود إظهار الإسلام، دون تأمل أحوال الشهود واختبارها، وهذا يوجب اختبار حال المخبر عن رسول الله ﷺ، وحال الشهود بجميع الحقوق، بل قد قال كثير من الناس: إنه يجب الاستظهار في البحث عن عدالة المخبر بأكثر مما يجب في عدالة الشاهد، فثبت بما ذكرناه أن العدالة شيء زائد على ظهور الإسلام، يحصل بتتبع الأفعال واختبار الأحوال والله أعلم).
- روى مسلم في "مقدمة صحيحه" (١/ ١٣) بسنده عن مجاهد أنه قال: "جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله -صلى الله عليه
[ ٤١ ]
وسلم- فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه فقال: يابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله -ﷺ- ولا تسمع!! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله -ﷺ- ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف".
- وروى بسنده عن محمد بن سيرين قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
- وروى عن ابن سيرين أيضا أنه قال لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قيل سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.
- وروى عن عبد الله بن المبارك قال: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".