قال ابن عُروة الحنبلي معلقًا على كلام ابن عبد الهادي في طُرُق معرفة الحديث الموضوع:
(فصل)
قال كاتبُهُ: القلبُ إِذا كان نقيًّا نظيفًا زاكيًا؛ كان له تمييزٌ بين الحقِّ والباطل، والصِّدق والكذب، والهُدى والضَّلال، ولا سيَّما إِذا كان قد حَصَلَ له إِضاءةٌ وذوقٌ مِنْ النُّور النبويِّ، فإِنَّهُ حينئذ يَظهرُ له خبايا الأمور، ودسائسُ الأشياء، والصحيحُ من السقيم.
ولو رُكِّبَ على مَتْنٍ ألفاظُه (^١) موضوعة على الرَّسول ﷺ إِسنادٌ صحيح، أو على مَتْنٍ صحيح إِسنادٌ ضعيف؛ لمَيَّزَ ذلك وعَرَفه، وذَاقَ طعمَه، وميَّزَ بين غَثِّهِ وسمينهِ، وصحيحِهِ وسقيمِهِ، فإِنَّ ألفاظَ الرَّسول ﷺ لا تخفى على عَاقلٍ ذَاقَها. ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ: «اتقوا فِرَاسَةَ المؤمن، فإِنَّهُ يَنْظُرُ بنُورِ اللهِ» (^٢) رواه الترمذيُّ مِنْ حديث أبي سعيد.
_________________
(١) «ألفاظه» في (ك): ألفاظ.
(٢) رواه الترمذي (٣١٢٧)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ رقم (١٥٢٩)، والطبري في «تفسيره» (١٤/ ٤٦) ط/ البابي الحلبي (الحجر: ٧٥)، والعُقَيلي في «الضعفاء الكبير» (٤/ ١٢٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٨١ - ٢٨٢) وغيرهم عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري به. قال الترمذي: هذا حديث غريب، إنما نعرفه مِنْ هذا الوجه. وانظر: «السلسلة الضعيفة» للعلامة الألباني -﵀- رقم (١٨٢١).
[ ٤٩ ]
وقال جماعةٌ مِنْ السَّلف في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أي: للمُتَفَرِّسين (^١).
وقال معاذُ بن جَبَل: إِنَّ للحقِّ منارًا كمَنَارِ الطَّريق.
وإِذا كان الكُفَّار لمَّا سمِعُوا القرآنَ في حَالِ كُفرِهم قالوا: إِنَّ له لحَلَاوة، وإِنَّ عليه لطَلَاوة، وإِنَّ أسفلَه لمُغْدِق، وإِنَّ أعلاه لمُورق، وإِنَّ له لثَمَرة، وإِنَّ له في القلوب لصَولَة؛ ليست بصولَة مُبطل (^٢). فما الظَّنُّ بالمؤمن التَّقيِّ النَّقيِّ، الذي له عقلٌ تامٌّ عند
_________________
(١) رواه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (١٤/ ٤٥ - ٤٦) ط/ البابي الحلبي (الحجر: ٧٥) عن قيس وابن أبي نجيح وابن جُريج، عن مجاهد. ورواه أبو نُعيم في «الحلية» (٣/ ١٩٤)، ومن طريقه المِزيُّ في «تهذيب الكمال» (٥/ ٨٤) عن جعفر بن محمد الصادق.
(٢) رواه الحاكم (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ١٩٨ - ١٩٩)، والواحدي في «أسباب النزول» ص (٢٩٥)، من طريق عبد الرزاق الصنعاني، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي .. فذكره. قال الحاكم: صحيح الإِسناد على شرط البخاري. ووافقه الذهبي. قلت: هكذا رواه معمر بن راشد عن أيوب متصلًا. قال يحيى بن معين: إِذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه؛ إِلا عن الزهري وابن طاوُس، فإِنَّ حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا. «تهذيب التهذيب» ١٠/ ٢٤٥. وأيوب بصري! وخالفه عن أيوب نفسِه: حماد بن زيد، فرواه عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا. فيما رواه البيهقي في «الدلائل» (٢/ ١٩٩). قال يحيى بن معين: ليس أحدٌ في أيوب أثبت من حماد بن زيد. «الجرح والتعديل» ٣/ رقم (٦١٧). ورواه معمر -أيضًا- عن عباد بن منصور، عن عكرمة، مرسلًا. =
[ ٥٠ ]