(أَو إِن كَانَ سوء الْحِفْظ طارئًا) أَي حَادِثا متجددا (على الرَّاوِي) أَي بِأَن صَار
[ ٥٣٥ ]
سيئ الْحِفْظ، (إِمَّا لكبره) أَي لطول عمره، (أَو لذهاب [١٣١ - ب] بَصَره) وَقد كَانَ متعودا بِعُود النّظر فِي محفوظه إِلَى أَصله، فَلَا يرد أَن ذهَاب الْبَصَر مِمَّا يُقَوي الْحِفْظ لِسَلَامَةِ الخواطر الْحَادِثَة من النواظر.
(أَو لاحتراق كتبه) أَو اغتراقها أَو استراقها. فَقَوله (أَو عدمهَا) تَعْمِيم بعد تَخْصِيص كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ وَالْمَلَائِكَة بعد ذَلِك ظهير﴾ " فَانْدفع مَا قَالَ محش: الظَّاهِر أَنه مغن عَن قَوْله: أَو لاحتراق كتبه. انْتهى.
وَفِيه أَن الأول إِذا كَانَ مغنيا عَن الثَّانِي قد يعد عَيْبا فِي التعريفات، لَا الْعَكْس، وَأما فِي غير التَّعْرِيف فَيجوز التَّخْصِيص بعد التَّعْمِيم أَيْضا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال﴾ . وَيُرِيد بِالْعدمِ فقدان الْكتب بِمَعْنى أَنه كَانَ حَاصِلا لَهُ، فَصَارَ مَعْدُوما، لَا بِمَعْنى أَنه مَعْدُوما مُطلقًا، فَيصح قَوْله:
(بِأَن كَانَ / ٩٣ - أ / يعتمدها فَيرجع إِلَى حفظه فسَاء) أَي حفظه وَهُوَ عِلّة لكَون ذهب الْبَصَر / واحتراق الْكتب، وَعدمهَا سَبَب لطريان سوء الْحِفْظ.
(فَهَذَا) أَي الرَّاوِي الطَّارِئ عَلَيْهِ سوء الْحِفْظ، (هُوَ) ضمير فصل أَو مُبْتَدأ ثَان، (الْمُخْتَلط) بِكَسْر اللَّام، وَحَقِيقَته: فَسَاد الْعقل، وَعدم انتظام الْفِعْل
[ ٥٣٦ ]
وَالْقَوْل، إِمَّا بخرف أَو ضَرَر أَو مرض، أَو عرض من موت ابْن، أَو سَرقَة مَال كالمسعودي، أَو ذهَاب كتب كَابْن لَهِيعَة، أَو احتراقها كَابْن الملقن.
قَالَ ابْن الصّلاح: وَهَذَا فن عَظِيم مُهِمّ، لَا أعلم أحدا [أفرده بالتصنيف واعتنى بِهِ] مَعَ كَونه حَقِيقا بذلك جدا انْتهى. قَالَ السخاوي: وأفرد للمختلطين كتابا الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي حَسْبَمَا ذكره فِي تصنيفه " تحفة المستفيد ". وَلم يقف عَلَيْهِ ابْن الصّلاح. قَالَ: وَفَائِدَة ضبطهم، تَمْيِيز المقبول من غَيره.
(وَالْحكم فِيهِ) أَي فِي الْمُخْتَلط أَو فِي حَدِيثه، (أَن مَا حدث بِهِ قبل الِاخْتِلَاط إِذا تميز) أَي لنا بِأَن علمنَا أَنه قبل الِاخْتِلَاط، وَإِلَّا فَهُوَ متميز فِي نَفسه [١٣٢ - أ]، فَالْمَعْنى أَنه إِذا تميز عِنْد الْمُجْتَهد عَمَّا حدث بعد الِاخْتِلَاط، (قبل، وَإِذا لم يتَمَيَّز) أَي مَا حدث بِهِ، (توقف) بِصِيغَة الْمَجْهُول، (فِيهِ) أَي فِي حَدِيثه بِأَن لَا يقبل وَلَا يرد. (وَكَذَا من اشْتبهَ الْأَمر فِيهِ) أَي اشْتبهَ أَنه مختلط أم لَا، أَو لم يدر أحدث قبل الِاخْتِلَاط أَو بعده. قَالَ التلميذ: هَذَا اللَّفْظ فِيهِ إِيهَام، لِأَن ظَاهر السُّوق أَنه لحَدِيث
[ ٥٣٧ ]
الْمُخْتَلط وَلَفْظَة " من " لمن يعقل، فَلَا يصلح للْحَدِيث، وَإِن استعملها فِيمَن يعقل، فَيكون قد انْتقل من الحَدِيث إِلَى الرَّاوِي، فَلَيْسَ بِظَاهِر، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
قلت: هَذَا أَمر سهل ومناقشة غير مرضية خُصُوصا من التلميذ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُسْتَاذ، إِذْ يُمكن أَن يُقَال: التَّقْدِير وَكَذَا من اشْتبهَ الْأَمر فِيهِ يتَوَقَّف فِي حَدِيثه على أَن: من اشْتبهَ، مُبْتَدأ، خَبره مَحْذُوف، أَو يقدر مُضَاف، أَي وَكَذَا حَدِيث من اشْتبهَ الْأَمر فِيهِ يتَوَقَّف فِيهِ.
(وَإِنَّمَا يعرف ذَلِك،) أَي مَا ذكر من الِاخْتِلَاط والتمييز والاشتباه، (بِاعْتِبَار الآخذين) أَي تتبع المتحملين (عَنهُ) أَي عَن الْمُخْتَلط بِلَا وَاسِطَة، ليعلم أَنهم مَتى أخذُوا، وَأَيْنَ أخذُوا، وَكَيف أخذُوا، فبالإضافة إِلَى الْمَفْعُول، فَمنهمْ من سمع قبل الِاخْتِلَاط فَقَط، [وَمِنْهُم من سمع بعده]، وَمِنْهُم من سمع فِي الْحَالين مَعَ التَّمْيِيز، بِأَن قَالَ: سَمَاعي بَعْدَمَا اخْتَلَط أَو قبله كَمَا قَالَه الخليلي وَغَيره، فَمِمَّنْ اخْتَلَط فِي آخِره عَطاء، وَمن سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط شُعْبَة وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَمِمَّنْ سمع مِنْهُ بعد الِاخْتِلَاط جرير بن عبد الحميد، وَمِمَّنْ سمع مِنْهُ فِي الْحَالَتَيْنِ [مَعًا] أَبُو عوَانَة، فَلم يحْتَج بحَديثه.
(وَمَتى توبع السَّيئ الْحِفْظ بمعتبر) أَي براو مُعْتَبر بِفَتْح الْمُوَحدَة وَكسرهَا على
أَنه اسْم مفعول أَو فَاعل، (كَأَن يكون فَوْقه أَو مثله لَا دونه) قَالَ المُصَنّف: إِذا تَابع / ٩٣ - ب / السَّيئ الْحِفْظ شخص فَوْقه انْتِقَال بِسَبَب ذَلِك إِلَى دَرَجَة ذَلِك الشَّخْص، وينتقل ذَلِك الشَّخْص إِلَى أَعلَى من دَرَجَة نَفسه الَّتِي كَانَ فِيهَا، حَتَّى
[ ٥٣٨ ]
يتَرَجَّح على [١٣٢ - ب] مساويه من غير مُتَابعَة من دونه.
قَالَ تِلْمِيذه: المُرَاد بقوله: فَوْقه أَو مثله فِي الدرجَة من السَّنَد، لَا فِي الصّفة. انْتهى. وَقد تقدم معنى / الِاعْتِبَار وَمَا يتَعَلَّق بِهِ، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بالفوقية والمثلية [هُنَا] فِي الصّفة لَا فِي السَّنَد؛ لِأَنَّهُ على تَقْدِير مَا يَقُوله التلميذ، لَا يَصح كَلَام الشَّيْخ، انْتقل بِسَبَب ذَلِك إِلَى دَرَجَة ذَلِك الشَّخْص، فَتدبر مَعَ أَنه لَا منع من الْجمع.
(وَكَذَا الْمُخْتَلط الَّذِي لَا يتَمَيَّز) أَي [مَا] حدث بِهِ.
(وَكَذَا المستور) كَانَ حَقه [فِي الشَّرْح] أَن يَقُول بعد المستور: وَكَذَا الْمُخْتَلط الَّذِي لَا يتَمَيَّز كَمَا هُوَ ظَاهر، ثمَّ فِي عطفه على السَّيئ الْحِفْظ نظر؛ لِأَن الْمُخْتَلط قسم مِنْهُ كَمَا مر قبيل ذَلِك، وَإِن أُرِيد بالسيئ الْحِفْظ الْقسم الأول فَقَط، فَهُوَ تكلّف غير متبادر، قيل: إِن المُرَاد من السَّيئ الْحِفْظ الْمَعْنى اللّغَوِيّ. وَفِيه أَنه أَيْضا أَعم من الْمُخْتَلط، فَلَا وَجه للْعَطْف مَعَ أَنه أَيْضا غير متبادر، وَيُمكن أَن يُقَال إِن الْمُخْتَلط الَّذِي تميز لَا يحْتَاج فِي قبُوله إِلَى مُتَابعَة، فَلَا يجوز إِجْرَاء السَّيئ الْحِفْظ فِي الْمَتْن على إِطْلَاقه، فعطفَ الشارحُ عَلَيْهِ الْمُخْتَلط الْمَذْكُور ليعلم أَن المُرَاد بالسيئ الْحِفْظ الْقسم الأول.
(والإسناد الْمُرْسل) بِكَسْر السِّين وَقيل بِفَتْحِهَا، (وَكَذَا المدلِّس) بِكَسْر اللَّام
[ ٥٣٩ ]
[أَو بِفَتْحِهَا] (إِذا لم يُعرَف الْمَحْذُوف مِنْهُ)
وَاعْلَم أَنه إِن كَانَ المرسَل والمدلس على صِيغَة الْمَفْعُول، ليَكُون صفة الْإِسْنَاد كَمَا فعل الشَّارِح حَيْثُ صرح بقوله: والإسناد يحْتَاج قَوْله: (صَار حَدِيثهمْ) إِلَى تكلّف بِأَن يُقَال: مَعْنَاهُ حَدِيث الْمُخْتَلط والمستور، وَحَدِيث رَاوِي الْمُرْسل والمدلس، وَإِن كَانَا على صِيغَة اسْم الْفَاعِل ليكونا صِفَتي الرَّاوِي، لم يحْتَج قَوْله: حَدِيثهمْ إِلَى تكلّف.
قَالَ التلميذ: الأولى أَن يَقُول: صَار الحَدِيث، لِأَن الضَّمِير للمختلط والمستور والإسناد، فعلى مَا قَالَ يكون على وَجه التغليب أَو [١٣٣ - أ] تَقْرِير مُضَاف، وعَلى مَا قلت لَا يحْتَاج لذَلِك، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. قلت لَا يخفى عَن الِاحْتِيَاج لذَلِك كَذَلِك، لِأَن الألِف وَاللَّام حينئذٍ إِمَّا بدل عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَإِمَّا للْعهد، فَيدْخل الْمَذْكُور تَحت الملاحظة، فَيرجع الْإِشْكَال بِعَيْنِه مَعَ أَن عَادَة الْمحشِي وَالشَّارِح إصلاحُ كَلَام الماتن، لَا أَنه يَأْتِي بِعِبَارَة أُخْرَى، وَيَقُول هَذِه أحسن مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يرد [عَلَيْهَا مَا يرد] عَلَيْهِ.
وَحَاصِل الْكَلَام: أَنه قد صَار حَدِيثهمْ بعد حُصُول الْمُتَابَعَة الْمُعْتَبرَة (حسنا) أَي لغيره، (لَا لذاته بل وَصَفَهُ بذلك بِاعْتِبَار الْمَجْمُوع من المتابع) بِكَسْر الْمُوَحدَة،
[ ٥٤٠ ]
(والمتابَع) بِفَتْحِهَا؛ (لِأَن / ٩٤ - أ / كل وَاحِد مِنْهُم احْتِمَال كَون رِوَايَته صَوَابا أَو غير صَوَاب) قَوْله احْتِمَال: مُبْتَدأ وَقَوله: (على حد سَوَاء) خَبره وَالْجُمْلَة خبر أنّ، وَلَك أَن تجْعَل احْتِمَال مَنْصُوبًا بَدَلا من كل وَاحِد، أَو مَنْصُوبًا على نزع الْخَافِض، أَي فِي احْتِمَال [كَونه] كَمَا فِي نُسْخَة، وَرَأَيْت فِي نُسْخَة: احْتِمَال بِصِيغَة الْمَاضِي، فَلَا إِشْكَال
(فَإِذا جَاءَت من المعتبِرين) على صِيغَة اسْم فَاعل، أَو مفعول، (روايةٌ) فَاعل جَاءَت، (مُوَافقَة لأَحَدهم رجح) بِصِيغَة الْمَفْعُول، (أحد الْجَانِبَيْنِ من الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورين) أَي كَونهمَا صَوَابا أَو غير صَوَاب.
(ودلّ ذَلِك) أَي التَّرْجِيح، (على أَن الحَدِيث) على تَقْدِير كَونه صَوَابا، (مَحْفُوظ، / فارتقى من دَرَجَة التَّوَقُّف إِلَى دَرَجَة الْقبُول، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم) . قيل: يُشعر كَلَامه بِأَن الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة كلّها متوقفٌ فِيهَا، وَكَذَا قَوْله فِيمَا تقدم: لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم الخ، صريحٌ فِي ذَلِك، وَفِيه تَأمل، لِأَن بعض أَقسَام السِّيئ الْحِفْظ مَقْبُول لَا توقف فِيهِ. انْتهى. وَلَك أَن تَقول: المُرَاد من السَّيئ الْحِفْظ، هُوَ الْقسم الأول كَمَا سبق فَتَأمل.