(فالقسم الأول مِمَّا تقدم ذكره من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة وَهُوَ) أَي الْقسم الأول، (مَا يَنْتَهِي) أَي حَدِيث يصل، (إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم غَايَة الْإِسْنَاد) أَي نِهَايَة إِسْنَاد رجال ذَلِك الحَدِيث، وَفِي نُسْخَة: إِلَيْهِ وَهُوَ تَكْرِير وتوكيد لقَوْله: إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم.
[ ٦٠٣ ]
(وَهُوَ الْمَرْفُوع)، قَالَ محشٍ: إِن هَذَا هُوَ قسم الْإِسْنَاد لَا الْمَتْن، فَقَوله: غَايَة الْإِسْنَاد من وضع الظَّاهِر مَوضِع الضَّمِير، ويشعر بذلك قَوْله فِيمَا بعد: [مَا يَنْتَهِي إِلَى الصَّحَابِيّ] . مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيّ. انْتهى. وَفِيه أَن الْمَرْفُوع، وَالْمَوْقُوف، والمقطوع من أَوْصَاف متن الحَدِيث لَا إِسْنَاده، فَيتَعَيَّن مَا حررناه. غَايَته أَنه أورد فِيمَا سبق لفظ الْغَايَة فِي الْأَخيرينِ، وَترك فِي الأول، وَهُنَاكَ ترك فِي الْأَخيرينِ وَذكر / فِي الأول تفننا، وَقَالَ التلميذ: لفظ غَايَة زَائِد [كَمَا تقدم] انْتهى. وتعدد مِنْهُ هَذَا الِاعْتِرَاض وَهُوَ مَدْفُوع بِمَا ذكرنَا هُنَا، وَبِمَا تقدم وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
وَيُؤَيّد مَا ذَكرْنَاهُ من أَن المُرَاد بِهِ هَهُنَا أَقسَام الْمَتْن الْحَاصِل من أَقسَام الْإِسْنَاد قَوْله: (سَوَاء كَانَ ذَلِك الِانْتِهَاء) أَي انْتِهَاء إِسْنَاد ذَلِك الحَدِيث، (بِإِسْنَاد مُتَّصِل) وَهُوَ أَعم من أَن يكون مَرْفُوعا، أَو مَوْقُوفا، (أوْ لَا) بِأَن يكون مُنْقَطِعًا، كَمَا أَن الْمَرْفُوع أَعم من أَن يكون أَضَافَهُ إِلَيْهِ صَحَابِيّ، أَو تَابِعِيّ، أَو من بعدهمَا حَتَّى يدْخل فِيهِ قَول المصنفين وَلَو تَأَخَّرُوا: قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، على مَا ذكره السخاوي. [١٥٦ - أ] .
فَهَذَا دَلِيل صَرِيح على أَن الْمَرْفُوع حَقِيقَة نعت متن الحَدِيث، / ١٠٨ - ب /
[ ٦٠٤ ]
وَقد يُطلق على مَجْمُوع الْمَتْن والإسناد أَو على الْأَخير مجَازًا، فَبَطل قَول الْمحشِي فِي الْعبارَة مُسَامَحَة، فإنّ هَذِه الْأَسْمَاء إِنَّمَا هِيَ للمتن وَقد جعله للإسناد. انْتهى وَبِأَن المسميات الثَّلَاث ينظر فِيهَا إِلَى مَا يُشْعر بِهِ أسماؤها، فَالْمَرْفُوع إِلَى الْإِضَافَة الشَّرِيفَة خَاصَّة، والمتصل إِلَى الِاتِّصَال، والمسند إِلَيْهِمَا مَعًا.
(وَالثَّانِي الْمَوْقُوف، وَهُوَ مَا يَنْتَهِي) أَي حَدِيث يَنْتَهِي إِسْنَاده (إِلَى الصَّحَابِيّ) مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْقَطِعًا.
(وَالثَّالِث الْمَقْطُوع، وَهُوَ) عِنْد الْإِطْلَاق (مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيّ ومَن دون التَّابِعِيّ من أَتبَاع التَّابِعين فَمن بعدهمْ، فِيهِ أَي فِي التَّسْمِيَة) أَي فِي اشْتِرَاك التَّسْمِيَة (مثله) بِالرَّفْع على أَنه خبر الْمَوْصُول، (أَي مثل مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيّ) .
[ ٦٠٥ ]
قَالَ التلميذ: فِي هَذَا صرف الضَّمِير إِلَى خلاف من هُوَ لَهُ، فَإِنَّهُ فِي قَوْله: فِيهِ للمقطوع، وَفِي: مثله للتابعي لَا للمقطوع، فعلى ظَاهره يصير أَن من دون التَّابِعين مثل الْمَقْطُوع، وَلَا يخفى مَا فِيهِ، فَكَانَ الأولى أَن يَقُول: فِيهِ أَي فِي الْمَقْطُوع مثله أَي مثل التَّابِعِيّ فِي أنّ مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ يُسمى مَقْطُوعًا. انْتهى. وَفِيه أنّ معنى كَلَام المُصَنّف: حَدِيث من دون التَّابِعِيّ مثل الْمَقْطُوع، وَهُوَ حَدِيث التَّابِعِيّ فِي التَّسْمِيَة، وَلَا مَحْذُور فِيهِ أصلا لَا لفظا وَلَا معنى، وَتَقْدِير الْمُضَاف كثير لصِحَّة المبنى، يدل على مَا ذَكرْنَاهُ قَوْله:
(فِي تَسْمِيَة جَمِيع ذَلِك مَقْطُوعًا) حَيْثُ أعَاد ذَلِك توضيحًا، وَإِلَى الْمَقْصُود تَلْوِيحًا، وَحَاصِله أَن قَوْله: مثل مَا يَنْتَهِي إِلَى [١٥٦ - ب] التَّابِعِيّ تَفْسِير لقَوْله: فِيهِ مثله، لَا لمثله فَقَط لِأَنَّهُ ذكر فِي التَّفْسِير قَوْله: فِي تَسْمِيَة جَمِيع ذَلِك مَقْطُوعًا، نعم بِظَاهِرِهِ يلْزم تَشْبِيه من دون التَّابِعِيّ بِالْإِسْنَادِ المنتهي إِلَى التَّابِعِيّ، ويندفع بالمضاف الْمُقدر، فَكَانَ الأولى رَجَعَ الضَّمِير فِي مثله إِلَى التَّابِعِيّ، أَو يَقُول من أول الْأَمر: وَمَا يَنْتَهِي إِلَى مَنْ دون التَّابِعِيّ مثله، أَي مثل مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيّ. هَذَا وَرجع الضَّمِير الْمَذْكُور فِي قَوْله: " فِيهِ " إِلَى التَّسْمِيَة، إِمَّا بِتَأْوِيل الْإِطْلَاق، أَو بِاعْتِبَار التَّسْمِيَة بِمَعْنى الْمُسَمّى مصدرا ميميًا، أَو لِأَن الْمصدر يذكر وَيُؤَنث.
(وَإِن شِئْت قلت) أَي فِي التَّابِعين وَمن دونه، (موقوفُ على فلَان) مثل: وَقَفَهُ مَعْمَر على همّام، وَوَقَفَهُ مَالك على نَافِع. / فِي الْخُلَاصَة: الْمَرْفُوع مَا أضيف إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم خَاصَّة من قَول، أَو فعل، أَو تَقْرِير، [سَوَاء كَانَ] مُتَّصِلا أَو مُنْقَطِعًا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور. وَفِي " الْجَوَاهِر ": قيل [هُوَ] مَا
[ ٦٠٦ ]
أُخَبر بِهِ الصَّحَابَة خَاصَّة عَن فعله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أَو قَوْله. وَأَيْضًا فِي " الْخُلَاصَة ": الْمَوْقُوف عِنْد الْإِطْلَاق مَا رُوِيَ عَن الصَّحَابِيّ من قَول أَو فعل أَو نَحْو ذَلِك، مُتَّصِلا أَو مُنْقَطِعًا. وَقد يسْتَعْمل فِي / ١٠٩ - أ / غير الصَّحَابِيّ مُقَيّدا مثل: وَقفه معمر على همام
والمقطوع مَا جَاءَ من التَّابِعين من أَقْوَالهم وأفعالهم مَوْقُوفا عَلَيْهِم، وَاسْتَعْملهُ الشَّافِعِي، وَأَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فِي الْمُنْقَطع. والمنقطع: هُوَ الَّذِي لم يتَّصل إِسْنَاده على أَي وَجه كَانَ، سَوَاء تُرِك الرَّاوِي من أول الْإِسْنَاد، أَو وَسطه أَو آخِره، إِلَّا أَنه أَكثر مَا يُوصف بالانقطاع رِوَايَة [١٥٧ - أ] من دون التَّابِعِيّ [عَن الصَّحَابِيّ] . انْتهى كَلَامه. وَقد خصّه المُصَنّف فِيمَا سبق بِمَا يكون التّرْك فِي آخر إِسْنَاده بِشَرْط عدم التوالي، وَحَاصِل كَلَامه هُنَا: أَنَّك إِن اسْتعْملت الْمَوْقُوف فِيمَا جَاءَ عَن التَّابِعين، وَمن بعدهمْ، فقيده بهم فَقل: مَوْقُوف على عَطاء، أَو على طَاوُوس أَو نَحْو ذَلِك.