(أَو إِن كَانَت الْمُخَالفَة بتغيير حرف) أَي بِسَبَب التَّلَفُّظ بتغيير حرف، (أَو
[ ٤٨٨ ]
حُرُوف) أَي اثْنَيْنِ فَصَاعِدا (مَعَ بَقَاء صُورَة الْخط فِي السِّياق) أَي سِيَاق اللَّفْظ، وَأبْعد محشٍ حَيْثُ قَالَ: أَي سِيَاق الْإِسْنَاد. وَقَالَ التلميذ: لَا يظْهر لهَذَا السِّيَاق كثير معنى. انْتهى.
ثمَّ تَغْيِير الْحُرُوف إِمَّا حَقِيقَة، كَمَا فِي تَغْيِير النُقْط، أَو مجَازًا، كَمَا فِي تَغْيِير الشَّكْل، فَإِن المغير حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ ذَلِك الْعَارِض، فَانْدفع مَا قَالَ التلميذ وَيخرج من الشَّرْح نظره فِي الْمَتْن، لِأَن صَرِيح الشَّرْح أَن الْمَحْذُوف مَا وَقع التَّغْيِير فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَرَكَة الْحُرُوف، وصريح الْمَتْن، أَن يكون بتغيير الْحُرُوف، وَلَيْسَ كَذَلِك، فالباء بَاء، سَوَاء كَانَت مَضْمُومَة أَو مَفْتُوحَة أَو مَكْسُورَة، إِن كَانَ المُرَاد أَعم من تَغْيِير الذَّات والهيئة، فَمَا وَجهه، انْتهى. وَوَجهه مَا بَينا، مَعَ مَا تقدم من أَن الْمَتْن وَالشَّرْح جعلا مؤلفًا وَاحِدًا، فَلَا مُغَايرَة بَينهمَا، بل يتحد مآلهما وَلَو تعدد حَالهمَا [١١٧ - أ] .
(فَإِن كَانَ ذَلِك) أَي التَّغْيِير (بِالنِّسْبَةِ إِلَى النقطة) وَفِي نُسْخَة: إِلَى النَّقط من نَقَطْتُّ الْكتاب نَقْطًَا / وَضَعْتُ عَلَيْهِ النُّقْطَة.
(فالمُصَحِّف) اسْم مفعول من التَّصْحِيف، وَهُوَ أَعم من أَن يكون مَعَه تَغْيِير
[ ٤٨٩ ]
إِعْرَاب أم لَا. (وَإِن كَانَ) أَي ذَلِك التَّغْيِير، (بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشكل) أَي الحركات / ٨٣ - أ / والسكنات، من شَكَلْت الْكتاب، قيدته بالإعراب.
(فالمُحَرَّف) وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه﴾ وَفِي آيَة ﴿من بعد موَاضعه﴾، أَي مراتبه اللائقة بِهِ.
فمثال المُصَحَّف: حَدِيث: " من صَامَ رَمَضَان، وأَتْبَعهُ سِتًا من شَوَّال " صحفه أَبُو بكر الصُّوليّ فَقَالَ: " شَيْئا " بالشين الْمُعْجَمَة وَالْيَاء.
وَمِثَال المحرِّف: كَحَدِيث جَابر ﵁: " رُمِيَ أُبَيٌّ يَوْم الْأَحْزَاب على أَكْحَلِه فكواه رَسُول الله [ﷺ] "، صحّفه غُنْدَر وَقَالَ فِيهِ: أَبِي، بِالْإِضَافَة، وَإِنَّمَا هُوَ أُبيّ [بن] كَعْب. وَأَبُو جَابر كَانَ قد اسْتشْهد قبل ذَلِك بأحُد، كَذَا ذكره الْجَزرِي.
وَجعل صَاحب الْخُلَاصَة المُصَحَّف أقسامًا: مِنْهَا مَا يكون محسوسًا بالبصر، إِمَّا فِي الْإِسْنَاد، كَمَا صحّف يحيى بن معِين مُرَاجِم بالراء الْمُهْملَة، وَالْجِيم، بمزَاحم، بالزاي والحاء الْمُهْملَة. أَو فِي الْمَتْن، كَمَا صحف أَبُو بكر
[ ٤٩٠ ]
الصُّوليّ سِتا بشيئًا. وَمِنْهَا مَا يكون محسوسًا [بِالسَّمْعِ] .
أما فِي الْإِسْنَاد، كتصحيف عَاصِم الْأَحول بِوَاصل الأحدب. قَالَ الرَّازِيّ: ظَنِّي أَن هَذَا من تَصْحِيف [السّمع لَا من تَصْحِيف] الْبَصَر، لعدم الِاشْتِبَاه بِالْكِتَابَةِ، وَأما فِي الْمَتْن، كتصحيف الدَّجاجة بِالدَّال بالزُّجَاجَة بالزاي.
وَمِنْهَا مَا يكون معنى، كَمَا تُوُهِّم مِمَّا ثَبت فِي الصَّحِيح " أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم صّلى إِلَى عَنَزَة "، وَهِي حَرْبة تُنصَب بَين يَدَيْهِ أَنه [ﷺ] صلّى إِلَى قَبيلَة بني عنزة. انْتهى. وَابْن الصّلاح وَغَيره سمّى الْقسمَيْنِ محرّفًا، وَلَا مُشَاحَّة فِي الِاصْطِلَاح. وَالْفرق أدق عِنْد أَرْبَاب الْفَلاح.
(وَمَعْرِفَة هَذَا [١١٧ - ب] النَّوْع) أَي من التَّغْيِير الْمُشْتَمل على الْقسمَيْنِ. وَقَالَ التلميذ: قَوْله: وَمَعْرِفَة هَذَا النَّوْع: أَي الْمُصحف والمحرف. انْتهى. وَفِيه من الْمُسَامحَة مَا لَا يخفى.
[ ٤٩١ ]
([مهمَّة) أَي أَمر مُهِمّ أوقع الْعلمَاء فِي الاهتمام بِهِ]، (وَقد صنف فِيهِ العَسْكَرِيّ والدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهمَا) كالخطابي، وَابْن الْجَوْزِيّ، (وَأكْثر مَا يَقع) مَا مَصْدَرِيَّة، أَي أَكثر وُقُوعه كَائِن (فِي الْمُتُون، وَقد يَقع فِي الْأَسْمَاء الَّتِي فِي الْأَسَانِيد) أَي من أَسمَاء رجال طرق الْمُتُون، وألقابهم وأنسابهم.
(وَلَا يجوز تعمُّد تَغْيِير صُورَة الْمَتْن) الْمَقْصُود بِبَيَان حَال التَّصْحِيف والتحريف، وَأما النَّقْص والإبدال، فاستطرادي (مُطلقًا) أَي سَوَاء فِي الْمُفْردَات أَو المُرَكّبات، قَالَه التلميذ. وَالْأَظْهَر أَن المُرَاد بقوله مُطلقًا، أَي لَا بِتَقْدِيم وَلَا بِتَأْخِير، وَلَا بِزِيَادَة، وَلَا نقص بِحرف فَأكْثر، وَلَا بإبدال حرف فَأكْثر بِغَيْرِهِ، وَلَا مشدَّد بمخفَّف، أَو عَكسه. (وَلَا الِاخْتِصَار مِنْهُ بِالنَّقْصِ، وَلَا إِبْدَال اللَّفْظ المرادِف بِاللَّفْظِ المرادِف لَهُ) .
لَا يخفى أَن المرادف فِي الْمَتْن عطف على النَّقْص، وَلَكِن بِاعْتِبَار حذف الْمُضَاف وَهُوَ الْإِتْيَان، وَفِي الشَّرْح صفة اللَّفْظ / ٨٣ - ب / المقدَّر، فأسلوب عبارَة الْمَتْن يدل على أَن النَّقْص، وإتيان المرادف، تَفْصِيل / لتغيير الْمَتْن، وَالْمعْنَى: لَا يجوز تعمد تَغْيِير الْمَتْن بِشَيْء من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ.
(إِلَّا لعالم)
الخ، وَقد غَيَّر الأسلوب فِي الشَّرْح، حَيْثُ زَاد قَوْله: مُطلقًا، وَزَاد قَوْله: وَلَا الِاخْتِصَار مِنْهُ، بَين قَوْله: مُطلقًا وَبَين قَوْله: بِالنَّقْصِ فَاحْتَاجَ حِينَئِذٍ إِلَى تَقْدِير: لَا إِبْدَال اللَّفْظ، ليَكُون عطفا على الِاخْتِصَار، فَصَارَ الْمَعْنى: لَا يجوز تعمُّد
[ ٤٩٢ ]
تَغْيِير صُورَة الْمَتْن مُطلقًا، أَي أصلا لَا لعالم وَلَا لغيره، وَلَا يجوز الِاخْتِصَار بِالنَّقْصِ وَلَا الْإِبْدَال بالمرادف إِلَّا لعالم.
فَيَنْبَغِي أَن يُرَاد بتغيير صُورَة الْمَتْن معنى لَا يَشْمَل الِاخْتِصَار بِالنَّقْصِ، [١١٨ - أ] وَلَا الْإِبْدَال بالمرادف، مثل تَغْيِير الْحُرُوف بالنقط، وتغيير حركاتها، وسكناتها كَمَا مَّر فِي التَّصْحِيف والتحريف. ومَثَّل التَّغْيِير بِزِيَادَة لفظ أَجْنَبِي فِي أثْنَاء الْمَتْن، ومَثَّلَ إِبْدَال اللَّفْظ بِاللَّفْظِ الْأَجْنَبِيّ الْغَيْر المرادف.
وَالْحَاصِل، أَنه لَا يجوز مَا ذكر إِلَّا لعالم (بمدلولات الْأَلْفَاظ) أَي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة (وَبِمَا يُحِيل) من أَحَالهُ غَيره، أَي بِمَا يُغيَّر (الْمعَانِي) كَأَنَّهُ عطف تَفْسِير، لذا أَتَى بِالْوَاو العاطفة فِي الشَّرْح.
(على الصَّحِيح فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) أَي مَسْأَلَة اخْتِصَار الحَدِيث، وَمَسْأَلَة الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، فَإِنَّهُمَا جائزتان للْعَالم الْمَذْكُور بِنَاء على القَوْل الصَّحِيح، خلافًا لمن خَالف فيهمَا. وَأما غير الْعَالم، فَلَا يجوز لَهُ [ذَلِك] بِاتِّفَاق الْعلمَاء. رُوِيَ أنّ بعض أَصْحَاب الحَدِيث رُئي فِي الْمَنَام وَكَأَنَّهُ قُدَّ من شفته أَو لِسَانه بِشَيْء، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك؟ فَقَالَ: لفظةٌ من حَدِيث رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم غيَّرتُها ففُعِل بِي هَذَا. قَالَ: وَكَثِيرًا مَا يَقع مَا يتوهَّمُه كثير من أهل الْعلم خطأ، وَرُبمَا غيّره وَيكون صَحِيحا، وَإِن خَفي وجههُ، واستُغرب وُقُوعه، لَا سِيمَا فِيمَا يُنكَر من حَيْثُ الْعَرَبيَّة،
[ ٤٩٣ ]
وَذَلِكَ لتشعُّب لغاتها.