(ثمَّ الْوَهم) أَي رِوَايَة الحَدِيث على سَبِيل التَّوَهُّم، وَذَلِكَ قد يَقع فِي الْإِسْنَاد وَهُوَ الْأَكْثَر، وَقد يَقع فِي الْمَتْن، مثل إِدْخَال حديثٍ فِي حَدِيث آخر. وَالْأول قد يقْدَح فِي صِحَة الْإِسْنَاد والمتن جَمِيعًا، لِمَا فِي التَّعْلِيل بِالْإِرْسَال واشتباه الضَّعِيف بالثقة. مثل أَن يَجِيء الحَدِيث بِإِسْنَاد مَوْصُول، وَيَجِيء أَيْضا بِإِسْنَاد مُنْقَطع أقوى من الْإِسْنَاد الْمَوْصُول. وَقد يقْدَح فِي صِحَة الْإِسْنَاد خَاصَّة من غير قدح فِي صِحَة الْمَتْن.
ومثاله: مَا رَوَاهُ الثِّقَات كيَعْلى بن عُبَيْد، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عمر، / ٧٥ - ب / عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " البيِّعان " بِالْخِيَارِ " الحَدِيث، فَهَذَا إسنادٌ مُتَّصِل بِنَقْل الْعدْل عَن الْعدْل، وَهُوَ مُعَلَّل غير صَحِيح، والمتن على كل حَال صَحِيح. وَالْعلَّة فِي قَوْله: عَن عَمْرو بن دِينَار، يَعْلَى بن عُبَيْد، وَعَدَلَ عَن عبد الله بن دِينَار الْمُوَافق لَهُ فِي اسْم أَبِيه إِلَى عَمْرو بن دِينَار، وَكِلَاهُمَا ثِقَة.
(وَهُوَ الْقسم السَّادِس، وَإِنَّمَا أفْصح بِهِ) أَي عبر عَنهُ باسمه الصَّرِيح، وَلم يقل:
[ ٤٥٥ ]
وَالسَّادِس؛ (لطول الْفَصْل) أَي بابِهِ، والبحث فِيهِ، وَهُوَ مُقْتَض للاهتمام بِهِ كَمَا فِي الْأَقْسَام الْآتِيَة، وَلذَا أَيْضا عطف ب: ثُمَّ الدَّال على التَّرَاخِي، إِشَارَة إِلَى أَن التَّرَاخِي بِحَسب الرُّتْبَة فَانْدفع مَا قيل: إِن طول الْفَصْل إِنَّمَا هُوَ فِي الشَّرْح، لَا فِي الْمَتْن، وَأَيْضًا ينْدَفع بِأَنَّهُ قد يُعد مَا فِي الْمَتْن طولا أَيْضا، فَالْمُرَاد [١٠٦ - أ] بِالْفَصْلِ، الفاصلة بَين قَوْله فِيمَا سبقْ: أَو وهمه، وَبَين قَوْله: (إِن اطلع) بِصِيغَة الْمَجْهُول، (عَلَيْهِ أَي على الْوَهم)، وَأما إِن لم يُطلع عليهِ، فَهُوَ المقبول. وَفِيه أَن جَمِيع أَسبَاب الطعْن مُشْتَركَة فِي أَنه مَتى مَا لم يطلع عَلَيْهِ، فَهُوَ مَقْبُول. فبالاطلاع يَجْعَل مُوجبا لِلطَّعْنِ، فَلَا وَجه لاخْتِصَاص الِاطِّلَاع بالسادس.
(بالقرائن الدَّالَّة على وَهْمِ رَاوِيه) المنبهَة للعارف عَلَيْهِ، بِحَيْثُ يغلب على ظَنّه، فَيحكم بِعَدَمِ صِحَة الحَدِيث لذَلِك اكْتِفَاء بِغَلَبَة الظَّن، أَو يتَرَدَّد لعدم تَرْجِيح أحد الطَّرفَيْنِ، فَيتَوَقَّف فِي الحكم بِالصِّحَّةِ وَعدمهَا. وَأما إِذا لم يطلع عَلَيْهِ بِمَا ذكر من الْقَرَائِن، فَالظَّاهِر السَّلامَة من الْجرْح، فَهُوَ من أَقسَام المقبول.
(مِنْ وَصْل مُرْسَل) من بَيَانِيَّة للقرائن. (أَو مُنْقَطع) عطف على مُرْسل (أَو إدخالِ حَدِيث فِي حَدِيث) عطف على وصل، وَكَذَا (أَو نَحْو ذَلِك من الْأَشْيَاء
[ ٤٥٦ ]
القادحة) كإرسال مَوْصُول، أَو وقف مَرْفُوع.
قَالَ السخاوي: كإبدال راوٍ ضَعِيف بِثِقَة، كَمَا اتّفق لِابْنِ مَرْدُويَه فِي حَدِيث مُوسَى بن عُقْبَة، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن ابْن عمر رَفعه: " إِن اللهَ أذهب عَنْكُم عُبَّية الْجَاهِلِيَّة " فَإِنَّهُ قَالَ: إِن رَاوِيه غَلِظَ فِي تَسْمِيَته مُوسَى بن عُقْبَة، وَإِنَّمَا هُوَ مُوسَى بن عُبَيْدة، وَذَاكَ ثِقَة، وَابْن عُبَيْدَة ضَعِيف. انْتهى. وعُبية الْجَاهِلِيَّة: بِضَم مُهْملَة وَكسرهَا، وَتَشْديد مُوَحدَة، ثمَّ يَاء مُشَدّدَة، فُعُّولة أَو فُعَّيْلَة، وَهِي: الكِبْر على مَا فِي " النِّهَايَة ".
وَقَالَ شَارِح: مِثَاله مَا انْفَرد بِهِ مُسلم فِي " صَحِيحه " من رِوَايَة الْوَلِيد بن مُسلم: حَدثنَا الأَوْزَاعِيّ، عَن قَتَادَة: أنّه كتب إِلَيْهِ يُخبرهُ عَن أنس بن مَالك: أنّه حَدثهُ قَالَ: " صليت خلف النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر، وَعمر [١٠٦ - ب] وَعُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَكَانُوا يستفتحون / ٧٦ - أ " بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين، لَا يذكرُونَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي أول قِرَاءَة وَلَا فِي آخرهَا "
ثمَّ رَوَاهُ من رِوَايَة الْوَلِيد، عَن الْأَوْزَاعِيّ: أَخْبرنِي إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة: أنّه سمع أنس بن مَالك يذكر ذَلِك. وروى فِي " الْمُوَطَّأ " عَن حُميد،
[ ٤٥٧ ]
عَن أنس ﵁ قَالَ: " صليت وَرَاء أبي بكر، وَعمر، وَعُثْمَان - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَعَن سَائِر الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ - فكلهم لَا يقرؤن: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ". وَزَاد الْوَلِيد بن مُسلم عَن مَالك بِهِ: " صليت خلف رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم ". قَالَ ابْن عبد البَرّ: وَهُوَ عِنْدهم خطأ. وَحَدِيث أنس قد أعلّه الشَّافِعِي فِيمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمعرفَة ".
(وَتحصل معرفَة ذَلِك) أَي الْوَهم، (بِكَثْرَة التتبع) أَي النّظر فِي رجال الْأَسَانِيد، واختلافات الْمُتُون.
(وَجمع الطّرق) أَي الْأَسَانِيد الْمُشْتَملَة على الْمُتُون، واستقصائها من المَجاَمِع وَالْمَسَانِيد، وَالنَّظَر فِي اخْتِلَاف رُوَاة كل حَدِيث، وضبطهم، وإتقانهم - ليحصل التَّرْجِيح بذلك، ويُعْلم أَنه مَوْصُول، أَو مُرْسل، أَو نَحْوهمَا - وَرِوَايَة غَيرهم على سَبِيل التَّوَهُّم، فقد رُوِيَ عَن عَليّ بن المَديني أَنه قَالَ: الْبَاب إِذا لم تُجْمَعْ طرقه لم يتَبَيَّن خَطؤُهُ.