(على تَرْتِيب)، أَي عَجِيب مُتَعَلق بلخصته، وَجُمْلَة سميتها مُعْتَرضَة. (ابتكرته) أَي اخترعته وَلم أسبق بِمثلِهِ. يُقَال: ابتكر الشَّيْء إِذا أَخذ باكورته، وَهِي أَوله. (وسبيل) أَي وعَلى طَرِيق غَرِيب (انتهجته) أَي جعله منهاجا أَي سَبِيلا وَاسِعًا، وطريقًا وَاضحا. يُقَال: انتهج الطَّرِيقَة استبانها.
(مَعَ مَا ضممت إِلَيْهِ) أَي من عِنْدِي، وَهُوَ حَال من مفعول لخصته، أَي مَقْرُونا ذَلِك المهم الملخص مَعَ مسَائِل ضممتها إِلَيْهِ وزدتها عَلَيْهِ، وَبَين المضموم بقوله: (من شوارد الْفَوَائِد) بِإِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف، أَي النفائس الْحَسَنَة والنكت المستحسنة الصعبة الْوُصُول إِلَيْهَا، النافرة عَن الذِّهْن لدقة الْحُصُول لَدَيْهَا. وفرائد الدُّرر: كبارُها، جمع فريدة، والشوارد جمع شاردة من شرد الْبَعِير إِذا نفر. عبّر عَنْهَا بالشوارد لِأَنَّهَا لكثرتها وَعدم انضباطها شاردة عَن الذِّهْن (وزوائد الْفَوَائِد) ظَاهره أَنه عطف تَفْسِير، وَالتَّحْقِيق أَن المُرَاد بِالْأولَى: مَا يتَعَلَّق بِكَلَام الْقَوْم من النّكت والمعاني اللطيفة، والمباحث الشَّرِيفَة، وبالثانية: زَوَائِد الْمسَائِل الَّتِي فَاتَت الْمُتَقَدِّمين، أَو حدثت عِنْد الْمُتَأَخِّرين.
(فَرغب) ذَلِك الْبَعْض من الإخوان بعد تَكْمِيل الْمَتْن، مائلا (إِلَيّ ثَانِيًا) أَي بعد طلبه الْمَتْن أَولا، (أَن أَضَع) [أَي فِي وضعي] (عَلَيْهَا) أَي على النخبة،
[ ١٤٩ ]
(شرحًا يَحُلّ رُمُوزَها) أَي الْمُتَعَلّقَة بمبانيها، (وَيفتح كنوزها) أَي المنوطَة بمعانيها، (ويوضِح) بِالتَّخْفِيفِ وَيحْتَمل التَّشْدِيد، وَهُوَ تَفْسِير للجملتين المتقدمتين، أَي يُظهر (مَا خَفِي على الْمُبْتَدِي من ذَلِك) أَي مِمَّا ذكر من الرموز، والكنوز، وَإِنَّمَا قَيده بالمبتدي، لِأَن المنتهي يفهم ذَلِك من الْمَتْن. وَلذَا قيل: الْعلم نقطة كَثْرها الجاهلون، أَي [١١ - أ] صَارُوا سَببا للتكثير لحُصُول التَّيْسِير. وَمن ثمَّة احْتَاجَ الشَّرْح إِلَى الشَّرْح، وهَلُمَّ جَرًَّا.
(فأجبته) أَي سَائل الْمَتْن (إِلَى سُؤَاله) أَي مُتَوَجها إِلَى مسؤله، ومائلًا إِلَى مأموله، (رجاءَ الاندراج)، أَي لرجاء اندراجي، أَو راجيًا اندراجي، ودخولي (فِي تِلْكَ المسالك) أَي مسالك المصنفين، ومقاصد المؤلفين لتَحْصِيل الثَّنَاء فِي الدُّنْيَا، وَالْجَزَاء فِي العقبى. وَقيل: أَي راجيًا اندراجَ الطالبين لذَلِك الملخص فِي معرفَة اصْطِلَاحَات الْمُحدثين. وَقيل: راجيًا اندراجَ هَذَا الْكتاب فِي سلك / كتب الْأَئِمَّة بِأَن ينفع بِهِ كَمَا نفع بِتِلْكَ الْكتب، وَهُوَ قصدّ لطيف ومَلْحَظ شرِيف.
(فبالغت) الْفَاء للتعقيب، أَي بعد مَا فرغت من متنها شرعت على وَجه الْمُبَالغَة، أَو على طَرِيق بليغ، إِجَابَة لمرغوبه ثَانِيًا (فِي شرحها) وَهُوَ ظرف وَقَوله: (فِي الْإِيضَاح) مُتَعَلق بِالْفِعْلِ، أَي فِي إِيضَاح لَفظهَا، (والتوجيه) أَي فِي تَوْجِيه مَعْنَاهَا. وَقَالَ تلميذ الشَّيْخ: الْفَاء فِي فبالغت تَفْسِير لقَوْله: فأجبته، وَفَاء فأجبته تعقيبية للشرح دون الْمَتْن خلاف مَا اخترناه، فلاح لَهُ فِي ذَلِك تنكيت: وَهُوَ أنّ عبارَة الْمَتْن - بِحَسب مَا شرحت - تفِيد أَنه كتب بعض الْمَتْن بعد الشَّرْح.
[ ١٥٠ ]
(ونبهت على خبايا)، جمع خبيةٍ، وَهِي مَا سُتر، (زواياها) جمع زَاوِيَة، أَي نُكَت من الْمعَانِي الشَّرِيفَة كَانَت مخفية تَحت أَسْتَار ألفاظها / ٩ - ب / اللطيفة؛ (لِأَن صَاحب الْبَيْت أدرى بِمَا فِيهِ) وَفِي نُسْخَة: بِالَّذِي فِيهِ، أَي أعلم بتفاصيل مَا فِي بَيته من الْأُمُور الحسية، أَو فِي شعره من الْأُمُور المعنوية، وَهُوَ حكم غالبي، وَإِلَّا فكم من شَارِح أظهر من الْمعَانِي مَا لم يخْطر ببال صَاحب المباني.
(وَظهر لي) أَي عِنْد إِرَادَة شرحي، (أنّ إِيرَاده) أَي الشَّرْح، (على صُورَة الْبسط أليق) أَي أَكثر ملائمة كَمَا يدل عَلَيْهِ لفظ الشَّرْح، بل الْبسط مُتَعَيّن، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ زِيَادَة الْبسط على أقلّ مَا يُمكن. (ودَمْجهَا) بِالنّصب للْعَطْف على إِيرَاده، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الملخص الْمُسَمّى بالنُخبَة، (ضمن توضيحها) بِحَيْثُ لَا يتَمَيَّز الْمَتْن من الشَّرْح. و" ضمنَ " منصوبُ [١١ - ب] بِنَزْع الْخَافِض، (أوفق) أَي أَكثر وفَاقا، وَأظْهر اتِّفَاقًا، فَإِن الدمج: هُوَ الدُّخُول فِي الشَّيْء. يُقَال: دمجِ الشَّيْء فِي الشَّيْء دموجًا إِذا دخل فِي الشَّيْء واستتر فِيهِ، فَالْمَعْنى أَن كَونهَا دَاخِلا فِي ضمن موضحها وَشَرحهَا بِحَيْثُ يكون الْمَجْمُوع كتابا وَاحِدًا غير مَتْرُوك من الْمَتْن شَيْء، وَلَا مُنْفَصِل بعضه عَن بعض كَمَا فِي أَكثر الشُّرُوح، أولى وأحق.
قيل: فِيهِ تفكيك الضَّمِير لِأَن ضمير إِيرَاده رَاجِح إِلَى الشَّرْح، وضميرَ دمجها إِلَى النُّخبة، وَهُوَ مَرْدُود إِذْ مَحَله أَن يكون الضميران لمذكر أَو مؤنث ومرجعهما مُخْتَلف، وَمَعَ هَذَا، فَالْمُعْتَمَد جَوَازه عِنْد وجود الْقَرِينَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم﴾ وَقَوله تَعَالَى (فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِ وأيده
[ ١٥١ ]
بِجُنُود لم تَرَوْهَا﴾ نعم هَذَا يرد فِي الْجُمْلَة على قَوْله السَّابِق: فأجبته، فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ فِي الْمَتْن جَوَاب السُّؤَال الأول، وَفِي الشَّرْح جَوَاب السُّؤَال الثَّانِي، وَأَيْضًا كثر فِي هَذَا الْكتاب بِاعْتِبَار مزجه أَنه جُعل لفظا مُعْرَبًا بإعراب فِي الْمَتْن، وإعراب آخر فِي الشَّرْح، وأمثال ذَلِك. وَهَذَا عيب خَفِي كَمَا هُوَ ظَاهر، إِذْ الْأَحْسَن فِي المزج أَن لَا يتَغَيَّر إِعْرَاب الْمَتْن ويتبين الأَصْل من الْفَرْع، وَمَا قيل من أنّ الصَّوَاب هَهُنَا: الإدماج أَي الإدراج، فَلَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُمَا فِي اللُّغَة مُتَرَادِفَانِ، والإدماج بِمَعْنى الإدراج خَاص بِنَوْع من الحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي.
(فسلكت هَذِه الطَّرِيقَة) أَي المسمّاة بالدمج، (القليلة السالك)، أَي مُطلقًا، أَو فِي دياره، أَو فِيمَا بَين الْمُحدثين. (فَأَقُول) الْفَاء جزائية، أَي إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَأَقُول: / وَيُمكن أَن تكون عاطفة، والعدول إِلَى الْمُضَارع لاستحضار الْحَال الْمَاضِيَة. (طَالبا) أَي حَال كوني سَائِلًا (من الله تَعَالَى التَّوْفِيق) وَهُوَ جعل الشَّيْء مطابقًا للمراد، وموافقًا للإمداد.
(فِيمَا هُنَالك) أَي فِي بَيَان مَا فِي الْمَتْن، وَاخْتِيَار هُنَالك بعدَ مُرَاعَاة السجع [١٢ - أ] للإيماء / ١٠ - أ / إِلَى بُعد زمَان تصنيف الشَّرْح عَن زمَان تَحْرِير الْمَتْن بمراحل، أَو إِلَى رَفعه مرتبةٍ كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله: فَرغب إليّ، بعد قَوْله: فَسَأَلَنِي. وكما قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الم ذَلِك الْكتاب﴾ كَذَا قيل. والأنسب بقاعدة المزج ومطالبة التَّوْفِيق أَن تكون الْإِشَارَة إِلَى مَجْمُوع الْمَتْن وَالشَّرْح.
[ ١٥٢ ]