(وَالْقسم الثَّانِي: وَهُوَ الْخَفي) الظَّاهِر: مَا فِيهِ السقط الْخَفي، (المدلس بِفَتْح اللَّام) . قَالَ تِلْمِيذه: الْمقسم السقط، والمدلس الْإِسْنَاد الَّذِي وَقع فِيهِ السقط، فَلَا يكون الْحمل حَقِيقِيًّا. انْتهى. وَهُوَ أحد نَوْعي المدلس، وَهُوَ مَا يَقع فِي الْإِسْنَاد.
[ ٤١٦ ]
وَالنَّوْع الآخر مَا يَقع فِي الشُّيُوخ، [وَهُوَ] أَن يروي عَن شيخ سَمعه فيسميه، أَو يكنيه، أَو ينْسبهُ، أَو يصفه بِمَا لَا يعرف بِهِ، كي لَا يعرف. وَالنَّوْع الأول مَكْرُوه جدا، وَكَأَنَّهُ لذَلِك اقْتصر عَلَيْهِ. هَذَا، وَقيل: تَعْرِيفه الْخَارِج من التَّقْسِيم يصدق على الْأَقْسَام الْحَاصِلَة من التَّقْسِيم الأول. بِنَاء على ظَاهره، فإمَّا أَن يلْتَزم التصادق، ويدعى أَن التغاير اعتباري، أَو يُقيد كل مِنْهُمَا بِمَا لَا يُوجد فِي الآخر لتباين الْأَقْسَام.
(سمي) أَي الْقسم الثَّانِي، (بذلك) أَي بالمدلس، (لكَون الرَّاوِي لم يسم من حَدثهُ، وأوهم سَمَاعه للْحَدِيث مِمَّن لم يحدثه) أَي (بِهِ) .
وَمِنْه التَّدْلِيس فِي البيع، يُقَال: دلّس فلَان على فلَان، أَي ستر عَنهُ الْعَيْب الَّذِي فِي مَتَاعه، كَأَنَّهُ أظلم عَلَيْهِ الْأَمر. وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاح رَاجع إِلَى ذَلِك من حَيْثُ إِن من أسقط من الْإِسْنَاد شَيْئا، فقد غطى ذَلِك الَّذِي أسْقطه، وَزَاد فِي التغطية لإتيانه بِعِبَارَة موهمه، وَكَذَا تَدْلِيس / ٦٧ - ب / / الشُّيُوخ، فَإِن الرَّاوِي يُغطي الْوَصْف الَّذِي بِهِ يعرف الشَّيْخ، أَو يُغطي الشَّيْخ بوصفه بِغَيْر مَا اشْتهر بِهِ، كَذَا حَقَّقَهُ البقاعي، وَبِه يَتَّضِح قَول المُصَنّف.
(واشتقاقه) أَي أَخذ المدلس (من الدلس - بِالتَّحْرِيكِ -) أَي بتحريك الْأَوَّلين، (وَهُوَ اخْتِلَاط الظلام [٩٣ - ب] أَي (بِالنورِ) كَمَا يكون فِي أول
[ ٤١٧ ]
اللَّيْل، (سمي بذلك) أَي سمي المدلس بِالْمَعْنَى الاصطلاحي؛ (لاشْتِرَاكهمَا) أَي الْمَحْذُوف والنور (فِي الخفاء) وَهَذِه التَّسْمِيَة من تتمه وَجه التَّسْمِيَة الأولى، كَمَا لَا يخفى.
(وَيرد) أَي وَحقه أَن يرد (المدلس) بِفَتْح اللَّام، (بِصِيغَة من صِيغ الْأَدَاء) أَي بِلَفْظ من أَلْفَاظ مَا يُؤَدِّي بِهِ الْإِسْنَاد، [ك: أَنبأَنَا، وحديثا]، (تحْتَمل) أَي الصِّيغَة، (وُقُوع اللِّقَاء) بِكَسْر اللَّام ممدودا، وَفِي نُسْخَة: بِضَم اللَّام، وَفِي آخِره يَاء مُشَدّدَة، (بَين المدلس) بِكَسْر اللَّام، (وَمن أسْند) أَي وَبَين من رُوِيَ (عَنهُ)
قَالَ التلميذ: الأولى أَن يُقَال: يحْتَمل السماع، كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ وَغَيره. انْتهى. وَقَالَ السخاوي: كنى شَيخنَا باللقاء عَن السماع لتصريح غير وَاحِد من الْأَئِمَّة فِي تَعْرِيفه بِالسَّمَاعِ. قيل: وَالْأولَى أَن يَقُول: وُقُوع السماع، لِأَن أَدَاء الحَدِيث على وَجه مشْعر على بِأَنَّهُ سَمعه مِمَّن روى عَنهُ، مُوجب لكَون الرَّاوِي مدلسا. ويرشدك إِلَيْهِ قَوْله: أوهم سَمَاعه. وَأما أَدَاؤُهُ على وَجه مشْعر باللقاء، فَلَا يُوجب، لِأَن اللِّقَاء مُعْتَبر فِي المدلس، كَمَا صرح بِهِ فِي الشَّرْح، وأوهم بِهِ الْمَتْن.
(ك: عَن) أَي فلَان (وَكَذَا قَالَ) أَي فلَان لِئَلَّا يكون كذبا، وَلَفظ كَذَا من الشَّرْح مُسْتَغْنى عَنهُ بالْعَطْف.
(وَمَتى) أَي وَإِنَّمَا قُلْنَا: حَقه أَن يرد المدلس. . الخ لِأَنَّهُ مَتى (وَقع) أَي
[ ٤١٨ ]
الحَدِيث، (بِصِيغَة صَرِيحَة [لَا يجوز فِيهَا]) أَي فِي [السماع]، وَهِي لَفْظَة: أَخْبرنِي أَو حَدثنِي، أَو سمعته، وَالْحَال أَنه ثَبت عدم السماع، (كَانَ) أَي الرَّاوِي، (كَاذِبًا) وَلَيْسَ بمدلس أصلا، وَفِي نُسْخَة: كَانَ كذبا، أَي الحَدِيث يكون حِينَئِذٍ لَا تدليسا.
وَحَاصِله: أَنه مَتى وَقع الحَدِيث المدلس بِلَفْظ صَرِيح، فَهُوَ كذب أما إِذا وَقع من المدلس، أَي مِمَّن وَقع مِنْهُ التَّدْلِيس فِي بعض الصُّور حَدِيث بِلَفْظ صَرِيح، فَإِنَّهُ مَقْبُول إِذا كَانَ المدلس عدلا كَمَا يَجِيء فِيهِ حَدِيثه، وَهَذَا معنى قَوْله: [٩٤ - أ] (وَحكم من ثَبت عَنهُ التَّدْلِيس) أَي إِيرَاد الْإِسْنَاد بصيغةٍ تحْتَمل السماع (إِذا كَانَ عدلا) وَالْحكم مُبْتَدأ خَبره (أَن لَا يُقْبَل): أَي الحَدِيث، (مِنْهُ) أَي من المدلس، أَو من أجل تدليسه، (إِلَّا إِذا صرح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ) أَي بَين السماع فِيهِ، بِحَيْثُ زَالَ احْتِمَال الِانْقِطَاع، وأتى بِلَفْظ مُبين للاتصال، وَصرح فِيهِ ك: سَمِعت، وَحدثنَا وَأخْبرنَا، فَهُوَ مَقْبُول مُحْتَج بِهِ (على الْأَصَح)
لِأَن التَّدْلِيس لَيْسَ كذبا، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْسِين لظَاهِر الْإِسْنَاد / ٦٨ - أوضَرب من الْإِبْهَام بِلَفْظ مُحْتَمل، فَإِذا صرح بوصله، وَزَالَ الْإِبْهَام قُبِلَ، وَقيد بقوله: عدلا لِأَنَّهُ إِذا لم يكن عدلا، فَلَا يقبل مِنْهُ أصلا.
[ ٤١٩ ]
وَقَالَ فريق من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء: مَن عُرِف بارتكاب / التَّدْلِيس وَلَو مرّة صَار مجروحًا مردودًا فِي الرِّوَايَة، وإنْ بَين السماع وأتى بِصِيغَة صَرِيحَة فِي هَذَا الحَدِيث، أَو فِي غَيره من أَحَادِيثه.
قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد الجَزرِي: التَّدْلِيس قِسْمَانِ:
تَدْلِيس الْإِسْنَاد، وتدليس الشُّيُوخ
أمّا تَدْلِيس الْإِسْنَاد فَهُوَ أَن يروي عَمَّن لقِيه أَو عاصره مَا لم يسمع مِنْهُ، مُوهِمًا أَنه سَمعه مِنْهُ، وَلَا يَقُول: أخبرنَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ، بل يَقُول: قَالَ فلَان، أَو عَن فلَان وإنّ فلَانا قَالَ، وَمَا أشبه ذَلِك. ثمَّ قد يكون بَينهمَا واحدٌ أَو قد يكون أَكثر، وَرُبمَا لم يُسقط المدلس شَيْخه، لَكِن يُسقط من بعده رجلا ضَعِيفا أَو صَغِير السن، يُحَسِّنُ الحَدِيث بذلك. وَكَانَ الْأَعْمَش، وَالثَّوْري، وَابْن عُيينة، وَابْن إِسْحَاق وَغَيرهم يَفْعَلُونَ هَذَا النَّوْع.
وَمن ذَلِك مَا حكى ابْن خشرم: كُنَّا يَوْمًا عِنْد سُفْيَان بن عُيينة فَقَالَ: عَن الزُّهري فَقيل لَهُ: حَدثَك الزُّهْرِيّ؟ فَسكت، ثمَّ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيّ. فَقيل لَهُ أسمعته من الزُّهْرِيّ؟ فَقَالَ: لم أسمعهُ من الزُّهْرِيّ، وَلَا مِمَّن سَمعه من الزُّهْرِيّ حَدثنِي عبد الرَّزَّاق عَن معْمَر، عَن [٩٤ - ب] الزُّهْرِيّ. وَهَذَا الْقسم من التَّدْلِيس مَكْرُوه [جدا]، وفاعله مَذْمُوم عِنْد أَكثر الْعلمَاء. ومَن عُرِف بِهِ فَهُوَ
[ ٤٢٠ ]
مَجْرُوح عِنْد جمَاعَة لَا تقبل رِوَايَته بَين السماع أَو لم يبنيه.
وَالصَّحِيح التَّفْصِيل فِيمَا بَين فِيهِ الِاتِّصَال، ك: سَمِعت، وَحدثنَا، وَنَحْو ذَلِك مَقْبُول، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا مِنْهُ كثير.
قَالَ النَّوَوِيّ: ذَلِك لِأَن هَذَا التَّدْلِيس لَيْسَ كذبا، بل لم يبين فِيهِ الِاتِّصَال، فلفظه مُحْتَمل، وَحكمه حكم المرسَل وأنواعه. وأجرى الشَّافِعِي هَذَا الحكم فِيمَن دلّس مرّة.
وَأما تَدْلِيس الشُّيُوخ: وَهُوَ أَن يُسَمِّي شَيخا سمع مِنْهُ [بِغَيْر] اسْمه الْمَعْرُوف، أَو ينْسبهُ، أَو يصفه بِمَا لَا يشْتَهر كَيْلا يعرف. وَهَذَا أخف من الأول، وَيخْتَلف الْحَال فِي كَرَاهَته بِحَسب اخْتِلَاف الْقَصْد الْحَامِل عَلَيْهِ، وَهُوَ إِمَّا لكَونه ضَعِيفا، أَو صَغِيرا، أَو مُتَأَخّر الْوَفَاة، أَو لكَونه مكثرًا عَنهُ، أَو شَاركهُ فِي السماع عَنهُ جمَاعَة دونه. وتَسَمَّح بِهِ جمَاعَة من المصنفين، كالخطيب، وَقد أَكثر مِنْهُ. وَمِنْه قَول ابْن مُجَاهد المُقْرِئ: حَدثنَا عبد الله بن أبي عبد الله، يُرِيد أَبَا بكر عبد الله بن أبي دَاوُد السجسْتانِي. وَقَوله: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَند، يَعْنِي أَبَا بكر مُحَمَّد بن الْحسن النقاش، نِسْبَة إِلَى جد لَهُ. قلت: هُوَ مُحَمَّد بن حسن بن زِيَاد بن / ٦٨ - ب / هَارُون بن جَعْفَر بن سَنَد. انْتهى.
وَقيل: المُدلَّس ثَلَاثَة أَقسَام:
أَحدهَا: مَا ذكره المُصَنّف: وَهُوَ أَن يُسقط اسْم شَيْخه الَّذِي سمع مِنْهُ،
[ ٤٢١ ]
ويرتقي إِلَى شيخ شَيْخه، أَو مَن فَوْقه، فيسند ذَلِك بِلَفْظ لَا يَقْتَضِي الِاتِّصَال، بل بِلَفْظ موهمِ لَهُ، ك: عَن فلَان أَو قَالَ فلَان. وَإِنَّمَا يكون تدليسًا إِذا كَانَ المدلس لَقِيه وَلم يسمع مِنْهُ، أَو سَمعه وَلم يسمع مِنْهُ ذَلِك الحَدِيث. مِثَال ذَلِك: مَا رُوِيَ عَن عَليّ بن خَشْرم قَالَ: كُنَّا يَوْمًا عِنْد ابْن عُيينة الخ،
وَثَانِيها: أَن يصف المدلس شَيْخه بِوَصْف لَا يُعرف بِهِ، من اسْم، أَو كنية، أَو نِسْبَة [٩٥ - أ] إِلَى قَبيلَة، أَو صفة، أَو بلدٍ، أَو نَحْو ذَلِك، كي يُوعر الطَّرِيق / إِلَى السماع لَهُ، كَقَوْل ابْن مُجَاهِد - أحد القُراء -: حَدثنَا عبد الله بن أبي عبد الله، يُرِيد بِهِ عبد الله بن أبي دَاوُد السِّجِسْتاني صَاحب " السّنَن "
وَثَالِثهَا: تَدْلِيس التَّسْوِيَة: وَصورته أَن يروي حَدِيثا عَن شيخ ثِقَة، وَذَلِكَ الثِّقَة يرويهِ عَن ضَعِيف عَن ثِقَة فَيَأْتِي المدلس الَّذِي سمع الحَدِيث من الثِّقَة الأول، فَيسْقط الضَّعِيف الَّذِي فِي السَّنَد، وَيجْعَل الحَدِيث عَن شَيْخه الثِّقَة عَن الثِّقَة الثَّانِي، فيسوي الْإِسْنَاد كُله ثِقَات. فَهَذَا أشر أَقسَام التَّدْلِيس، لِأَن الثِّقَة الأول قد لَا يكون مَعْرُوفا بالتدليس، ويجده الْوَاقِف على السَّنَد كَذَلِك بعد التَّسْوِيَة قد رَوَاهُ عَن ثِقَة آخر، فَيحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ، وَهَذَا غرور شَدِيد.
وَأما الْقسم الأول: فمكروه جدا ذمه أَكثر الْعلمَاء، وَكَانَ شُعبة أَشَّدهم ذمًا
[ ٤٢٢ ]
فروى الشَّافِعِي، عَن شُعْبَة قَالَ: التَّدْلِيس أَخُو الْكَذِب. وَقَالَ لِأَن أزني أحب إليّ مِن أَن أدلس، قَالَ: وَهَذَا من شُعْبَة مَحْمُول على الزّجر والتنفير.
وَالْقسم الثَّانِي أمره أخف وَفِيه تَضْييع للمروي عَنهُ والمروي، وتوعير لطريق مَعْرفَته على من يطْلب الْوُقُوف على حَاله.