تثبت عدالة الراوي بـ:
أولًا: بتنصيص المعدلين على عدالته.
ثانيًا: بالاستفاضة والشهرة.
قال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٣٠١ - ٣٠٢): [(الثانية تثبت العدالة) للراوي (بتنصيص عالمين عليها) وعبارة ابن الصلاح معدلين وعدل عنه لما سيأتي أن التعديل إنما يقبل من عالم (أو بالاستفاضة) والشهرة (فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم) من أهل الحديث أو غيرهم (وشاع الثناء عليه بها كفى فيها) أي في عدالته ولا يحتاج مع ذلك إلى معدل ينص عليها (كمالك والسفيانين والأوزاعي والشافعي وأحمد) بن حنبل (وأشباههم) قال ابن الصلاح: هذا هو الصحيح في مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في أصول الفقه، وممن ذكره من أهل الحديث الخطيب ومثله بمن ذكر وضم إليهم الليث وشعبة وابن المبارك ووكيعا وابن معين وابن المديني ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره، وقد سئل ابن حنبل
[ ٤٢ ]
عن إسحق بن راهويه، فقال: مثل إسحق يسأل عنه، وسئل ابن معين عن أبي عبيد فقال: مثلى يسأل عن أبي عبيد أبو عبيد يسأل عن الناس، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية إذا لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضى وكان أمرهما مشكلا ملتبسا ومجوزا فيهما العدالة وغيرها قال: والدليل على ذلك أن العلم بظهور سيرهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة].
ثالثًا: حمل العلم:
قال السيوطي في التدريب (١/ ٣٠٢: ٣٠٤): [(وتوسع) الحافظ أبو عمر (ابن عبد البر فيه فقال كل حامل علم معروف العناية به) فهو عدل (محمول) في أمره (أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه) ووافقه على ذلك ابن المواق من المتأخرين لقوله ﷺ: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " رواه من طريق العقيلي من رواية معان بن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرفوعا (وقوله هذا غير مرضي) والحديث من الطريق الذي أورده مرسل أو معضل وإبراهيم هو الذي أرسله قال فيه ابن القطان لا نعرفه البتة ومعان أيضا ضعفه ابن معين وأبو حاتم وابن حبان وابن عدي والجوزجاني، نعم وثقة ابن المديني وأحمد وفي كتاب العلل للخلال أن أحمد سئل عن هذا الحديث فقيل له كأنه موضوع فقال لا هو صحيح فقيل له ممن سمعته فقال من غير واحد قيل من هم قال حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن ومعان لا بأس به انتهى قال ابن القطان وخفي على أحمد من أمره ما علمه غيره قال العراقي وقد ورد هذا الحديث متصلا من رواية علي وابن عمر وابن عمرو وجابر بن سمرة وأبي أمامة وأبي هريرة وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء وليس فيها شيء يقوي المرسل قال ابن عدي ورواه الثقات عن الوليد بن مسلم عن إبراهيم العذري ثنا الثقة من أصحابنا أن رسول الله ﷺ فذكره ثم على تقدير ثبوته إنما يصح الاستدلال به لو كان خبرا ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة فلم يبق له محمل إلا على الأمر ومعناه أنه أمر للثقات بحمل
[ ٤٣ ]
العلم لأن العلم إنما يقبل عنهم والدليل على ذلك أن في بعض طرقه عند ابن أبي حاتم: " ليحمل هذا العلم " بلام الأمر وذكر ابن الصلاح في فوائد رحلته أن بعضهم ضبطه بضم الياء وفتح الميم مبنيا للمفعول ورفع العلم وفتح العين واللام من عدوله وآخره تاء فوقية فعولة بمعنى فاعل أي كامل في عدالته أي إن الخلف هو العدولة والمعنى إن هذا العلم يحمل أي يؤخذ عن كل خلف عدل فهو أمر بأخذ العلم عن العدول والمعروف في ضبطه فتح ياء يحمل مبنيا للفاعل ونصب العلم مفعوله والفاعل عدوله جمع عدل] (١).
وعلى كل حال فالحديث مختلف في ثبوته من ناحيتي الرواية والدراية، والراجح على فرض ثبوته من ناحية الرواية دلالته على عدالة المعروفين بحمل العلم المعتنين به.
قال ابن الوزير في تنقيح الأنظار (٢/ ٩٣ - مع التوضيح) عن رواية الأمر: [أنها معلولة بمخالفة جميع الرواة، إذ كلهم رواه بلفظ الخبر، فالوهم أبعد عن
_________________
(١) - وإلى نحو هذا المنحى ذهب الشيخ مقبل حيث قال في رسالته المقترح: [السؤال / ٢٠٧ ما حال حديث: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله»؟ الجواب: الذي يظهر أنه مرسل من مراسيل إبراهيم العذري، وجاء من طرق أخرى لا ترتقي إلى الحجية، وجاء عن الإمام أحمد أنه يقول: إنه صحيح، وقد خولف الإمام أحمد -﵀-، ثم لو صح فهو على الأمر لا على الإخبار، بمعنى: ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله. قال بهذا بعض أهل العلم. وقد استدل ابن عبد البر بهذا الحديث على أن حملة العلم أو المحدثين عدول، وهذا مخالف لما جاء في تراجم المحدثين، فمثلًا سليمان بن داود الشاذكوني أبو أيوب وكان حافظًا، جاء عنه أنه كان يشرب الخمر، وقال فيه الإمام البخاري: إنه أضعف من كل ضعيف. وكذلك محمد بن عمر الجعابي نقل عنه أنه كان لا يصلي، فالواقع يخالف ما قاله ابن عبد البر - ﵀ -: أن حملة علم الحديث كلهم ثقات. وعندنا بحمد الله "ميزان الاعتدال "، والإمام الشافعي - ﵀ - يقول: من روى عن البياضي بيض الله عيونه. ويقول أيضًا في حرام بن عثمان: الرواية عن حرام بن عثمان، حرام. وما أكثر المحدثين الذين يعتبرون من حملة الحديث ومن حفاظه الكبار، ومع ذلك فهم مضعّفون مثل: أحمد بن محمد بن سعيد الشهير بابن عقدة، فهو حافظ كبير أمثاله قليل في الحفظ من معاصريه، ومع هذا فهو ضعيف.]
[ ٤٤ ]
الجماعة]. وعلى فرض ثبوتها، فتأول بما يوافق رواية الجماعة بأن يكون المراد بالأمر فيها الخبر فتكون من باب الإنشاء الذي أريد به الخبر جمعا بين روايات الحديث.
وقال الصنعاني في توضيح الأفكار (٢/ ٩٢) مرحجًا لاستدلال ابن عبد البر بالحديث على عدالة حملة العلم المعتنين به: [يتم به استدلاله وذلك لأن العام يعمل به على عمومه حتى يقوم دليل على تخصيصه، فمن كان حامل علم معروفا بالعناية به فهو عدل حتى يظهر قادح في عدالته].
قال المناوي في فيض القدير (٦/ ٣٩٦): [حديث يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وهذا إخبار منه بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه وأنه تعالى يوفق له في كل عصر خلقا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر وهذا من أعلام نبوته ولا يضر معه كون بعض الفساق يعرف شيئا من العلم بأن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف منه شيئًا].
فتحصل من هذا أن الحديث لا يثبت من ناحية الإسناد، وعلى فرض ثبوته فالأقوى فيه أنه خبر وهو صادق فكل من حمل العلم فهو عدل، فإن ظهر فيه فسق أو نحوه فإن هذا دليل على أنه ليس من حملة العلم، وليس من العلماء الربانيين العاملين بعلمهم، وأنه كان من أدعيائه، وأن بركة العلم نزعت منه لفسقه وغلبة جوره على عدله.