اشتغل شعبة بن الحجاج بالحديث النبوي، وجدّ في طلبه، ولم يزل طول عمره يطلبه حتى مات على غاية الحرص في جمعه لا يشتغل بشيء سواه، ويكتب حتى عمّن دونه في السن والإسناد، فكان مِنْ أشدِّ أصحاب الحديث عنايةً بما سمع، وأحسنهم إتقانًا لما حفظ، وقد سمحت له كثرة الاشتغال بالحديث باكتساب معرفة كبيرة بأحوال الرواة، ودراية فائقة بأحاديث الشيوخ، حتى عُدَّ مِنْ أعلم الناس بالرجال، (١) بل ولُقِّبَ بأمير المؤمنين في الحديث (٢) .
لم تعد مجالس شعبة بن الحجاج تعقد قصد رواية الأحاديث فقط، بل أصبحت تعقد للبحث في أحوال الرواة تعديلا وتجريحا، حكى أبو زيد الأنصاري النحوي فقال: أتينا شعبة يوم مطر، فقال: ليس هذا يوم حديث، اليوم يوم غيبة تعالوا نغتاب الكذابين (٣) .
وقصر المجالس على نقد الرجال أمر ظهر بعد ذلك على يد الطبقة التي تلت شعبة، وعلى رأسها يحيى بن معين والإمام أحمد وابن المديني، يوجه خلالها الطلبة أسئلة تتعلق بالرواة، وردود الشيوخ هي التي يدونها تلامذتهم أو يروونها عنهم بعناوين مختلفة مثل سؤالات أحمد وسؤالات علي بن المديني وغير ذلك.
_________________
(١) تقدمة المعرفة ١٢٧.
(٢) شرف أصحاب الحديث ١٥.
(٣) الكفاية ص: ٤٥.
[ ١٧ ]
من الذي يُترك حديثه في رأي شعبة؟
يرى شعبة أن أصنافًا أربعة من الرواة يترك حديثهم ولا يعتد به:
أولًا: مَنْ يُتَّهَمُ بالكذب: إن الراوي المتهم بالكذب هو الذي يعرف بكذبه في حديثه العادي بين الناس، فلا يؤتمن حينئذ على حديث رسول الله ﷺ، إذ إن جرأته على الناس دليل على جرأته على الله ورسوله. ولأن العدالة لا تتجزأ، فلا يكون الراوي ثقة عدلًا في جهة، وكذابًا فاسقًا في جهة أخرى، وهذا ما تشترك فيه الرواية والشهادة. وطرح حديث المتهم بالكذب في كلامه العادي مع الناس ضرب من الاحتياط والحذر اللذين مَيَّزا منهج المحدثين في تلقي الأخبار وروايتها، وأضفيا عليه صفة الدقة والسلامة.
ثانيًا: من يكثر الغلط: إن الراوي الذي يتهم بفحش الغلط وتزايده يفقد صفة الضبط فلا يؤخذ بحديثه في معرض الاحتجاج، ولا يعتمد في أحاديث الأحكام، بل يستأنس به استئناسا. (١)
ثالثًا: من يخطئ في حديث يجمع عليه فلا يتهم نفسه، ويقيم على غلطه ويصر على روايته لذلك الحديث، وإن الراوي الذي يعرف عنه هذا الأمر تسقط روايته ولا يكتب عنه بشرط أن يكون ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك.
رابعًا: من روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون. (٢)
_________________
(١) انظر كتاب المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل ص: ٣١٨ - ٣١٩.
(٢) الكفاية ١٤٥، وفتح المغيث ١٦٠-١٦١.
[ ١٨ ]
موقف شعبة من الرواة المدلسين:
ذكر غير واحد أن شعبة بن الحجاج كان من أصدق الناس وأثبتهم في الحديث حتى قال عبد الله بن إدريس: شعبة قبان المحدثين، (١) أي أمينهم. وقال أحمد في معرض المفاضلة بينه وبين سفيان الثوري: « وكان شعبة أثبت منه وأتقى رجلا.» (٢)
ولذلك فقد كان له موقف صارم من التدليس والمدلسين، فكان يجعل التدليس في مرتبة أكبر من الزنى، فهو القائل -إن صحت الرواية عنه-: «لأن أزني أحب إلي من أن أدلس، وفي رواية أخرى: التدليس في الحديث أشد من الزنى» (٣) .
وقال أيضا مستعظما أمر التدليس مستبعدا إياه: «لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول: زعم فلان ولم أسمع ذلك الحديث منه» (٤) .
منهج شعبة في نقد الرواة
١) الرجوع إلى مصدر الخبر: يعد رجوع المحدث الناقد إلى مصدر الخبر الذي استقى منه الراوي حديثه وسيلة من وسائل التثبت من صدق المخبر وعدالته وضبطه. ولقد كان هذا النهج من ديدن شعبة بن الحجاج وهو القائل في معرض التنويه بمكانة سفيان الثوري: ما حَدَّثني سفيان عن السدي بحديث فسألته عنه إلا كان كما حدثني. (٥)
_________________
(١) التهذيب ٣٤٦.
(٢) المصدر نفسه ٣٤٤.
(٣) التهذيب ١/١٥-١٦ وتقدمة المعرفة ص: ١٧٣.
(٤) التمهيد ١/١٦.
(٥) طبقات ابن سعد ٦/٣٧٢.
[ ١٩ ]
وفي رواية: "ما حدثني أحد عن شيخ إلا وإذا سألته -يعني ذلك الشيخ- يأتي بخلاف ما حدث عنه ما خلا سفيان الثوري، فإنه لم يحدثني عن شيخ إلا وإذا سألته وجدته على ما قال سفيان" (١)
٢) الرحلة: وذلك من أجل تتبع الحديث الواحد، والرجوع إلى مصدر الخبر للأمن من كذب الراوي أو تدليسه أو غلطه. ولعل رحلة شعبة إلى مكة ثم إلى المدينة ثم البصرة لتتبُّع حديث واحد، والتأكد من اتصال سنده (٢) وصحته، دليل واضح على عنايته الكبيرة بالحديث النبوي عن طريق التتبع الدقيق لرواته وفحص أحوالهم ومعرفة عدالتهم وضبطهم.
٣) اختبار الراوي: وذلك بمعاودة السماع منه مرات متعددة قصد التأكد من حفظه وضبطه وثبوته على رواية نفس الحديث، وقد كان هذا النهج أيضا من المسائل التي اعتاد عليها شعبة، فسمع مرة حديثا واحدا من طلحة بن مصرف فكان كلما مر عليه يسأله عنه، فقال له: لِمَ يا أبا بسطام؟ قال: "أردت أن أنظر إلى حفظه فإن غيّر شيئا تركته". (٣)
وقال أيضا: "ما رويت عن رجل حديثًا إلا أتيته أكثر من مرة، والذي رويت عنه عشرة، أتيته أكثر من عشر مرار". (٤)
ولذلك لم يكن يقبل الراوي الذي يلقن، قال: كانوا يقولون لسماك:
_________________
(١) تقدمة المعرفة ٦٧.
(٢) انظر المحدث الفاصل، ص ١٣١-١٣٢، والتمهيد، ١/٤٨-٤٩-٥٠.
(٣) الكفاية ١١٣.
(٤) تهذيب التهذيب ٤/٣٤٦.
[ ٢٠ ]
عكرمة عن ابن عباس؟ فيقول: نعم، فأما أنا فلم أكن ألقنه. (١)
وقد روى قتادة عن أبي الأسود الدؤلي قال: "إن سَرّك أن يكذب صاحبك فلقِّنه". (٢)
وبالإضافة إلى هذه السبل لمعرفة أحوال الرواة، كان شعبة يرد حديث من يروي ما لا يقبله العقل، قيل له: من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي ﷺ لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه يكذب (٣)، بل إن شعبة -مبالغةً في الاحتياط- اشترط في الراوي أن يرى وجه محدثه وقت التلقي، فها هو يوصي أحد تلامذته بذلك قائلا: "إذا سمعت من المحدث ولم تر وجهه، فلا ترو عنه" (٤) .
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٢/٢٣٣.
(٢) المصدر نفسه ٢/٢٣٣.
(٣) المحدث الفاصل ٣١٦.
(٤) المصدر نفسه ٥٩٩، والإلماع ص ١٣٧.
[ ٢١ ]