(فَمَا اتفقَا عَلَيْهِ أرجح من هَذِه الْحَيْثِيَّة [مِمَّا لم يتَّفقَا عَلَيْهِ]) قَالَ المُصَنّف: أَي من حَيْثُ تلقي كتابَيْهما بالقَبول، وَقد يعرض عَلَيْهِ عَارض يَجْعَل المَفُوقَ فائقًا.
قَالَ تِلْمِيذه: فَيكون من حيثية أُخْرَى وَهُوَ الْمَفْهُوم من [٤٨ - ب] الْحَيْثِيَّة
(وَقد صرَّح الْجُمْهُور بِتَقْدِيم " صَحِيح البُخَارِيّ " فِي الصِّحَّة) إِشَارَة إِلَى
[ ٢٦٧ ]
دَلِيل تَقْدِيم مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ على مَا انْفَرد بِهِ مُسلم.
(وَلم يُوجد عَن أحد التَّصْرِيح بنقيضه) أَي بِتَقْدِيم مُسلم على البُخَارِيّ وَيُطلق عَلَيْهِ النقيض فِي العُرْف وَلم يُرْوَ عدم تَقْدِيم البُخَارِيّ على مُسلم كَمَا هُوَ متعارَف أهل الِاصْطِلَاح، يدل عَلَيْهِ قَوْله الْآتِي: فَلم يُصَرح بِكَوْنِهِ أصح من صَحِيح البُخَارِيّ.
فَإِن قيل: اخْتِلَاف بَعضهم فِي أيِّهما أرجح يُشْعِر بقول بَعضهم فِي أرجحية مُسلم، فَهَذَا تَصْرِيح بنقيضه. قُلْنَا: لعلَّ مَا ذكره من اخْتلَافهمْ مبنيّ على إطلاقاتهم وَمَا يفهم من كَلَامهم، وَلَا يكون مِنْهُم تَصْرِيح بذلك، وَمَا نُقِل عَن الشَّافِعِي من قَوْله: مَا أعلم بعد كتاب الله ﷿ أصح من موطأ مَالك، فَقبل وجود الْكِتَابَيْنِ، كَذَا فِي الْجَوَاهِر.
(وَأما مَا نُقِل عَن أبي عَليّ النَيْسابُورِيّ) بِفَتْح النُّون، وَسُكُون الْيَاء، بعْدهَا سين مُهْملَة.
(أَنه قَالَ: مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء) أَي على ظَاهرهَا، أَو جِرْمِها.
[ ٢٦٨ ]
(أصح من " كتاب مُسلم "، فَلم يصرِّح) فَاعله عَائِد إِلَى " مَا نُقِل "، والإسناد مجازي أَو إِلَى أبي عليّ، فجواب أمّا مَحْذُوف / ٣٦ - ب / وَهَذَا تَعْلِيل للجواب، وَالْمعْنَى: وَأما مَا نقل فَلَا يُنَافِي مَا ذكر لأنّ ذَلِك النَّاقِل، أَو الْمَنْقُول عَنهُ لم يُصَرح (بِكَوْنِهِ) أَي كتاب مُسلم.
(أصح من " صَحِيح البُخَارِيّ "، لِأَنَّهُ إِنَّمَا نفى وجود كتابٍ أصح من " كتاب مُسلم "؛ إِذْ الْمَنْفِيّ إِنَّمَا هُوَ مَا تَقْتَضِيه صِيغَة أفعل من زِيَادَة صِحَة فِي كتاب شارَك " كتاب مُسلم " فِي الصِّحَّة يمتاز) أَي ذَلِك الْكتاب.
(بِتِلْكَ الزِّيَادَة عَلَيْهِ) أَي على " كتاب مُسلم ". (وَلم يَنْفِ الْمُسَاوَاة) فَإِن قلت هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِحَسب [اللُّغَة، وَأما بِحَسب] العُرْفِ فَلَا. وَالْمُعْتَبر هُوَ الْمَفْهُوم العُرْفيّ كَمَا حُقِّق فِي حَدِيث: " مَا رأيتُ أحْسَنَ مِن رَسُول [ﷺ] " وَقد صرَّح السَّيِّد فِي " شرح الْمِفْتَاح " وَغَيره بِأَن الْمَقْصُود من [مثل] هَذَا التَّرْكِيب نفي الْأَفْضَلِيَّة والمساواة مَعًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ المتبادَر [٤٩ - أ] من الْكَلَام.
قلت: فَلَا يكون صَرِيحًا بِأَن مُسلما أصح من البُخَارِيّ لاحْتِمَال أنْ يُرَاد الْمَعْنى لُغَة، وَلذَا قَالَ: فَلم يُصَرح، فِيهِ أَنه نقيض مَا قَالُوا من أَن البُخَارِيّ أصح من مُسلم سَوَاء أَرَادَ بِهِ نفي الْأَفْضَلِيَّة، أَو نَفيهَا مَعَ نفي الْمُسَاوَاة.
[ ٢٦٩ ]
قَالَ المُصَنّف: فَإِن قيل: الْعرف يقْضِي فِي قَوْلنَا: مَا فِي الْبَلَد أعلم من زيد، بِنَفْي من يُسَاوِيه أَيْضا، قُلْنَا: لَا نُسَلِّم، أنّ عرفهم كَذَلِك. قَالَ تِلْمِيذه: يرد هَذَا قَول النَّسَفِيّ فِي " الْعُمْدَة " أَن النَّبِي [ﷺ] قَالَ: " مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلَا غَرَبَتْ بعد النَّبِيين على أحدٍ / أفضل من أبي بكر ". قَالَ النَّسَفِيّ: فَهَذَا يَقْتَضِي أَن أَبَا بكر أفضل من كل من لَيْسَ بِنَبِي. انْتهى. قَالَ المُصَنّف: سَلّمْنَا، لَكِن يجوز إِطْلَاق مثل هَذِه الْعبارَة، وَإِن وجد مساوٍ، إِذْ هُوَ مقَام مدح ومبالغة، وَهُوَ يحْتَمل مثل ذَلِك.
قَالَ تِلْمِيذه: فتفوت فَائِدَة اخْتِصَاصه بِالذكر، وَهُوَ خلاف الْقَصْد. انْتهى وَهُوَ غَرِيب لأنّ كَلَام الشَّيْخ أَن الْفَائِدَة قد تكون الْمُبَالغَة، وَلِهَذَا صرح الْعلمَاء: بِأَنَّهُ لَيْسَ نصّ فِي أَفضَلِيَّة الصِّدِّيق وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
قَالَ ابْن القَطَّان: ذهب مَن لَا يعرف معنى الْكَلَام إِلَى أنّ مثل قَوْله [ﷺ]: " مَا أَقَلّتْ الغَبْرَاءُ، وَلَا أَظَلَّتْ الخَضْرَاءُ أصدقَ لَهْجَةُ من أبي ذَرّ " مُقْتَضَاهُ أَن يكون أَبُو ذَر صدق العالَم أجمع. قَالَ: وَلَيْسَ الْمَعْنى كَذَلِك
[ ٢٧٠ ]
وَإِنَّمَا نفى أَن يكون أحد أَعلَى رُتْبَة مِنْهُ فِي الصدْق، وَلم ينف أَن يكون فِي النَّاس مثله فِي الصدْق، وَإِلَّا لَكَانَ أصدق من الصِّديق [﵁]، وَلَيْسَ كَذَلِك بل قُصارى أمره الْمُسَاوَاة لَهُ. وَلَو أَرَادَ [ﷺ] مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ لقَالَ: أَبُو ذَر أصدق من كل مَا أقَلّتْ
وَأما قَول شَارِح: وَيُمكن أنْ يُقَال: إِن النَّبِي [ﷺ] أورد كَلَامه على اللُّغَة لَا العُرْف، وَإِلَّا لَكَانَ أَبُو ذَر أصدق من النَّبِي [ﷺ] وَكَذَا من الصّديق، فغفلة عَظِيمَة، بل زلَّة جسيمة [٤٩ - ب] / ٣٧ - أ / لِأَن أَبَا ذرّ لَا يَصح أَن يُسَاوِي صدقه صدقَ النَّبِي [ﷺ] بِالْإِجْمَاع، فَهُوَ وَسَائِر الْأَنْبِيَاء مُسْتَثْنى عقلا وَشرعا، وَيُرَاد الحَدِيث أَنه أصدق مِن أقرانه كَمَا أنّ كَلَام [الله تَعَالَى] مُسْتَثْنى فِي كَلَام النَّيْسَابُورِي، وَإِلَّا فَيلْزم الْمُسَاوَاة قطعا وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع.
وَقَالَ البِقَاعي: الْحق أَن هَذِه الصِّيغَة تَارَة تُستعمل على مُقْتَضى أصل اللُّغَة، فتنفي الزِّيَادَة فَقَط، وَتارَة على مُقْتَضى مَا شاع من الْعرف فتنفي الْمُسَاوَاة. وَمثل قَول ﵊: " مَا طَلَعَتْ شمسٌ، وَلَا غَرَبَتْ على أَحَدٍ " الحَدِيث، وَإِن كَانَ ظَاهره نفي أَفضَلِيَّة الْغَيْر لكنه إِنَّمَا ينساق لإِثْبَات أَفضَلِيَّة الْمَذْكُور.
والسِّرُّ فِي ذَلِك أنّ الْغَالِب فِي كل اثْنَيْنِ هُوَ التَّفَاضُل دون التَّسَاوِي، فَإِذا نُفي أَفضَلِيَّة أَحدهمَا ثَبت أَفضَلِيَّة الآخر. وبمثل هَذَا ينحلُّ الْإِشْكَال الْمَشْهُور على قَوْله [ﷺ]: " مَنْ قَالَ حينَ يُصْبحُ، وَحين يُمْسِي: سُبْحَاَن اللهِ
[ ٢٧١ ]
وَبِحَمْدِهِ مئةً مرّة لم يأتِ أحدٌ يَوْم الْقِيَامَة بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أحدٌ قَالَ مِثْلَ ذَلِك، أَو زَادَ عَلَيْهِ ". فالاستثناء بِظَاهِرِهِ من النَّفْي، وبالتحقيق من الْإِثْبَات وَيصير ذَلِك كالحديث الَّذِي رُوِيَ عَن أبي المُنْذِر قَالَ: قلت يَا نبيّ الله: عَلِّمني أفضل الْكَلَام قَالَ: " يَا أَبَا المُنْذِر، قل: لَا إِلَه إِلَّا الله وحدَه لَا شَرِيكَ لَهُ، لهُ المُلْكُ، وَله الحمدُ، يحيي ويُمِيتُ بيدِه الخيرُ وَهُوَ على كل شيءٍ قدير، مئةَ مرّة فِي كل يَوْم، فَإنَّك يؤمئذ أفضل النَّاس عملا إِلَّا مَن قَالَ مثلَ مَا قلت ". انْتهى
وَالْحَاصِل: أَن الْحمل على الْمَعْنى اللّغَوِيّ كافٍ لنفي التَّصْرِيح وَمنعه
(وَكَذَلِكَ) أَي وَمثل مَا تقدم فِي عدم إِفَادَة تَصْرِيح تَقْدِيم صَحِيح مُسلم من جَمِيع الْوُجُوه.
(مَا نُقلِ عَن بعض المغاربة أنّه) أفرد الضَّمِير بِاعْتِبَار / لفظ الْبَعْض، وَالْمرَاد أنّ جمعا مِنْهُم.
(فضَّل " صَحِيح مُسلم " على " صَحِيح البُخَارِيّ ") [٥٠ - أ] لَكِن أوَّله الْجُمْهُور وَقَالُوا: إنْ صَحّ. (فَذَلِك) أَي فترجيح مُسْلِم مُسَلَّم (فِيمَا يرجع إِلَى حسن السِّياق) أَي بَين الْأَحَادِيث (وجَوْدَة الْوَضع) أَي فِي الثُّبُوت (وَالتَّرْتِيب) فَإِنَّهُ يبْدَأ بالمجمل، والمُشْكِل والمنسوخ، والمُعَنْعَن، والمُبْهَم ثمَّ يُردِف بالمبين،
[ ٢٧٢ ]
والناسِخ، والمصرِّح، والمعين، والمنسوب. كَذَا نَقله الْبَعْض عَن شرح السخاوي " للتبصرة والتذكرة ". وَقد اخْتصَّ مُسلم فِي كِتَابه أَيْضا بِجمع طرق الحَدِيث فِي مَكَان وَاحِد لُيُسَهِّل الْكَشْف مِنْهُ بِخِلَاف البُخَارِيّ كَمَا فِي " شرح التَّقْرِيب ".
(وَلم يُفْصِح) أَي لم يبين، وَلم يُصَرِّح. (أحدٌ مِنْهُم) أَي من المغاربة، وَغَيرهم من الْمُحدثين (بِأَن ذَلِك) أَي التَّفْضِيل (رَاجع إِلَى الأصَحِّية) أَي أصَحِّية مُسلم من البُخَارِيّ. (وَلَو أفصحوا بِهِ) أَي وَلَو أوضحُوا بِكَوْنِهِ أصح. (لرده) أَي إفصاحهم (عَلَيْهِم شَاهد / ٣٧ - ب / الْوُجُود) الْإِضَافَة للْبَيَان، يَعْنِي إِن أظهرُوا رُجُوع التَّفْضِيل إِلَى الأصَحِّية لرَدّ شاهدُ الْوُجُود - الَّذِي إِنْكَاره مُكَابَرَة - ذَلِك الرُّجُوع عَلَيْهِم، وَدفعه إِلَيْهِم لِأَنَّهُ خلاف مَا عَلَيْهِ الْوُجُود.
(فالصفات الَّتِي تَدور عَلَيْهَا الصِّحَّة) أَي من الْعَدَالَة، وَتَمام الضَّبْط، وَغَيرهمَا من وجود الِاتِّصَال، وَعدم الشذوذ (فِي كتاب " البُخَارِيّ " أتم مِنْهَا) أَي من تِلْكَ الصِّفَات الْوَاقِعَة (فِي " كتاب مُسلم " وأسدُّ) بِفتح السِّين الْمُهْملَة، وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة، أَي أَكثر سدادًا، وَأظْهر صَوَابا.
[ ٢٧٣ ]