(وَاعْلَم أنّ تَتَبعَ الطُّرُق) قيل: تَقْدِيره أَنه، أَو رُفِعَ مَا بعده على الإلغاء. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن هَذَانِ﴾ فَلَا قدح فِي المزج. وَقد ذكر مرَارًا أَنه جعل الشَّرْح مَعَ الْمَتْن كتابا وَاحِدًا، فَلَا يَرُد عَلَيْهِ أَن لفظ تتبع الطّرق يَنْبَغِي أَن يكون مَرْفُوعا بِالْمَتْنِ، ومنصوبًا بالشرح، فَيقْرَأ بِالنّصب، فَكَانَ الشَّرْح الَّذِي بعد الْمَتْن نَاسِخا لإعرابه.
(من الْجَوَامِع) أَي الْكتب الَّتِي جمع فِيهَا الْأَحَادِيث على تَرْتِيب أَبْوَاب الْكتب الْفِقْهِيَّة، كالكتب السِّتَّة، أَو تَرْتِيب الْحُرُوف الهجائية فِي أَوَائِل المُعَنْوَنِ عَنهُ، ككتاب الْإِيمَان، وَكتاب البِرِّ، [وَكتاب التَّوْبَة]، وَكتاب الثَّوَاب، وَهَكَذَا إِلَى آخر الْحُرُوف، كَمَا فعله صَاحب " جَامع الْأُصُول "، أَو بِاعْتِبَار رِعَايَة الْحُرُوف فِي أَوَائِل أَلْفَاظ الحَدِيث، كَمَا فعله شيخ مَشَايِخنَا / ٥٥ - أ / الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي " الْجَامِع الصَّغِير ".
(وَالْمَسَانِيد) أَي الْكتب الَّتِي جُمع فِيهَا مُسْند كل صَحَابِيّ على حِدة على
[ ٣٥٦ ]
اخْتِلَاف فِي مَرَاتِب الصَّحَابَة وطبقاتهم، وَالْتزم نقل جَمِيع مروياتهم صَحِيحا كَانَ الحَدِيث أَو ضَعِيفا. وَجمع السُّيُوطِيّ فِي " جَامعه الْكَبِير " بَين الْأَمريْنِ، فَجعل الْقسم القولي على تَرْتِيب الْحُرُوف، وَالْقسم الْفعْلِيّ على تَرْتِيب المسانيد.
(والأجزاء) وَهِي مَا دُون فِيهِ حَدِيث شخص وَاحِد، أَو أَحَادِيث جمَاعَة فِي مَادَّة وَاحِدَة. [٧٥ - ب] .
(لذَلِك الحَدِيث) مُتَعَلق ب: التتبع، أَي لأجل معرفَة حَال الحَدِيث.
(الَّذِي يُظن أَنه فَرد،) ظَاهره الْإِطْلَاق الشَّامِل للنسبي وَغَيره.
(ليُعْلَم هَل لَهُ) أَي لراويه.
(متابع أم لَا)؟ وَكَذَا هَل لَهُ شَاهد أم لَا؟ كَمَا سبق، [وكما] سيرشدك إِلَى ذَلِك قَوْله: بل هُوَ هَيْئَة التَّوَصُّل إِلَيْهِمَا.
(هُوَ) أَي التتبع الْمَذْكُور هُوَ (الِاعْتِبَار) كَمَا تقدم فِي كَلَام الْعِرَاقِيّ
[ ٣٥٧ ]
مفصلا (وَقَول ابْن الصّلاح) مُبْتَدأ، ومقوله: (معرفَة الِاعْتِبَار، والمتابِعات) بِكَسْر الْمُوَحدَة، وَيجوز فتحهَا (والشواهد) أَي إِلَى آخِره، وَالْخَبَر (قد يُوهم) أَي قَول ابْن الصّلاح، (أَن الِاعْتِبَار قسيم لَهما) أَي حَيْثُ أضيفت الْمعرفَة إِلَى الِاعْتِبَار وَمَا بعده. وَكَانَ حق الْعبارَة أَن يَقُول: التتبع هُوَ اعْتِبَار المتابعات، والشواهد.
(وَلَيْسَ كَذَلِك) أَي فِي الْوَاقِع لِأَن الِاعْتِبَار هُوَ نفس معرفَة الْقسمَيْنِ، أَو عِلّة لمعرفتهما، فَلَيْسَ قسيما لَهما لعدم اندراج الثَّلَاثَة تَحت أَمر وَاحِد. فَإِن التَّقْسِيم هُوَ ضم الْقُيُود المتباينة، أَو المتخالفة إِلَى المَقْسَمِ، وَهنا لَيْسَ كَذَلِك
(بل هُوَ) أَي الِاعْتِبَار، (هَيْئَة التَّوَصُّل) أَي كَيْفيَّة التَّوَصُّل.
(إِلَيْهِمَا) أَي المتابع وَالشَّاهِد، فَكيف يكون قسيمًا لَهما! وَأغْرب تِلْمِيذه حَيْثُ قَالَ: مَا قَالَه ابْن الصّلاح صَحِيح لِأَن هيئةَ التَّوَصُّل إِلَى الشَّيْء غيرُ الشَّيْء انْتهى. وَفِيه أَنه لَيْسَ كُل مُغَاير للشَّيْء قسيمًا لَهُ، فمراده أَنه لَيْسَ نوعا على حِدة قسيمًا لَهما فَتدبر، ثمَّ تعقب، / وَإِلَّا فتأدب، فَإِن الْأَدَب خير من الذَّهَب.
[ ٣٥٨ ]
(وَجَمِيع مَا تقدم من أَقسَام المقبول، تحصل فَائِدَة تقسيمه بِاعْتِبَار مراتبه عِنْد الْمُعَارضَة وَالله أعلم) أَي فيقدّم مَا هُوَ أَعلَى مرتبَة على مَا هُوَ دونه وَهَكَذَا، وَهَكَذَا قَالَ المُصَنّف: يَعْنِي إِذا تعَارض حديثان: صحيحٌ لذاته وَلغيره، وحسنٌ لذاته وَلغيره، قُدم الَّذِي لذاته على الَّذِي لغيره. وَقَالَ تِلْمِيذه: لم يراعوا فِي ترجيحاتهم هَذَا الِاعْتِبَار، ويُعرف هَذَا [٧٦ - أ] من صَنِيع الْبَيْهَقِيّ، وَالْغَزالِيّ فِي " تحصين المأخذ " انْتهى.
وَفِيه أَنه على تَقْدِير ثُبُوت عدم اعْتِبَار / ٥٥ - ب / هَذِه المراعاة مِنْهُمَا، لَا يلْزم عدم اعْتِبَار غَيرهمَا. وغايته أَن الْمَسْأَلَة تكون خلافية، وَلَعَلَّ الشَّيْخ أطلق إِشَارَة إِلَى ضعف قَوْلهمَا، فَإِن التَّرْجِيح أَمر مُعْتَبر فِي جَمِيع مَرَاتِب الحَدِيث: من الضَّعِيف، وَالْحسن، وَالصَّحِيح، فَلَو لم يكن الاعتبارُ مُعْتَبرا لَكَانَ أمرا عَبَثا، وَلم يقل بِهِ عَاقل.