(وصنفوا فِيهِ) قَالَ تِلْمِيذه: أَي فِيمَن أُبِهم. (المبهمات) أَي المصنفات الَّتِي صنفوها فِيمَن لَا يُسمى، أَو أبهم فِي الحَدِيث إِسْنَادًا أَو متْنا من الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَهُوَ فن جليل ألَّف فِيهِ غير وَاحِد من الْحفاظ، وَكتاب أبي الْقَاسِم بن بَشْكُوال أجمع مُصَنف فِيهِ.
(وَلَا يقبل حَدِيث الْمُبْهم مَا لم يسم) أَي من طَرِيق آخر؛ (لأنّ شَرط قبُول الْخَبَر عَدَالَة رُوَاته) وَكَذَا ضبطهم.
[ ٥١١ ]
وَمن أبهم اسْمه) أَي وَصفه، (لَا تعرف عينه) أَي ذَاته، (فَكيف عَدَالَته؟ !) أَي فَلَا يعرف كَونه ثِقَة. (وَكَذَا لَا يقبل خَبره) أَي حَدِيثه، وَهُوَ تفنن فِي الْعبارَة حَيْثُ قَالَ مرّة: حَدِيثه، وَمرَّة: خَبره.
(وَلَو أبهم) على بِنَاء الْمَجْهُول، (بِلَفْظ التَّعْدِيل، كَأَن يَقُول الرَّاوِي عَنهُ:) أَي عَن الْمَجْهُول: (أَخْبرنِي الثِّقَة؛ لِأَنَّهُ) تَعْلِيل لقَوْله: لَا يقبل، أَي لِأَن الْمَجْهُول الْمَرْوِيّ عَنهُ، (قد يكون ثِقَة عِنْده، مجروحا عِنْد غَيره) قَالَ التلميذ: يلْزم من هَذَا، تَقْدِيم الْجرْح المتوهم على التَّعْدِيل الثَّابِت، وَهُوَ خلاف النّظر، وَقد تقدم على أَنه لَو عرف جرح فِيهِ كَانَ مُخْتَلفا فِيهِ، لَيْسَ بمردود. انْتهى.
قلت: الِاخْتِلَاف فرع مَعْرفَته، وَالْكَلَام هُنَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَجْهُول، وَالْحكم على الْمَجْهُول بِكَوْنِهِ عدلا أَيْضا مَجْهُول، فَلهَذَا خَبره غير مَقْبُول، فَتَأمل فَإِن كَلَامه مَدْخُول. فَإِن قلت: [١٢٤ - أ] الظَّاهِر من عبارَة الْمَتْن أَن الْوَاو هُوَ الدَّاخِلَة
[ ٥١٢ ]
على لَو الوصلية، فَمَا وَجه جعل لَو شَرْطِيَّة بِحَذْف الْجَزَاء، وَجعل الْمَجْمُوع عطفا على مَا قبله؟
قلت: لَعَلَّ وَجهه أَن الحكم الأول: - أَي عدم قبُول حَدِيث الْمُبْهم، إِذا لم يكن بِلَفْظ التَّعْدِيل - اتفاقي. وَالثَّانِي: - أَي عدم قبُول حَدِيث الْمُبْهم بِلَفْظ التَّعْدِيل - اختلافي. وَقَوله: على الْأَصَح، قيد [لَهُ]، فَلَو أبقى عبارَة الْمَتْن على ظَاهره، توهم أَن الْمَجْمُوع اختلافي. وَقَوله: على الْأَصَح قيد لَهما، وَلِهَذَا قَالَ: (وَهَذَا) أَي الحكم الثَّانِي، (على الْأَصَح فِي الْمَسْأَلَة) أَي مَسْأَلَة حَدِيث الْمُبْهم.
(وَلِهَذَا النُّكْتَة) وَهِي الْعلَّة الْمُتَقَدّمَة، (لم يقبل الْمُرْسل وَلَو أرْسلهُ الْعدْل) وصلية، (جَازِمًا بِهِ) أَو حَال كَون الْعدْل قَاطعا بإرساله فِي أَنه فِي حكم إيصاله.
(لهَذَا الِاحْتِمَال بِعَيْنِه) أَي لهَذِهِ النُّكْتَة الْمُوجبَة لعدم قبُول خبر الْمُبْهم بِلَفْظ التَّعْدِيل، وَهُوَ احْتِمَال أَن يكون مجروحا، وَذكره تَأْكِيد، وَإِلَّا فيغني عَنهُ قَوْله فِيمَا قبل: وَلِهَذَا النُّكْتَة.
(وَقيل: يقبل تمسكا بِالظَّاهِرِ، إِذْ الْجرْح على خلاف الأَصْل، وَقيل: إِن كَانَ الْقَائِل عَالما) أَي مُجْتَهدا، كمالك، وَالشَّافِعِيّ، وَنَحْوهمَا مِمَّن يُمَيّز بَين / الثِّقَة / ٨٨ - أ / وَغَيره. قَالَ التلميذ: مثل قَول الشَّافِعِي: أَخْبرنِي الثِّقَة.
(أَجْزَأَ ذَلِك فِي حق من يُوَافقهُ فِي مذْهبه) أَي كفى هَذَا التَّعْدِيل فِي حق
[ ٥١٣ ]
مقلديه فِي مذْهبه، وَعلله ابْن الصّلاح بِأَنَّهُ لَا يُورد ذَلِك احتجاجا بالْخبر على غَيره، بل يذكر لأَصْحَابه قيام الْحجَّة عِنْده على الحكم، وَقد عرف من روى عَنهُ وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَرجحه الرَّافِعِيّ فِي " شرح الْمسند ".
(وَهَذَا) أَي القَوْل الْأَخير، (لَيْسَ من مبَاحث عُلُوم الحَدِيث) أَي وَإِنَّمَا ذكره اسْتِطْرَادًا، وموافقة للمقام اسْتِشْهَادًا. (وَالله الْمُوفق) .