(فَإِن سمي الرَّاوِي) أَي وَوَثَّقَهُ، (وانفراد راو وَاحِد بالرواية عَنهُ، فَهُوَ مَجْهُول [١٢٤ - ب] الْعين) وَهَذَا أحد قسمي الْمقل من الحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هُنَاكَ بقوله: وَلَو سمي. وَإِنَّمَا ذكره هُنَا تَوْطِئَة لقَوْله الْآتِي: أَو اثْنَان، وَإِلَّا فيكفيه أَن يَقُول فِيمَا قبل: وَقد يكون مقلا، وَهُوَ مَجْهُول الْعين. وَتَسْمِيَة الرَّاوِي الْمُنْفَرد الْمُسَمّى بِالْمَجْهُولِ الْعين مُجَرّد اصْطِلَاح.
قَالَ التلميذ: فِي مَجْهُول الْعين [خَمْسَة أَقْوَال صحّح بَعضهم عدم الْقبُول.
[ ٥١٤ ]
انْتهى. وَقَالَ الْجَزرِي: مَجْهُول الْعين]: كل من لم يعرفهُ الْعلمَاء، وَلم يعرف حَدِيثه [إِلَّا من جِهَة راو وَاحِد] قَالَه الْخَطِيب. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: [كل] من لم يرو عَنهُ إِلَّا وَاحِد، فَهُوَ مَجْهُول عِنْدهم، إِلَّا أَن يكون مَشْهُورا بِغَيْر حمل الْعلم، كمالك بن دِينَار فِي الزّهْد، وَعَمْرو بن معدي كرب فِي النجدة. قَالَ الْخَطِيب: وَأَقل مَا يرفع الْجَهَالَة أَن يروي [عَن الرجل] اثْنَان [فَصَاعِدا] من الْمَشْهُورين بِالْعلمِ.
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عَمْرو - يَعْنِي ابْن الصّلاح - مُعْتَرضًا عَلَيْهِمَا: قد خرج البُخَارِيّ عَن مرداس بن مَالك الْأَسْلَمِيّ، وَلم يرو عَنهُ إِلَّا قيس بن أبي حَازِم، وَخرج مُسلم عَن ربيعَة بن كَعْب، وَلم يرو عَنهُ غير أبي سَلمَة، فَدلَّ على خُرُوجه من الْجَهَالَة بِرِوَايَة وَاحِد.
وَأجِيب بِأَن مرداسا وَرَبِيعَة صحابيان، وَالصَّحَابَة كلهم عدُول، فَلَا يضر الْجَهْل بأعيانهم، وَبِأَن الْخَطِيب شَرط [فِي الْجَهَالَة] عدم معرفَة الْعلمَاء، وَهَذَانِ مشهوران عِنْد أهل الْعلم، فَلم يُخَالف البُخَارِيّ، وَمُسلم نقل الْخَطِيب. انْتهى. والمرداس من أهل بيعَة الرضْوَان، وَرَبِيعَة من أهل الصّفة على مَا فِي " الْخُلَاصَة ". وَلَعَلَّ المُصَنّف اخْتَار قَول ابْن عبد الْبر، لما أَنه لَا يتَوَهَّم فِيهِ الْإِشْكَال حَتَّى يحْتَاج إِلَى دفع السُّؤَال.
[ ٥١٥ ]
(كالمبهم) أَي فِي الحكم، يَعْنِي: فَلَا يقبل حَدِيث مَجْهُول الْعين كالمبهم،
(إِلَّا أَن يوثقه) بِالتَّشْدِيدِ، أَي يُزَكِّيه أحد من أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل، (غير من ينْفَرد عَنهُ على الْأَصَح، كَذَا) أَي الحكم على الْأَصَح إِذا زَكَّاهُ (من ينْفَرد) [وَفِي نُسْخَة: من انْفَرد] (عَنهُ) .
قَالَ التلميذ: [١٢٥ - أ] هَذَا اخْتِيَار ابْن الْقطَّان، وَقيد الموثق بِكَوْنِهِ من أَئِمَّة الْجرْح و/ ٨٨ - ب / التَّعْدِيل، وَقد أهمله المُصَنّف، ثمَّ يُقَال: إِن كَانَ الَّذِي انْفَرد عَنهُ راو وَاحِد من التَّابِعين، يَنْبَغِي أَن يقبل خَبره، وَلَا يضرّهُ مَا ذكر؛ لأَنهم قبلوا الْمُبْهم من الصَّحَابَة، وقبلوا مُرْسل الصَّحَابِيّ، وَقَالُوا: كلهم عدُول. وَاسْتدلَّ الْخَطِيب فِي " الْكِفَايَة " على ذَلِك بِحَدِيث: " خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ " وَهَذَا الدَّلِيل بِعَيْنِه جَار فِي التَّابِعِيّ، فَيكون / الأَصْل الْعَدَالَة إِلَى أَن يقوم دَلِيل الْجرْح، وَالْأَصْل لَا يتْرك للاحتمال، وَالله ﷾ أعلم.
(إِذا كَانَ متأهلا لذَلِك) أَي لتزكيته، فَحِينَئِذٍ يخرج عَن اسْم الْجَهَالَة، وَهُوَ مُخْتَار أبي الْحسن بن الْقطَّان كَمَا سبق. قَالَ التلميذ: وَقد يُقَال مَا الْفرق بَين من ينْفَرد عَنهُ، وَبَين غَيره حَتَّى يشْتَرط تأهل غير الْمُنْفَرد للتوثيق دون الْمُنْفَرد؟ ! انْتهى. وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْعلمَاء من أهل الحَدِيث وَغَيرهم، أَنه لَا يقبل مُطلقًا، وَقيل: يقبل مُطلقًا، وَقيل: إِن كَانَ الْمُنْفَرد بالرواية عَنهُ لَا يروي إِلَّا عَن عدل، كَابْن
[ ٥١٦ ]
مهْدي، وَيحيى بن سعيد، قبل وَإِلَّا فَلَا، وَقيل: إِن كَانَ مَشْهُورا فِي غير الْعلم كالزهد، والشجاعة، يخرج عَن اسْم الْجَهَالَة، وَيقبل حَدِيثه وَإِلَّا فَلَا.