(ثمَّ المقبول) هَذَا تَقْسِيم ثانٍ للمقبول كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله:
(يَنْقَسِم أَيْضا إِلَى مَعْمُول بِهِ، وَغير مَعْمُول بِهِ) أَي الانقسام منحصر فيهمَا.
(لِأَنَّهُ إِن سَلِم) أَي الحَدِيث، (من الْمُعَارضَة) أَي من مُعَارضَة حَدِيث آخر يناقضه فِي الْمَعْنى، وَقَوله:
[ ٣٥٩ ]
(أَي لم يَأْتِ خبر يُضَاده) حَاصِل الْمَعْنى: فَلَا يرد عَلَيْهِ مَا قَالَ تِلْمِيذه الْمُعَارضَة مصدرّ، وَالْخَبَر الَّذِي لم يضاده اسمُ فَاعل، وَلَا حَاصِل على هَذَا الِاسْتِعْمَال مَعَ تيسير اسْتِعْمَال الْحَقِيقَة. وَفِيه أَن تيسير اسْتِعْمَالهَا إِذا كَانَ متضمنًا لتفسير مَعْنَاهَا يجوز الْعُدُول إِلَى بَيَان حاصلها ومبناها.
(فَهُوَ) أَي المقبول السَّالِم هُوَ (الْمُحكم) أَي الَّذِي يُعْمَل بِهِ بِلَا شُبْهَة.
(وأمثلته كَثِيرَة،) أورد الْحَاكِم مِنْهَا فِي مُسْند عَائِشَة ﵂: " إِن أَشَدَّ " الناسِ عذَابا يَوْم الْقِيَامَة الَّذين يُشَبِّهُونَ بخلْقِ الله ". وَجَاءَت امْرَأَة رِفاعة فَقَالَت: " إِن رِفَاعَةَ طَلّقني، فَتَزَوّجَتُ بعده عبدَ الرَّحْمَن بن الزُّبَيْر. ذكره السخاوي.
(وَإِن عُورض) أَي ناقضه حَدِيث آخر فِي الْمَعْنى، (فَلَا يَخْلُو) أَي الْحَال من أحد الشَّيْئَيْنِ، (إِمَّا أَن يكون معارِضه) بِكَسْر الرَّاء، وَهُوَ الحَدِيث الآخر (مَقْبُولًا) بِأَن يكون صَحِيحا أَو حسنا.
(مثله) فِيهِ إِشْكَال وَهُوَ أَنه إِن أُرِيد بِهِ أَن يكون المعارِض مُسَاوِيا للمعارَض
[ ٣٦٠ ]
فِي الصِّحَّة أَو الْحسن، كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر، فَيرِد عَلَيْهِ أَنه تقدم أَن الْأَصَح يقدم على الصَّحِيح، وَيقدم الصَّحِيح على [٧٦ - ب] الْحسن، وَإِن أُرِيد بِهِ [أَن يكون] مثله فِي الْقبُول، فَلَا حَاجَة إِلَى ذكره لدلَالَة قَوْله:
(أَو يكون مردودًا) عَلَيْهِ، وَيرد حِينَئِذٍ على انحصاره الْمُعَارضَة فِي الصُّورَتَيْنِ لِأَن الْمُعَارضَة بَين الصَّحِيح وَالْحسن ثابتةٌ أَيْضا على مَا اخْتَارَهُ تبعا لبَعْضهِم، وَقد ذكر تِلْمِيذه أَنه قَالَ المُصَنّف فِي تَقْرِيره: المُرَاد بِهِ أصل القَبول لَا التَّسَاوِي فِيهِ، حَتَّى يكون الْقوي نَاسِخا للأقوى، بل الْحسن يكون نَاسِخا للصحيح لوُجُود أصل الْقبُول. قَالَ تِلْمِيذه: فِي هَذَا مُخَالفَة لما تقدم من قَوْله: يحصل فَائِدَة تقسيمه بِاعْتِبَار مراتبه عِنْد الْمُعَارضَة. قَالَ قَائِل: هَذَا أَمر وَقع فِي أَثناء التَّقْرِير، فَلَا يبْحَث فِيهِ. قلت: [فَقَوله]: لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون / معارضهٌ مَقْبُولًا مثلَه، أَو يكون مردودًا، تَقْسِيم غير حاصر، لِأَنَّهُ جَازَ أَن يكون معارضه دونه فِي الْقبُول، وَلَيْسَ بمردود، / ٥٦ - أ / وَالله أعلم. انْتهى.
وَالَّذِي سنح بالبال، وَالله أعلم بِالْحَال: أَنه لما قسَّم المقبول أَولا، وَذكر مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْمُعَارضَة وَغَيره، ذكر هُنَا تقسيمًا آخر بِاعْتِبَار أصل القَبول وَمُقَابِله، وَذكر مَا يتَعَلَّق بِهِ من الْمُعَارضَة المختصة بِهِ، أَو لَمَّا كَانَت تِلْكَ الْمُعَارضَة مختلَفًا فِيهَا، أعرض عَنْهَا وَذكر المعارضةَ الْمُتَّفق عَلَيْهَا، وَهَذَا بمذهبنا الْمَنْصُور أَحَق، وَمَا سبق بمختار مذْهبه أوفق.
(وَالثَّانِي:) أَي الْمَرْدُود.
[ ٣٦١ ]
(لَا أثر لَهُ) أَي لَا تَأْثِير لَهُ فِي أَن يكون [مُقَابلا، فضلا عَن أَن يكون] مُعَارضا ومناقضًا.
(لِأَن الْقوي) أَعم من أَن يكون صَحِيحا أَو حسنا.
(لَا يُؤثر فِيهِ مخالفةُ الضَّعِيف) لعدم الْعَمَل بِهِ إِلَّا إِذا لم يُوجد هُنَاكَ حَدِيث قوي فَيقدم على الرَّأْي كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا. أَو إِذا كَانَ فِي فَضَائِل الْأَعْمَال بِشَرْط أَن لَا يكون مدافعًا لأصل من الْأُصُول [٧٧ - أ] .