(ثمَّ سوء الْحِفْظ، وَهُوَ السَّبَب الْعَاشِر من أَسبَاب الطعْن، وَالْمرَاد بِهِ) أَي بِسوء الْحِفْظ، (من) وَفِي نُسْخَة: مَا، فَالضَّمِير فِي " بِهِ " رَاجع إِلَى سوء الْحِفْظ، (لم يرجح) بتثبيت الْجِيم [أَي لم يغلب] (جَانب إِصَابَته على جَانب خطئه) . قَالَ محش: هَذَا تَكْرِير لما سبق من قَوْله: وَهِي عبارَة عَن أَن لَا يكون غلطه أقل من صَوَابه. انْتهى. يَعْنِي بل يكون غلطه أَكثر أَو مُسَاوِيا لصوابه، وَإِنَّمَا أَعَادَهُ مَعَ تفننه فِي الْعبارَة لطول الْفَصْل. قَالَ التلميذ: هَذَا يُنَافِي مَا تقدم من قَوْله: أَو سوء حفظه، وَهِي عبارَة عَمَّن يكون غلطه أقل من إِصَابَته، وَقد أصلحته بِلَفْظ: نَحوا من إِصَابَته، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. وَقَالَ المُصَنّف: وَفهم من " من لم يرجح " إِمَّا بِأَن يرجح جَانب خطئه أَو اسْتَويَا. قلت: وَهَذَا يُؤَيّد أَن قَوْله فِيمَا تقدم فِي حَده سوء الْحِفْظ: وَهِي عبارَة عَمَّن يكون خَطؤُهُ كإصابته، من النّسخ الصَّحِيحَة، بِخِلَاف أقل من إِصَابَته فَإِنَّهَا مُخَالفَة لما هُنَا، وَلَيْسَت بصحيحة من جِهَة الْمَعْنى؛ لِأَن الْإِنْسَان لَيْسَ بمعصوم من الْخَطَأ، فَلَا يُقَال فِيمَن وَقع لَهُ الْخَطَأ مرّة أَو مرَّتَيْنِ: إِنَّه سيئ الْحِفْظ، وَإِن كَانَ يصدق عَلَيْهِ أَن خطأه أقل من إِصَابَته، لِأَنَّهُ لم يصدق عَلَيْهِ أَنه لم ترجح إِصَابَته انْتهى كَلَامه.
[ ٥٣٣ ]
وَهَذَا الْخَطَأ مَبْنِيّ على خطأ النُّسْخَة الَّتِي اعْتمد عَلَيْهَا التلميذ، وَإِلَّا فالنسخة الصَّحِيحَة الْمُعْتَمدَة فِيمَا تقدم: وَهِي عبارَة عَن أَن لَا يكون غلطه من إِصَابَته، بِصِيغَة النَّفْي، وَهُوَ المطابق لما هُنَا من حَيْثُ الْمَعْنى أَنه سَوَاء كَانَ مُسَاوِيا، أَو أَكثر، وَيدل على أَنه إِذا كَانَ غلطه [أقل] من الْإِصَابَة / أَو قَلِيلا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، فَهُوَ مَقْبُول. وَقَالَ الشَّارِح وجيه الدّين الْهِنْدِيّ: اعْترض عَلَيْهِ أستاذي مَوْلَانَا أَبُو البركات بِأَنَّهُ قَالَ:
أَولا فِي الْإِجْمَال، وَهِي / ٩٢ - ب / عبارَة عَمَّن يكون غلطه أقل من إِصَابَته، كلاميه [١٣١ - أ] تدافع إِلَّا أَن يكون لفظ " لم " هُنَا وَقع تصحيفا من النَّاسِخ، أَو زلَّة من الْقَلَم، قَالَ: ثمَّ أَخْبرنِي بعض إخْوَانِي أَنه سَأَلَ السخاوي عَنهُ فَقَالَ: وَقع لَفْظَة " لم " غَلطا من النَّاسِخ، وَأخرج نُسْخَة من عِنْده، وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظَة لم. انْتهى. وَفِيه أبحاث:
أما أَولا: فَلِأَنَّهُ بِهَذَا لم ينْدَفع التدافع لما عرفت من كَلَام التلميذ فِيهِ، ولكونه لَيْسَ نُسْخَة صَحِيحَة كَمَا قَرَّرْنَاهُ، وعَلى تَقْدِير صِحَّتهَا وَصِحَّة مَعْنَاهَا، فَلَا تطابق مَا سبق، كَمَا حررناه.
وَأما ثَانِيًا: فَلِأَنَّهُ لَو كَانَ التَّعْرِيف هُنَا بِدُونِ " لم " لم يَصح كَلَام المُصَنّف هُنَا على مَا نَقله تِلْمِيذه عَنهُ: إِمَّا بِأَن يرجح جَانب خطئه أَو اسْتَويَا.
وَأما ثَالِثا: فَقَوله تصحيفا من النَّاسِخ، فَلَا يَصح إِطْلَاق التَّصْحِيف على زِيَادَة
[ ٥٣٤ ]
" لم " لَا لُغَة، وَلَا اصْطِلَاحا، وَقَوله: أَو زلَّة من الْقَلَم، أَي قلم المُصَنّف خطأ أَيْضا، فَإِن الْكَلَام بِوُجُود " لم " صَحِيح أَيْضا كَمَا قدمنَا، وَكَلَام المُصَنّف قد أيد مَا قَررنَا. وَإِنَّمَا الْخَطَأ من النَّاسِخ لَو ثَبت فِي نُسْخَة مُعْتَمدَة فِي الْإِجْمَال بترك " لَا " فَلَا تعجل وَتَأمل، فَإِنَّهُ مَحل الزلل، وموقع الخطل، وَالله الْمُوفق للْعلم وَالْعَمَل.