تَضُمُّ الموسوعة الصحيح والحسن من الحديث فقط، إذ هما اللذان يحتج بهما. وتؤخذ منهما الأحكام، وَتُعْرَفُ في ضوئها هداية الله تعالى، وهدي رسوله - ﷺ -.
أما الضعيف، فلا يدخل في صلب الموسوعة، وإن احتج به من احتج، إذا تَبَيَّنَ ضعفه لأئمة الصناعة الحديثية، ولا بأس بذكره، أو الإشارة إليه في الحاشية، ولا سيما إذا كان قد حَسَّنَهُ أَوْ صَحَّحَهُ بعض العلماء، أو كان ضعفه خفيفًا، وقد يحتمل التحسين. وكذلك إذا كان مما احتج به بعض أئمة الفقه، أو كان مِمَّا اشتهرت في الكتب أو على الألسنة، بل قد يذكر الموضوع، وما لا أصل له، إذا كان بهذه المثابة من الشهرة، تتهيأ على حاله، وتحذيرًا من الاغترار باشتهاره.
والاكتفاء بالصحيح والحسن هو منهج الموسوعة في كل جوانب الإسلام، ما يتعلق بالعقائد، وبالأحكام والحلال والحرام، وما يتعلق بالترغيب والترهيب وفضائل الأعمال، كما هو مذهب جماعة من المُحَقِّقِينَ، وكبار الأئمة، مثل يحيى بن معين، والبخاري، ومسلم، وابن العربي، وابن تيمية، وغيرهم، وإن تساهل غيرهم فأجازوا العمل بالضعيف في فضائل الأعمال، أَخْذًا بما رُوِيَ عن بعض السلف مثل ابن حنبل، وابن مهدي، وغيرهما، أنهم قالوا: «إِذَا رَوِينَا فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَفَضَائِلِ الأَعْمَالِ، تَسَاهَلْنَا فِي الأَسَانِيدِ وَالرِّجَالِ، وَإِذَا رَوِينَا فِي الحَلاَلِ وَالْحَرَامِ وَالأَحْكَامِ تَشَدَّدْنَا فِي الرِّجَالِ» (١).
ويبدو عند التحقيق أن تساهلهم لا يعني الأخذ بالضعيف في اصطلاح المتأخرين بل في اصطلاحهم هم، وهو ما سمي الحسن فيما بعد، كما بَيَّنَ ذَلِكَ المُحَقِّقُونَ
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(٢) [هو قول عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ. انظر: " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور محمود الطحان، ٢/ ٩١، نشر مكتبة المعارف - الرياض. المملكة العربية السعودية].
[ ٣٤ ]
على أن الذين تساهلوا في رواية الضعيف، أو العمل به اشترطوا شروطًا ثلاثة نقلها السيوطي، عن شيخه الحافظ ابن حجر، وهي:
١ - أن يكون الضعيف غير الشديد، فيخرج من تَفَرَّدَ بحديث من الكذابين أو المتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه، وهذ شرط متفق عليه.
٢ - أن يكون مندرجًا تحت أصل عام، فيخرج ما كان مخترعًا من أساسه، فلا يكون له أصل بتاتًا.
٣ - ألا يعتقد عند العمل به ثبوته عن النَّبِيِّ - ﷺ -، لئلا ينسب إليه ما لم يقله.
وهذه الثلاثة تضم إلى الشرط السابق، وهو أن يكون في فضائل الأعمال والرقائق ونحوها، لا في إثبات الأحكام، وبيان الحلال والحرام.
والذي أراه للموسوعة ألا تدخل في صلبها أقل من الحسن، حتى في مجال المواعظ والفضائل، الترغيب والترهيب، وذلك لعدة أسباب منها:
١ - أن في الصحيح والحسن ما يُغْنِي عن الضعيف والحمد لله، فلماذا الاستكثار بالضعيف، وعندنا ثروة من غيره؟
٢ - أن هذه الشروط التي اشترطها من أجازوا الضعيف، لا تراعى في التطبيق عادة عند من يرون الضعيف، فهم يُسَوُّونَ بين ما كان ضعفه شديدًا جِدًّا وما كان ضعفه خفيفًا مقاربًا، ويقولون في هذا وذاك: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، مع تحذير العلماء المُحَقِّقِينَ من استعمال مثل هذه الصيغة، إلا فيما ثبت من الأحاديث.
٣ - أن هذه الأحاديث وإن كانت لا تثبت حُكْمًا، ولا تتضمن تحليلًا ولا تحريمًا، كثيرًا ما تتضمن مبالغات يرفضها العقل الصريح، ويردها الدين الصحيح أو تلفظها اللغة العربية السليمة.