الإسلام مصدر «أسلم» بمعنى استسلم وانقاد وأذعن، وسمي دين الله الذي ارتضاه لعباده بذلك، لأنه استسلام لله بالتوحيد، وانقياد له بالطاعة. كما جاء في القرآن عن إبراهيم ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣١]: ومعنى «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ». أي خمس دعائم. كما صرح به عبد الرزاق في روايته، وفي رواية (م) «عَلَى خَمْسَةٍ»، أي خمسة أركان. والمراد بالشهادتين: الإيمان بالله ورسوله، كما جاء في رواية ذكرها " البخاري " تعليقًا، كما ذكرنا في بعض روايات " مسلم " بدل الشهادتين: «أَنْ يُوَحَّدَ اللهُ أَوْ أَنْ يَعْبُدَ اللهَ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونِهِ». فالإيمان داخل هنا في ضمن الإسلام. وفيه يدخل الإيمان بالملائكة والكتب والرسل وغيرها، لأنها جميعًا مِمَّا جاء به رسول الله - ﷺ -.
واقتصار بعض الروايات على الشهادة الأولى وما في معناها، دون الشهادة الثانية، يحمل على أنه تقصير من بعض الرواة. ولعلهم فعلوا ذلك اكتفاء بأحد القرينين عن الآخر.
والمقصود تمثيل الإسلام ببنيان دعائمه وأركانه هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان: فإذا فقد شيء منها نقص البنيان، وهو قائم لا ينقص ولا ينهدم بنقصانها، بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس، فإن الإسلام يزول بفقد جميعها بغير إشكال. وكذلك يزول بفقد الشهادتين، لأنهما أساس البناء كله، ولا بقاء لبناء بغير أساس.
_________________
(١) (حم) جـ ٤/ ٣٦٤ (ش) جـ ص. وفي " مجمع الزوائد " (١/ ٤٧) قال الهيثمي: رواه (حم) (يع) (طب)، وإسناد أحمد صحيح.
(٢) ذكره السيوطي في " جمع الجوامع ".
[ ٥٣ ]
أما بقية الخمس، فهل يزول الإسلام بزوالها؟ الظاهر أن الاسم باق ما دام الأساس باقيًا، وما دام معترفًا بوجوبها كلها، غير منكر لشيء منها، او مستخف به، وأما من ترك شيئًا منها كَسَلًا أو شُحًّا أو اتباعًا للهوى - دون جحود ولا استخفافًا - فالجمهور على انه عَاصٍ لله تعالى، ناقص الإسلام نقصًا لا يصل به إلى الكفر. وذهب أحمد وإسحاق إلى كفر تارك الصلاة خاصة، لظواهر أحاديث وَرَدَتْ عن كفر تاركها، وستأتي في كتاب الصلاة إن شاء الله.
ويشبه الجمهور الإسلام هنا - أخذًا من الحديث - ببيت من الشعر (خيمة) أقيم على خمسة أعمدة، أحدها أوسط والبقية أركان.
وإنما رتبها هكذا بناء على أهميتها، فبعد الشهادتين تأتي الصلاة لأنها عمود الإسلام، كما في حديث معاذ عند " الترمذي ". والزكاة قرينتها من الكتاب وَالسُنَّةِ، ولهذا قال أبو بكر: «وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ»، والصوم يليهما، لأنه فريضة سنوية، والحج آخرها لأنه في العمر مرة.
ولم يذكر الجهاد رغم عظم منزلته في الدين لأنه فرض كفاية، ولا يتعين إلا في بعض الأحوال. ولهذا جعل ابن عمر الحديث جواب من سأله: «أَلاَ تَغْزُو؟».
(يراجع " فتح الباري "، و" عمدة القاري "، و" شرح مسلم " للنووي وغيره. و" شرح المشكاة " للقاري، الحديث الرابع، و" جامع العلوم والحكم " لابن رجب، الحديث الثالث، وغيرها من الشروح).