(أَو يَنْتَهِي) بِالنّصب، (غَايَة الْإِسْنَاد) فِيهِ الْمُسَامحَة السَّابِقَة قَالَ التلميذ لفظ
[ ٥٩٤ ]
غَايَة زَائِدَة كَمَا تقدم، (إِلَى التَّابِعِيّ، وَهُوَ: مَن لِقي الصَّحَابِيّ كَذَلِك) أَي لَقي الصَّحَابِيّ لُقِيًا مثل اللقي الْمَذْكُور، وَالْمعْنَى أَن التَّابِعِيّ هُوَ من لَقِي الصَّحَابِيّ مُؤمنا بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَلَو تخللت رِدّة فِي الْأَصَح، وَلما كَانَ قَول؟؟: كَذَلِك مُتَعَلقا بقوله: مُؤمنا أَيْضا، قَالَ:
(وَهَذَا) أَي الْمشَار إِلَيْهِ بذلك، (مُتَعَلق باللُّقي وَمَا ذكر مَعَه) أَي من الْقُيُود الْمَذْكُورَة فِي تَعْرِيف الصَّحَابِيّ، (إِلَّا قيد الْإِيمَان بِهِ) أَي بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم حَال لقِيه، فَلَو رأى التَّابِعِيّ - وَهُوَ كَافِر - صحابيًا ثمَّ أسلم وَمَات على الْإِسْلَام يكون تابعيًا، كَذَا قيل، ويأباه ظَاهر قَوْله:
(وَذَلِكَ) أَي الْإِيمَان، (خَاص بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم،) وَحَاصِل كَلَامه: أَن لفظ كَذَلِك، لَا يُرَاد بِهِ التَّشْبِيه فِي اللقي فَقَط، بل فِي اللقي وَمَا ذكر مَعَه سوى قيد الْإِيمَان، لِأَن الْإِيمَان مِمَّا يخْتَص بِهِ دون غَيره لِأَنَّهُ / ١٠٦ - أ / أحد ركني الْإِيمَان، فَلَو أَرَادَ الْمَعْنى الأول لقَالَ: / ذَلِك أَي قيد الْإِيمَان خَاص بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابِيّ فَتَأمل.
وتوضيحه أَنه إِن أَرَادَ أَن الْإِيمَان بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ بِشَرْط فِي التَّابِعِيّ حِين ملاقاته للصحابي، فَذَلِك غير ظَاهر، [وَإِن أَرَادَ أَن
[ ٥٩٥ ]
الْإِيمَان لَيْسَ بِشَرْط، فَذَلِك ظَاهر] بل لَا يجوز أَن يُقَال ذَلِك لَكِن لَا يلْزم من اعْتِبَار قَوْله: مُؤمنا بِهِ الْمَذْكُور فِي تَعْرِيف الصَّحَابِيّ أَن لَا اعْتِبَار للْإيمَان بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم فِي التَّابِعِيّ. هَذَا، وَقَالَ التلميذ: قَوْله: وَذَلِكَ خَاص، خُصُوصِيَّة بِالْعقلِ لَا بِاللَّفْظِ، قلت خُصُوصِيَّة [١٥٢ - ب] بِاللَّفْظِ أَيْضا عقلا ونقلًا.
(وَهَذَا) أَي التَّعْرِيف للتابعي، (هُوَ الْمُخْتَار) . قَالَ الْعِرَاقِيّ: وَعَلِيهِ عمل الْأَكْثَرين. وَقد أَشَارَ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بقوله: " طُوبَى لمن رَآنِي وآمن بِي، وطُوبى لمن رأى من رَآنِي " الحَدِيث، فَاكْتفى فيهمَا بِمُجَرَّد الرُّؤْيَة. قلت: وَبِه ينْدَرج الإِمَام الْأَعْظَم فِي سلك التَّابِعين، فَإِنَّهُ قد رأى أنس بن مَالك، وَغَيره من الصَّحَابَة على مَا ذكره الشَّيْخ الْجَزرِي فِي " أَسمَاء رجال الْقُرَّاء "، وَالْإِمَام التُّوربِشتي فِي " تحفة المسترشدين "، وَصَاحب " كشف الْكَشَّاف " فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ، وَصَاحب " مرْآة الْجنان "، وَغَيرهم من الْعلمَاء المتبحرين، فَمن نفى أَنه تَابِعِيّ، فإمَّا من التتبع الْقَاصِر، أَو التعصب الفاتر.
(خلافًا لمن اشْترط فِي التَّابِعِيّ طول الْمُلَازمَة،) أَي الْغَالِبَة مِنْهَا السماع كالخطيب، فَإِنَّهُ قَالَ: التَّابِعِيّ من صحب الصَّحَابِيّ. قَالَ ابْن الصّلاح: ومطلقه مَخْصُوص بالتابعي بِإِحْسَان. انْتهى. وَالظَّاهِر مِنْهُ طول الْمُلَازمَة، إِذْ الِاتِّبَاع بِإِحْسَان لَا يكون بِدُونِهِ.
[ ٥٩٦ ]
(أَو صُحْبَة السماعٍ،) أَي صُحْبَة مصحوبة بِالسَّمَاعِ، فَلَو صَحِبَهُ وَلم يسمع مِنْهُ الحَدِيث لَا يكون تابعيًا، وتصحف الصُّحْبَة بِالصِّحَّةِ على شَارِح فَقَالَ: كَابْن حبَان فَإِنَّهُ اشْترط أَن يكون رَآهُ فِي سنّ من يحفظ عَنهُ، فَإِن كَانَ صَغِيرا لم يحفظ عَنهُ، فَلَا عِبْرَة لرُؤْيَته كخلف بن خَليفَة، فَإِنَّهُ عدّه فِي اتِّبَاع التَّابِعين، وَإِن كَانَ رأى عَمْرو بن حُريث لكَونه صَغِيرا. انْتهى. وَمحل هَذَا الْكَلَام كُله بعد قَوْله:
(أَو التَّمْيِيز) أَي سِن التَّمْيِيز [وَهُوَ]: الْأَرْبَعَة أَو الْخَمْسَة مِمَّا قيل فِيهِ: إِنَّه أقل سِنِي صِحَة السماع، وَأما قَول الشَّارِح: أَن يكون من المتميزين الَّذين تصح نِسْبَة الرُّؤْيَة إِلَيْهِم، فَغير ظَاهر. [١٥٣ - أ] .
هَذَا، وَالْمَفْهُوم من كَلَام الْعِرَاقِيّ أَن الْمُخَالف لِلْجُمْهُورِ اثْنَان حَيْثُ قَالَ فِي الْمَتْن:
(والتَّابِعُ اللاَّقِي لِمَنْ قَدْ صَحِبا وللخَطِيب حَدِّهُ: أنْ يَصْحَبَا)
وَقَالَ فِي الشَّرْح: التَّابِعِيّ من رأى الصَّحَابِيّ، لَكِن ابْن حِبان يشْتَرط / ١٠٦ - ب / أَن يكون رَآهُ فِي سنّ من يحفظ عَنهُ إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ سَابِقًا فعلى هَذَا مآل صُحْبَة السماع والتمييز وَاحِد، وَلم يُفْهَم مِنْهُ شَرط صُحْبَة السماع، بل مطلقه وَمُطلق التَّمْيِيز أَيْضا، فَتَأمل.