قَالَ تِلْمِيذه: ومناظرة أبي حنيفَة مَعَ الأوْزَاعي مَعْرُوفَة رَوَاهَا الحَازِميّ قلت: إِنَّهَا لَا تنَافِي مَا ذكره الشَّيْخ من التَّفْضِيل على وَجه التَّفْصِيل / بَين الْعُدُول من الروَاة. غَايَته أَن الإِمَام اخْتَار التَّرْجِيح بالفقه الَّذِي هُوَ استناد الِاعْتِمَاد وَالْأَوْزَاعِيّ اخْتَار علو الْإِسْنَاد وَقد ذكرهَا ابْن الهُمَام.
وَهِي أنَّ الإِمَام أَبَا حنيفَة اجْتمع مَعَ الأوْزَاعِيّ بِمَكَّة فِي دَار الحَنَّاطين، فَقَالَ الأوْزَاعِيّ: مَا لكم لَا ترفعون الْأَيْدِي عِنْد الرُّكُوع، والرفْعِ مِنْهُ؟ فَقَالَ: لأجل أَنه لم يَصح عَن رَسُول الله [ﷺ] فِيهِ شَيْء - أَي مِمَّا يُوجب الْعَمَل بِهِ بِأَن لَا يكون لَهُ معارِض أرجح مِنْهُ، أطلق لِأَنَّهُ أدْعى إِلَى إِلْزَام الْخصم - فَقَالَ الأوْزَاعِيّ: [٤٧ - أ] كَيفَ لم يَصح وَقد حَدثنِي الزُّهْرِيّ، عَن سَالِم، عَن أَبِيه - أَي ابْن عُمَر - أَن رَسُول الله [ﷺ] كَانَ يرفع يَدَيْهِ إِذا افْتتح الصَّلَاة، وَعند
[ ٢٦٢ ]
الرُّكُوع، وَعند الرّفْع مِنْهُ. فَقَالَ أَبُو حنيفَة: حَدثنَا حمّاد عَن إِبْرَاهِيم، عَن عَلْقَمَة والأسْود، عَن عبد الله بن مَسْعُود: أنّ النَّبِي [ﷺ] كَانَ لَا يرفع يَدَيْهِ إِلَّا عِنْد افْتِتَاح الصَّلَاة، ثمَّ لَا يعود [لشَيْء من ذَلِك ] .
فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: أُحَدِّثُك عَن الزُّهري، عَن سَالم، عَن أَبِيه، وَتقول: حَدثنِي حَمَّاد، عَن إِبْرَاهِيم فَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: كَانَ حَمَّاد أفقه [من الزُّهري، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أفقه] من سَالم، وعلْقَمَة لَيْسَ بِدُونِ ابْن عمر فِي الْفِقْه، وَإِن كَانَت لِابْنِ عمر صُحْبَة، وَإِن كَانَ لَهُ فضل صُحْبَة، فالأسود لَهُ فضل كثير، وعبدُ الله [عبدُ الله]، فرجَّح بِفقه الروَاة كَمَا رجح الْأَوْزَاعِيّ بعلو الْإِسْنَاد، وَهُوَ -[أَي التَّرْجِيح بالفقه]- المذهبُ الْمَنْصُور عندنَا. انْتهى كَلَام المحقّق. وَبَقِيَّة هَذَا الْبَحْث حررناها فِي " شرح الْمشكاة ".
(وَهِي) أَي الْمرتبَة الثَّالِثَة. (مُقَدّمَة على رِوَايَة مَن يُعَدّ) بِصِيغَة الْمَجْهُول. (مَا يتفرد) أَي هُوَ (بِهِ) رَاجع إِلَى مَا. (حَسَنًا) مفعول ثانٍ، أَي يُعَدُّ حسنا لذاته لِأَن مرتبَة الصَّحِيح فَوق مرتبَة الْحسن، بل مُقَدمَّة أَيْضا على رِوَايَة مَن يُعدّ مَا يتفرد بِهِ صَحِيحا لغيره.
(كمحمد) أَي مَن يعد الْمَذْكُور كمحمد (ابْن إِسْحَاق، عَن عَاصِم بن عمر،) بِلَا وَاو. (عَن جَابر، وَعَمْرو) بِالْوَاو وكعمرو. (ابْن شُعَيْب) أَي ابْن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. (عَن أَبِيه،) أَي شُعَيْب، أَو مُحَمَّد.
[ ٢٦٣ ]
(عَن جَدِّه) أَي جَدّ عَمْرو، أَو جد شُعَيْب. وَالْجد مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ كَذَا فِي " المُظْهِر ". وَقيل: جد عَمْرو بن شُعَيْب هُوَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَأَبوهُ مُحَمَّد. وَالْمرَاد من الْجد الْجد الْأَعْلَى وَهُوَ الصَّحَابِيّ، لَكِن فِيهِ أَن عَمْرو بن الْعَاصِ أَيْضا صَحَابِيّ، ويندفع / ٣٥ - ب / بِأَنَّهُ مَعْلُوم من الْخَارِج أَنه لم يُدْرِكهُ. قَالَ الزَّعْفَرَاني شَارِح " المصابيح " اخْتلف أنّ شعيبًا سمع من جده عبد الله بن عَمْرو أم لَا، وَلذَا لم يخرِّج الشَّيْخَانِ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ [٤٧ - ب] عَمْرو عَن جده.
(وقِسْ على هَذِه الْمَرَاتِب) أَي الْعليا، وَالْوُسْطَى، والسُّفْلَى. (مَا يشبهها) أَي من اتِّفَاق الشَّيْخَيْنِ، وأفراد البُخَارِيّ، وأفراد مُسلم. أَو الْمَعْنى: قِسْ على هَذِه الْمَرَاتِب الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة الْمرتبَة مَا يشبهها من أَمْثِلَة أُخْرَى فِي الصِّفَات المرجِّحة
(والمرتبة الأولى هِيَ الَّتِي أطْلَقَ عَلَيْهَا بعض الْأَئِمَّة أَنَّهَا أصح الْأَسَانِيد) إِنَّمَا أَعَادَهَا ليرتبط بهَا قَوْله:
(وَالْمُعْتَمد عدم الْإِطْلَاق / لترجمة مُعينَة) كَأَن يُقَال: للزُّهْرِي، عَن سَالم الخ مثلا إِنَّه أصح الْأَسَانِيد على الْإِطْلَاق من جَمِيع أَسَانِيد الصَّحَابَة وَهَذَا معنى قَول الجَزَرِيّ: وَلم أرَ مَن عمَّمَه، وَهَذَا يُؤَيّد مخاصمة أبي حنيفَة للأوزَاعي. (مِنْهَا) أَي من التراجم بِدلَالَة تَرْجَمَة، أَو من الْمرتبَة الأولى يَعْنِي من تراجمها.
[ ٢٦٤ ]
وَالْحَاصِل: أنّ القَوْل الْمُخْتَار أَنه لَا يُطْلقُ على إِسْنَاد معيَّن بِأَنَّهُ أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا، لِأَن تفَاوت مَرَاتِب الصِّحَّة مترتب على تمكن الْإِسْنَاد من شَرط الصِّحَّة، ويَعِزّ وجود أَعلَى دَرَجَات الْقبُول فِي كل فَرد فَرد من تَرْجَمَة وَاحِدَة بِالنِّسْبَةِ لجَمِيع الروَاة، كَذَا حَقَّقَهُ الْعِرَاقِيّ، وصرَّح بِهِ غير وَاحِد من الْمُحدثين، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه الْمُخْتَار.
لِأَن الْإِطْلَاق يتَوَقَّف على وجود أَعلَى دَرَجَات الْقبُول من الضَّبْط، وَالْعَدَالَة، وَنَحْوهمَا فِي كل فَرد من رُوَاة السَّنَد المحكومِ لَهُ بِالنِّسْبَةِ لجَمِيع الروَاة الْمَوْجُودين فِي عصره، وَيعِزّ اجْتِمَاع سلسلة كَذَلِك.
إِذْ لَا يعلم، أَو يظنّ أَن هَذَا الرَّاوِي حَاز أَعلَى الصِّفَات حَتَّى لَا يوازى بَينه وَبَين كل فَرد [فَرد] من جَمِيع مَن عاصره، فَإِن كَانَ لَا بُدّ من الْإِطْلَاق، فيقيّد كل تَرْجَمَة بصحابيّها، أَو بِالْبَلَدِ الَّتِي مِنْهَا أَصْحَاب تِلْكَ التَّرْجَمَة بِأَن يُقَال: أصح أَسَانِيد فلَان أَو فلانين، فَإِن أقل انتشارًا وَأقرب إِلَى الْحصْر، بِخِلَاف الأول، فَإِنَّهُ حصر بَاب وَاسع جدا شَدِيد الانتشار، فَظهر أَن إِطْلَاقهم لَا يُستفاد مِنْهُ أَصَحِّيَة الْإِسْنَاد الْمعِين.
(نعم، [٤٨ - أ] يُستفاد من مَجْمُوع مَا أطلق الْأَئِمَّة عَلَيْهِ ذَلِك) أَي مَا
[ ٢٦٥ ]
ذُكِر من كَونه أصح الْأَسَانِيد، وَلَيْسَ المُرَاد الْمَجْمُوع من حَيْثُ الْمَجْمُوع (أَرْجَحِيته) أَي يُستفاد مِنْهُ أنّ مَا أطْلقُوا عَلَيْهِ ذَلِك من الْأَسَانِيد أرجح (على مَا لم يطلقوه) أَي لَا على عُمُوم الْأَسَانِيد، ومطلقها.
(ويلتحق بِهَذَا التَّفَاضُل) أَي الَّذِي عَلَيْهِ مدَار علو الْإِسْنَاد (مَا اتّفق الشَّيْخَانِ على تَخْرِيجه) وَيُقَال لَهُ: الْمُتَّفق عَلَيْهِ، أَي مَا / ٣٦ - أ / أودعهُ الشَّيْخَانِ البُخَارِيّ وَمُسلم، فِي صَحِيحَيْهِمَا - الَّذِي أَولهمَا أصَحهمَا - لَا كل الْأمة، وَإِن تضمن اتِّفَاقهمَا لتلقِّيها لَهما إِلَّا مَا عُلِّلَ مِمَّا أُجِيب عَنهُ بالقَبول. قَالَ السخاوي: بل مَا فيهمَا - إِلَّا مَا استُثْني - قَطْعِيّ، دون مُطلق الصَّحِيح فنظري، ثمَّ إِنَّه على مَرَاتِب: فأعلاها مَا اتّفق على تواتره، وَإِن اشْترك مَعَ مَا عداهُ فِي مسمّى إِفَادَة الْعلم، ثمَّ الْمَشْهُور.
(بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا انْفَرد بِهِ أَحدهمَا، وَمَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا انفردَ بِهِ مسلمٌ لِاتِّفَاق الْعلمَاء بعدهمَا على تلقّي كتابَيْهما) أَي على أخذهما، والإقبال عَلَيْهِمَا. (بالقَبول) أَي علما، وَعَملا. (وَاخْتِلَاف بَعضهم) أَي ولوقوع اخْتِلَاف بَعضهم.
[ ٢٦٦ ]
(فِي أَيهمَا أرجح) قيل: الصَّوَاب: فِي أنّ أَيهمَا أرجح فَإِن حرف الْجَرّ لَا يدْخل الْجُمْلَة، وَهَذَا الِاخْتِلَاف لَا يُوجب عدم تفاضل مَا اتفقَا على غَيره.
قَالَ المُصَنّف: مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ راجحٌ أَيْضا لترجيح أفضليته، فَإِنَّهُم إِذا قَصَرُوا اخْتلَافهمْ عَلَيْهِمَا استفيدَ مرجوحية غَيرهمَا، وترجيحهما، أَي البُخَارِيّ وَمُسلم إِذا اتفقَا: أَفَادَ تَصْرِيح الْجُمْهُور بِتَقْدِيم البُخَارِيّ.
قَالَ تِلْمِيذه: لَيْسَ فِي هَذَا أَكثر مِمَّا فِي الشَّرْح فِي الْمَعْنى لَكِن فِي اللَّفْظ
قلت: زِيَادَة المبنى تدل على زِيَادَة الْمَعْنى، فَأَقل مَا يكون أَنه أوضَحَ مَا أُغْلِق فِي الشَّرْح.