(والمسند / ١٠٩ - ب /) اسْم مفعول من الْإِسْنَاد (فِي قَول أهل الحَدِيث:) أَي فِي إِطْلَاقهم، (هَذَا حَدِيث مُسْند هُوَ) ضمير فصل / (مَرْفُوع صَحَابِيّ) مَرْفُوع مُضَاف على الخبرية، (بِسَنَد ظَاهره الِاتِّصَال) .
(فَقولِي: " مَرْفُوع " كالجنس) أَي يَشْمَل الْمَحْدُود وَغَيره.
(وَقَوْلِي: " صَحَابِيّ " كالفصل يخرج) بِضَم الْيَاء، وَكسر الرَّاء، (مَا رَفعه التَّابِعِيّ) بِأَن قَول: قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، (فَإِنَّهُ مُرْسل، أَو من دونه) [أَي دون التَّابِعِيّ] (فَإِنَّهُ معضل) أَرَادَ بِكَوْنِهِ مَرْفُوع الصَّحَابِيّ أَن لَا يتْرك الصَّحَابِيّ فِي الْإِسْنَاد وَاحِدًا، وبمرفوع التَّابِعِيّ أَن يتْرك التَّابِعِيّ الصَّحَابِيّ من الْوسط، وبمرفوع من دون التَّابِعِيّ أَن يتْرك هُوَ التَّابِعِيّ والصحابي [أَيْضا من الْوسط] .
(أَو مُعَلّق) قيل: أَو لمنع الْخُلُو، وَإِلَّا فقد مر أَنه يُمكن اجْتِمَاعهمَا، وَقيل: إِنَّه معضل أَن كَانَ السَّاقِط اثْنَيْنِ فَصَاعِدا مَعَ التوالي، ومعلق إِن كَانَ السَّاقِط من مبادئ السَّنَد، يَعْنِي رَفعه صنف من المصنفين الَّذِي مِنْهُ مبدأ الْإِسْنَاد. هَذَا، وَالْأولَى أَن يذكر الْمُنْقَطع أَيْضا.
[ ٦٠٩ ]
(وَقَوْلِي: " ظَاهره الِاتِّصَال " [يخرح] مَا ظَاهره الِانْقِطَاع) كالمرسل الْجَلِيّ، وَكَذَا يخرج مَا يُسَاوِي احْتِمَال الِاتِّصَال والانقطاع بِحَسب الظُّهُور والخفاء، (وَيدخل) [من الإدخال]، (مَا فِيهِ الِاحْتِمَال) أَي احْتِمَال الِاتِّصَال والانقطاع، [١٥٨ - أ] كالمرسل الْخَفي لَكِن يَنْبَغِي أَن يكون الِاتِّصَال أرجح ليصدق التَّعْرِيف.
(وَمَا يُوجد) أَي يدْخل أَيْضا مَا يُوجد (فِيهِ حَقِيقَة الِاتِّصَال من بَاب الأولى) يَعْنِي إِذا كَانَ مَا ظَاهره مُتَّصِلا دَاخِلا فِي التَّعْرِيف، فَمَا كَانَ فِي الْحَقِيقَة مُتَّصِلا كَانَ دُخُوله فِي التَّعْرِيف أولى، وَلَيْسَ المُرَاد أَن مَا تُوجد فِيهِ حَقِيقَة الِاتِّصَال دَاخل فِيمَا ظَاهره الِاتِّصَال، لِأَن مَا يكون مُتَّصِلا حَقِيقَة يُمكن أَن يكون مُنْقَطِعًا ظَاهرا، وَأَنت خَبِير بِأَن دُخُول بعض الْأَفْرَاد فِي التَّعْرِيف بطرِيق الْأَوْلَوِيَّة غير مستحسن.
(وَيفهم من التَّقْيِيد بالظهور، أَن الِانْقِطَاع الْخَفي كعنعنة المدلس، والمعاصر الَّذِي لم يثبت لقبه) وَهُوَ الْمُرْسل الْخَفي. قَالَ السخاوي: وَغَيرهمَا مِمَّا ظَاهره الِاتِّصَال، وَقد يفتش فيوجد مُنْقَطِعًا.
(لَا يخرج الحَدِيث عَن كَونه مُسْندًا لإطباق الْأَئِمَّة) أَي اتِّفَاق أَئِمَّة الحَدِيث (الَّذِي خَرجُوا) بتَشْديد الرَّاء بِمَعْنى أخرجُوا، (المسانيد) أَي أحاديثها (على ذَلِك) أَي على مَا ذَكرْنَاهُ مفصلا. وَاعْلَم أَنه قَالَ الْخَطِيب: الْمسند مَا اتِّصَال سَنَده
[ ٦١٠ ]
من رُوَاته إِلَى منتهاه، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي مَا جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم دون غَيره. وَقَالَ الْحَاكِم: هُوَ مَا اتَّصل سندا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: هُوَ مَا رفع إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْقَطِعًا. فَهَذِهِ / ١١٠ - أ / ثَلَاثَة أَقْوَال، وعَلى كل قَول مِنْهَا فَالْمُسْنَدُ يَنْقَسِم إِلَى صَحِيح، وَحسن، وَضَعِيف. ذكره ابْن جمَاعَة فِي " منهل الروي فِي أصُول الحَدِيث النَّبَوِيّ ".
(وَهَذَا التَّعْرِيف مُوَافق لقَوْل الْحَاكِم: الْمسند مَا رَوَاهُ الْمُحدث عَن شيخ يظْهر سَمَاعه مِنْهُ، وَكَذَا شَيْخه عَن شَيْخه مُتَّصِلا إِلَى صَحَابِيّ إِلَى رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم) [١٥٨ - ب] وَفِيه أَنه إِن أُرِيد بِقَيْد ظُهُور السماع مَا يتَبَادَر مِنْهُ، وَهُوَ أَنه يسمع مِنْهُ وَيكون سَمَاعه مِنْهُ ظَاهرا، فالتعريف مَخْصُوص بِمُتَّصِل السَّنَد، فَلَا يدْخل فِيهِ مَا فِيهِ الِاحْتِمَال والمدلس والمرسل الْخَفي، فَيَنْبَغِي أَن يُرَاد بالموافقة بَينه وَبَين تَعْرِيف الْحَاكِم الْمُوَافقَة فِي الْجُمْلَة بِالْإِضَافَة إِلَى التعريفين، فَإِن أوفقيته بِالنِّسْبَةِ [إِلَى تَعْرِيف] ابْن / عبد الْبر أظهر من أَن يخفي.
[ ٦١١ ]
وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَعْرِيف الْخَطِيب، فَلِأَن فِي تَعْرِيفه مَا فِي تَعْرِيف الْحَاكِم من جِهَة الْمُخَالفَة مَعَ أَمر أخر، وَهُوَ صدقه على الْمَوْقُوف، فَهُوَ لَيْسَ بِجَامِع، وَهَذَا أَي تَعْرِيف الْحَاكِم مَانع وَلكنه لَيْسَ بِجَامِع، وَإِن أُرِيد مَا يكون ظَاهره السماع على قِيَاس قَوْله: ظَاهر الِاتِّصَال، فالتعريفان متساويان ومتوافقان، لكنه إِنَّمَا يظْهر دلَالَة قَوْله: " يظْهر سَمَاعه " على الأول.
(وَأما الْخَطِيب) وَهُوَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ (فَقَالَ: " الْمسند الْمُتَّصِل ". فعلى هَذَا [أَي على تَعْرِيفه]، (الْمَوْقُوف إِذا جَاءَ بِسَنَد مُتَّصِل يُسمى عِنْده مُسْندًا) فَيشْمَل الْمَرْفُوع، وَالْمَوْقُوف، بل الْمَقْطُوع أَيْضا.
(لكنه قَالَ: " إِن ذَلِك) أَي الْمَوْقُوف الْمُتَّصِل السَّنَد، (قد يَأْتِي بقلة ") وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِيمَا جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، نُوقِشَ فِي الْعبارَة بِأَن قَوْله: بقلة مُسْتَدْرك، لكَون " قد " مُفِيدا للقلة، وَدفع بِأَنَّهُ ذكر تَأْكِيدًا؛ وَاسْتشْكل بِمَا فِي بعض النّسخ: قد يَأْتِي لَكِن بقلة، فَإِن لَكِن إِنَّمَا تكون لدفع التَّوَهُّم النَّاشِئ مِمَّا قبله، وَأجِيب: بِأَن " قد " هُنَا للتحقيق الصّرْف، فَإِن " قد " فِي الْحَال إِنَّمَا تكون للتحقيق فَقَط لَا للتقليل كَمَا صرح بِهِ " اللب " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قد يعلم مَا أَنْتُم عَلَيْهِ﴾ انْتهى.
وَالتَّحْقِيق أَن قد فِي الْآيَة لتقليل مُتَعَلّقه، وَالْمعْنَى أَن: ﴿مَا أَنْتُم عَلَيْهِ﴾ هُوَ أقل معلوماته [١٥٩ - أ] وَقيل: المُرَاد بالقلة الْمَذْكُورَة بعد لَكِن إِنَّمَا هِيَ نِهَايَة الْقلَّة، بِقَرِينَة التَّنْوِين. هَذَا، وَقَالَ التلميذ: قَوْله: وَأما الْخَطِيب الخ فِيهِ نظر من وَجْهَيْن: الأول: أَن الْخَطِيب لم يذكر للمسند تعريفا من قبل نَفسه ليلزمه مَا ذكر.
[ ٦١٢ ]
قلت: يَدْفَعهُ مَا تقدم من نقل المنهل. الثَّانِي: أَن قَوْله: لَكِن قَالَ: إِن ذَلِك قد يَأْتِي بقلة لَيْسَ بِظَاهِر المُرَاد، فَإِن الظَّاهِر أَن / ١١٠ - ب / ترجع الْإِشَارَة إِلَى مَجِيء الْمَوْقُوف بِسَنَد مُتَّصِل، وَلَيْسَ بِمُرَاد، وَإِنَّمَا المُرَاد استعمالهم الْمسند فِي كل مَا اتَّصل إِسْنَاده مَوْقُوفا كَانَ أَو مَرْفُوعا، وَبَيَان ذَلِك أَن لفظ الْخَطِيب: وَصفهم الحَدِيث بِأَنَّهُ مُسْند يرَوْنَ أَن إِسْنَاده مُتَّصِل بَين رَاوِيه، وَبَين من أسْند عَنهُ إِلَّا أَن أَكثر استعمالهم هَذِه الْعبارَة هُوَ فِيمَا أسْند عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم خَاصَّة. انْتهى.
وَيدْفَع بِأَن الشَّيْخ نقل حَاصِل الْمَعْنى وَأسْندَ التَّعْرِيف إِلَى الْخَطِيب لكَونه ذكره وَاخْتَارَهُ، وَالظَّاهِر أَنه لَا اعْتِرَاض على الْخَطِيب، فَإِنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن الِاصْطِلَاح الْمَذْكُور لأكْثر الْمُحدثين إِنَّمَا هُوَ غالبي وأكثري، لَا كلي جامعي، ومانعي.
(وَأبْعد ابْن عبد الْبر حَيْثُ قَالَ: " الْمُسْتَند الْمَرْفُوع ") وَهُوَ مَا جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم خَاصَّة، (وَلم يتَعَرَّض للإسناد) أَي بالاتصال والانقطاع وَغَيرهمَا، وَفِيه أَنه قد سبق مِنْهُ أَنه [عمم] بقوله: مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْقَطِعًا، وَلَو لم يتَعَرَّض لَهُ لَكَانَ أَهْون بِأَن يَقُول: اللَّام للْعهد وَهُوَ الْمُتَّصِل.
(فَإِنَّهُ يصدق على الْمُرْسل، والمعضل، والمنقطع) هُوَ كالمعضل إِلَّا أَنه يشْتَرط فِيهِ عدم التوالي، وَكَذَا يصدق على الْمُعَلق (إِذا كَانَ الْمَتْن مَرْفُوعا، وَلَا قَائِل بِهِ) وَحَاصِله [١٥٩ - ب] أَن هَذَا التَّعْرِيف أبعد من تَعْرِيف / الْخَطِيب، لِأَن تَعْرِيف
[ ٦١٣ ]
الْخَطِيب لَا يصدق على شَيْء من أغيار الْمَحْدُود إِلَّا على الْمَوْقُوف الْمُتَّصِل، وَهُوَ مِمَّا يُقَال بِدُخُولِهِ فِي الْمَحْدُود، وَهَذَا التَّعْرِيف يصدق على أَنْوَاع مُتعَدِّدَة من أغيار الْمَحْدُود، وَلم يقل بِدُخُولِهَا فِي الْمَحْدُود أحد أصلا.