ويكون ذلك بأحد طرق ثلاثة:
١ - النقل المتواتر وهو ما رواه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، مثل ألفاظ الأرض والنار والهواء والحر والبرد والسماء والنور والموت كقوله - ﷺ -: «عَادِيُّ الأَرْضِ للَّهِ وَرَسُولِهِ» (١) أو قوله: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (٢) فكلمتا «الأَرْضَ»
_________________
(١) رواه البيهقي في " السنن " وهو حديث مرسل.
(٢) رواه أبو داود والترمذي وأحمد في " مسنده " وحسَّنَهُ الترمذي.
[ ١٨ ]
و«مَيِّتَةً»، معروف معناهما بالتواتر اللغوي لا يختلف فيه اثنان (١).
٢ - نقل الآحاد كنقل غريب الألفاظ كقوله - ﷺ -: «القَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ مُمَصْمِصَةٌ» أي مُطهِّرَةٌ مِنء دَنَسِ الخَطَأِ (٢). وقوله - ﷺ -: «إِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا هَزْمَ الأَرْضِ فَإِنَّهَا مَأْوَى الهَوَامِّ» و" الهَزْمُ ": مَا تَشَقَّقَ مِنَ الأَرْضِ (٣).
ويدخل في النوعين الأولين ما يشتق من اللغة كقوله - ﷺ -: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِمَيْسَمِهَا وَمَالِهَا وَحَسَبِهَا» (٤) فـ " المَيْسَمُ ": مفعل الوسامة وهي الجمال.
٣ - العقل من النقل كما إذا نقل إلينا أَنَّ الجمع المعرف يدخله الاستثناء، مثل الرجال، فهو متناول لجميع أنواع
_________________
(١) " نهاية السول " للأسنوي: ٢/ ٢٩، المطبعة السلفية بمصر سنة: ١٣٤٥ هـ.
(٢) " الفائق في غريب الحديث " للزمخشري: ٣/ ٢٠، مطبعة القاهرة سنة: ١٣٦٧ هـ - ١٩٤٨ م.
(٣) " الفائق في غريب الحديث " للزمخشري: ٣/ ٢٠٤، مطبعة القاهرة سنة: ١٣٦٧ هـ - ١٩٤٨ م.
(٤) " الفائق في غريب الحديث ": ٢/ ١٦٠.
[ ١٩ ]
الرجال، ولكن يمكن إخراج بعض ما ينتظمه اللفظ فتقول: الرجال خير من النساء، فلا يمنع أنْ يكون بعض النساء خير من الرجال.
٤ - وهناك مسألة تنازع فيها الأصوليون، وهي ثبوت اللغة بالقياس، كَأَنْ يُسَمَّى شيءٌ باسم له معنى ينظر في التسمية، ويوجد له معنى في غير المُسَمَّى الذي ثبت وضع اللفظ له. فالنبي - ﷺ - يقول: «لَعَنَ اللَّهُ شَارِبَ الْخَمْرِ» (١) فالخمر لفظ وضع لغة للتي من ماء العنب أو التمر إذا اشْتَدَّ وغلا وقذف بالزبد. ولكن فيه معنى آخر وهو ستر العقل، فيعتبر هذا علَّة التسمية، فيشمل كل شراب - من غير هذين - يستر العقل، وهذا ما ذهب إليه الجمهور.
والأصوليون أول ما اتَّجَهُوا في طرق الاستنباط إلى بيان الطرق اللفظية:
فقسّموا اللفظ باعتبار ما وضع له إلى ثلاثة أقسام:
_________________
(١) رواه أبو داود في [الأشربة] بلفظ: «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَلَعَنَ شَارِبَهَا» ورواه أحمد في " مسنده ".
[ ٢٠ ]
١ - مشترك: وهو ما وضع لِمُتَعَدِّدِ المعاني، كالعين للجاسوس، والماء، والذهب، وعين الإنسان، والوجه. وقد اختار جمهور الأصوليين عدم جواز إطلاق المشترك وإرادة جميع معانيه، وإنما تدل القرينة على المراد منه، ورأى بعضهم جواز ذلك.
٢ - عام: وهو ما وضع بلفظ واحد لكثيرين يستغرقهم اللفظ، ويشمل كلمات العموم، وجميع صيغ العموم مثل: أسماء الشرط، والموصول، والاستفهام، والمُحَلَّى بأل الجنسية، والنكرة المنفية، والجمع المُحَلَّى باللام، والإضافة، ومثاله قوله - ﷺ -: «الإنسان مجزي بعمله إنْ شرًّا فشرٌّ وإنْ خيرًا فخيرٌ» (*). فالعموم في الإنسان يشمل جميع بني البشر.
وقوله - ﷺ -: «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» (١) ففهم منها وجوب الصلاة على العموم من سمع النداء. ومثل قوله - ﷺ -: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ» (٢) فهي عام في كل صدقة،
_________________
(١) (*) [ليس بحديث وإن صح معناه، كما قال القليوبي، فقد بحثت عنه فلم أجده في كتب الحديث إلاَّ في كتب الإعراب أو " حاشية الصبان على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك " ١/ ٣٥٦].
(٢) رواه أبو داود والدارقطني.
(٣) رواه مسلم.
[ ٢١ ]
زكاة أو تَبَرُّعًا. وقوله - ﷺ -: «لاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ» (١)، وقوله - ﷺ -: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (٢) عام في كل قاتل وفي كل إهاب.
ويستدل بالعام ما لم يرد عليه التخصيص، وقد نقل الإجماع على عدم العمل بالعام ما لم يبحث عن المخصص. قال الغزالي: «لاَ يَجُوزُ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْحُكْمِ بِالْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ [الأَدِلَّةِ الْعَشَرَةِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا فِي الْمُخَصِّصَاتِ]؛ لأَنَّ الْعُمُومَ دَلِيلٌ بِشَرْطِ انْتِفَاءِ [الْمُخَصِّصِ]» (٣). والصحيح أنَّ هذا رأي الجمهور (٤).
ودلالة العام على كل أفراده قطعية عند الحنفية، ما لم يتبع بالقرينة الدالة على بعض أفراده، ويرى المالكية والشافعية والحنابلة أنَّ دلالة العام على كل أفراده ظنية.
٣ - خاص: وهو كل لفظ وضع لواحد أو لعدد محصور، كمحمد، أو قوم، فهي للرجال دون النساء. ومن الأحاديث
_________________
(١) رواه ابن ماجه بلفظ: «لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ».
(٢) رواه البخاري وأبو داود.
(٣) " المستصفى من علم الأصول " للغزالي: ٢/ ٣٥.
(٤) انظر " التلويح على التوضيح ": ١/ ٤٠ و" أصول الفقه " للخضري: ص ١٧٢.
[ ٢٢ ]
التي يستنبط فيه موجب الخاص قوله - ﷺ - للمرأة: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» (١)، ففهم من الخاص معنى الحيض، وأخذ من اللفظ حكم النهي عن الصلاة وقت الحيض.
وقوله - ﷺ -: «لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٢) فلفظ (بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) لفظ خاص بسورة الفاتحة، فاستدل الشافعية بالحديث على وجوب قراءة سورة الفاتحة.
والخاص أنواع:
١ - مطلق: وهو ما دلَّ على فرد أو أفراد، شائعة بدون قيد مستقل لفظًا، أو ما أريد به فرد غير مقيد، أي ما كان شائعًا في جنسه، والاستدلال به من السُنَّة مثل قوله - ﷺ - في صدقة الفطر: «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ » (٣) فالأداء عن مطلق الحر والعبد من غير تقييد، لأنَّ دلالة المطلق غير مقيدة، ويحمل المطلق على إطلاقه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود والترمذي وحسَّنَهُ.
(٢) رواه الترمذي ومسلم بلفظ: «لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
(٣) رواه الدارقطني. [عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَقَالَ: «أَدُّوا صَاعًا مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ»، كتاب زكاة الفطر، حديث ٢١١٨، تحقيق الشيخ شعيب الارنؤوط، حسن عبد المنعم شلبي، عبد اللطيف حرز الله، أحمد برهوم، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان الطبعة الأولى: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م، ٣/ ٨٤].
[ ٢٣ ]
٢ - مقيَّد: وهو ما دلَّ على فرد، أو أفراد شائعة بقيد مستقل لفظًا يُقَلِّلُ من شيوعه، ومثاله من السُنَّة قوله - ﷺ -: «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ مُسْلِمَيْنِ» (١) وقوله - ﷺ - لأبي ذر: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَصُمْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» (٢)، فقد قيد المطلق في الحديث الأول بقوله (مُسْلِمَيْنِ) وقيده الأيام الثلاثة بأنها ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، ومثله التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
وقد يحمل المطلق على المُقَيَّدِ إذا ورد في نص مطلقًا، وفي آخر مُقيَّدًا، فإذا مَرَّ حديث مطلق فينبغي أنْ ننظر إنْ كان قد ورد مُقيَّدًا أم لا، فلا يؤخذ الحكم الشرعي منه حتى نحمل المُقيَّدَ عليه، وذلك إذا اتحد في النصين الحكم والسبب، ومثاله قوله - ﷺ -: «لاَ عَقْرَ فِى الإِسْلاَمِ» (٣) فهو مطلق، قيَّدَهُ ما رواه أبو داود عن عبد الرزاق أنهم كانوا يعقرون عند القبر بقرة
_________________
(١) رواه الترمذي: وقال: «حديث حسن صحيح».
(٢) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والبيهقي. وقال الترمذي: «حديث حسن».
(٣) رواه أبو داود في كتاب الجنائز رواه أحمد في " مسنده ".
[ ٢٤ ]
أو شاة في الجاهلية، وإلاَّ فالذبائح من سنن الإسلام.
وأما إذا لم يتحد الحكم والسبب في النصين فلا يحمل أحد النصين على الآخر باتفاق الفقهاء، بل يعمل بالمطلق على إطلاقه، والمُقيَّد على تقييده، ومثاله ما روي عن عائشة - ﵂ - قالت: «كَانَ النَبِيُّ يُصَلِّيَ الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» (١) وهو مطلق في ركعات أربع فَصَّلَ كيفية أدائها ما أخرجه الطبراني في " الكبير " عن ابن عباس قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اسْتَوَى النَّهَارُ خَرَجَ إِلَى بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ» (٢)، وفيه: «قَامَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَلَمْ [يَتَشَهَّدْ] بَيْنَهُنَّ وَ[سَلَّمَ] فِي آخِرِ الأَرْبَعِ» وروي عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» (٣).
وجمهور الفقهاء على أنهم يحملون المطلق على المقيَّد؛ رفعًا للتعارض بين النصوص، ومثاله: ما صحَّ أنه - ﷺ - قضى بالشُفعة للجار، وهو مطلق قيَّدَهُ قوله - ﷺ -: «اَلْجَارُ أَحَقُّ
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) أخرجه الطبراني في " الكبير ".
(٣) متفق عليه.
[ ٢٥ ]
بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا - وَإِنْ كَانَ غَائِبًا - إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» (١) والحنفية هنا لا يحملون هذا المطلق على المُقيَّدِ: لأنهم لا يحتجون بمفهوم المخالفة، ولهذا تثبت الشفعة للجار الشريك في الطريق، والجار غير الشريك في الطريق.
٣ - قد يأتي الخاص على صيغة الأمر: وهي الصيغة المعلومة افعل وما يجري مجراها مقتضى بها الفعل حتمًا مع استعلاء، وهي تأتي لمعانٍ مختلفة قد تبلغ ستة عشر معنى، من أههمها: الإيجاب كقوله - ﷺ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَسْعَ إِلَى الجُمُعَةِ» (٢)، «لاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (٣)، وقوله: «اِسْتَنْزِهُوا مِنْ اَلْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ اَلْقَبْرِ مِنْهُ» (٤).
والندب كقوله - ﷺ -: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ» (٥)، وقوله: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ
_________________
(١) رواه النسائي في [البيوع] وابن ماجه في [الشفعة].
(٢) أخرجه الدارقطني والبيهقي.
(٣) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد والنسائي وابن ماجه.
(٤) رواه الدارقطني وهو صحيح الإسناد.
(٥) رواه أصحاب السنن وأحمد.
[ ٢٦ ]
شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (١).
والأباحة مثل قوله - ﷺ -: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَك فَاذْكُر اسْمَ الْلَّه تَعَالَى، فَإِنْ أَمْسَك عَلَيْك فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْه، وَإِن أَدْرَكْتَه قَد قَُتَل وَلَم يَأْكُل مِنْه فَكُلْه، وَإِنْ وَجَدْتَ مَع كَلْبِك كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَد قُتِل فَلاَ تَأْكُل، فَإِنَّك لاَ تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَه، وَإِنْ رَمَيْت بِسَهْمِك فَاذْكُر اسْمَ الْلَّه تَعَالَى فَإِن غَابَ عَنْكَ فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلاَّ أَثَر سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيْقْا فِي الْمَاءِ فَلاَ تَأْكُل» متفق عليه واللفظ لمسلم.
ومثل: «وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفْرًا» (٢) أخرجه الجماعة.
ومنها: الإرشاد كقوله - ﷺ -: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَن ادِّخَار لُحُوْم الأَضَاحِي أَلاَ فَادَّخِرُوْا» (٣).
ومنها الدعاء: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي».
_________________
(١) رواه البخاري وأصحاب السنن.
(٢) رواه الجماعة بزيادة «وَأَنْهَرَ الدَّمَ».
(٣) رواه مسلم وأحمد والترمذي وصحَّحَهُ بلفظ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاَثٍ لِيَتَّسِعَ ذُو الطَّوْلِ عَلَى مَنْ لاَ طَوْلَ لَهُ، فَكُلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا».
[ ٢٧ ]
وطريقة الاستدلال بالأمر تختلف بحسب القرائن، فالنصوص الآمرة قد تدل على الوجوب أو الإباحة، أو الندب، أو الإرشاد، أو الدعاء، ومن هنا نجد جانبًا من اختلاف العلماء في ذلك. وَأَنَّ الأصل في الأمر الوجوب ولكن قد تصرفه القرائن إلى سواه.
٤ - وقد يأتي الخاص على صيغة النهي، والنهي: هو طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء.
فهل هذه الصيغة للتحريم أو للكراهة؟ إنها تفيد التحريم أو الكراهة، وإنَّ الأصل في النهي هنا التحريم، لكن قد يصرفه عن التحريم صارف إلى الكراهة.
فمن أمثلة نهي التحريم قوله - ﷺ - «لاَ تُجْمَعُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا» (١). فقد أفاد النهي عن التحريم، ومثله قوله - ﷺ -: «لاَ تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلاَ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلاَ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» (٢)، وقوله: «لاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه مسلم.
[ ٢٨ ]
بَعْضٍ» (١).
ومن أمثلة الكراهة ما روته السيدة عائشة - ﵂ -: «أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ» (٢) أي في الصلاة، وقوله - ﷺ -: «لاَ تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنَّ اَلشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ» (٣) ذهب الجمهور إلى أنه مكروه لا غير.
ومثله قوله - ﷺ -: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ [ثَلاَثًا] (٤)» متفق عليه.
ومقتضى النهي شرعًا قبح النهي عنه، كما أنَّ مقتضى الأمر حسن المأمور به، لأنَّ الحكيم العليم - جَلَّ شَأْنُهُ - لا ينهى عباده عن فعل إِلاَّ لِقُبْحِهِ، ولا يأمرهم بشيء إِلاَّ لِحُسْنِهِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٥).
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) رواه مسلم.
(٣) رواه مسلم.
(٤) [لم يقع ذكر لفظة «ثَلاَثًا» في " الصحيحين "، وإنما أوردها صاحب " سبل السلام ".
(٥) [النحل: ٩٠].
[ ٢٩ ]