عناية المحدثين بالإسناد وبيان قيمته في حفظ السنة
الإسناد نعمة من الله أكرم بها أمة محمد ﷺ لحفظ سننه ونقلها محفوظة مصونة، وخصيصة فاضلة فضلت بها من دون سائر الأمم، ولم يشأ المحدثون أن يكونوا سالبين تلك النعمة الربانية، مفرطين فيها، وعدّوا الإسناد من السنن المؤكدة، بل من فروض الكفاية وعمدة الكلام وطريق النقل والقبول، قال العلامة علي القارئ في شرح النخبة: «أصل الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنّة بالغة من السنن المؤكدة بل من فروض الكفاية» (١) . وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «ولكون الإسناد يُعلم به الحديث الموضوع من غيره، كانت معرفته من فروض الكفاية» (٢) .
ولذلك اتفق أهل الحديث على أن الإسناد مطلوب في رواية السنن النبوية وشرط من شروط الالتفات إلى تلك الرواية والاعتداد بها، وأن ما خلا عن السند فهو غير معتمد، قال الإمام محمد عبد الحي اللكنوي: «وقبول الحديث الذي لا أصل له أي لا سند له ليس من شأن العاقلين، فإن بين النبي ﷺ وبين هؤلاء الناقلين مفاوز تنقطع فيها مطايا السائرين.» (٣)،وقال أيضا: «لا يقبل حديث من غير إسناد ولو نقله معتمد » (٤) .
_________________
(١) ص ١٩٤
(٢) مرقاة المفاتيح للعلامة علي القارئ، ١/٢١٨.
(٣) الأجوبة الفاضلة، هامش ص ٣٢.
(٤) المصدر نفسه، ص ٣٣.
[ ٥ ]
ولم يكتفوا بذلك، بل رفعوا من شأن الإسناد وجعلوه من الدين، فقال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء: ما شاء» (١) . وأتمّ بعض من روى هذه الكلمة المشهورة فذكرها بلفظ: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء: ما شاء، فإن قيل له: من حدّثك؟ بقي» أي بقي ساكتا مفحَما، أو بقي ساكتا منقطعا عن الكلام (٢) .
وحكى ابن خير الإشبيلي في فهرسته اتفاق العلماء على أنه لا يحل لمسلم أن يقول: قال رسول الله ﷺ: كذا، حتى يكون هذا القول مرويا ولو على أقل وجوه الروايات.» (٣)
فلا غرو إذًا أن يصبح الإسناد بالشأن والقدر اللذين أعطيا له، وأن يعدّ خصيصة فاضلة من خصائص الأمة الإسلامية أكرمها الله وخصّها بها، دون سائر الأمم كلها قديمها وحديثها.
_________________
(١) مقدمة صحيح الإمام مسلم ١/١٥، وجامع الترمذي كتاب العلل ٥/٦٩٥، والمحدث الفاصل للرامهرمزي ص ٢٠٩، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي ١/١٦، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص ٦، والتمهيد لابن عبد البر ١/٩٥.
(٢) تتبع الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة، ﵀، المواطن التي وقعت فيها هذه الزيادة في المصادر المذكورة أعلاه وفي غيرها، والتحريف الكبير الذي وقع فيها من قبل بعض النساخ أو المحققين، وذلك في كتابه النافع "الإسناد من الدين" ص ٥١ وما بعدها، وفي تحقيقه كتاب "الأجوبة الفاضلة عن الأسئلة العشرة الكاملة" للإمام محمد عبد الحي اللكنوي، حاشية ص ٣٣.
(٣) فهرست ابن خير، ص ١٦-١٧.
[ ٦ ]