نشأة علم الجرح والتعديل وتطوره:
حظيت السنة النبوية باهتمام منذ عهد الصحابة الكرام باعتبارها مصدرا تشريعيا للأحكام في العبادات والمعاملات وغيرهما، فكان حرص هؤلاء على أن لا يفوتهم حديث رسول الله ﷺ، وسمعوا من بعضهم بعضا حينما كان يفوتهم حضور المجالس النبوية. ولم يكن الأتباع أقل حرصًا من الصحابة على سماع الحديث النبوي فرحلوا إليهم ولازموهم وسمعوا منهم.
ونظرا لما جُبل عليه الإنسان من الوهم والنسيان والخطأ، وما يعتريه من حالات التغيير من النشاط والقوة إلى الضعف وكبر السن وما ينجم عن ذلك أحيانا من الذهول والنسيان، قام الصحابة وكذا كبار التابعين بنقد بعض المرويات وباستدراكات على بعض الصحابة الرواة أو التابعين عن طريق المعارضة بين الروايات المختلفة أو عرضها على القرآن الكريم أو المطالبة بالشهود
وقد بدأ ذلك في عهد مبكر جدا، ولعل أول نقل يثبت هذا الأمر هو الذي وصلنا من عهد الخليفة أبي بكر الصديق ﵁، فقد ذكر غير واحد (١) أن الجَدَّةَ جاءت إلى أبي بكر تلتمس ميراثها، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا، وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئا. ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله يعطيها السدس.
_________________
(١) انظر مثلا: الموطأ للإمام مالك في كتاب الفرائض باب ميراث الجدة. وسنن أبي داود كتاب الفرائض باب في الجدة. وجامع الترمذي كتاب الفرائض باب ميراث الجدة. وسنن ابن ماجه كتاب الفرائض ميراث الجدة. وانظر كذلك الكفاية للخطيب ص ٢٦ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/٢.
[ ١١ ]
فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة مثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر الصديق ﵁.
وقد أشار الحاكم إلى هذه القصة وقال: «وأول من وقى الكذب عن رسول الله ﷺ الصديق ﵁» (١) وقال الذهبي: "كان أبو بكر أول من احتاط في قبول الأخبار" (٢)،وقال أيضًا: "وإليه المنتهى في التحري في القول والقبول" (٣) .
وقد مضى على هذا النهج الخليفتان عمر بن الخطاب (٤)، وعلي بن أبي طالب (٥)، والسيدة عائشة (٦) وغيرهم ﵃ أجمعين. وقد ذكر الحاكم أن أبا بكر وعمر وعليا وزيد بن ثابت جرحوا وعدلوا، وبحثوا عن صحة الروايات وسقيمها (٧)
_________________
(١) المدخل في أصول الحديث ص ٣٤.
(٢) تذكرة الحفاظ ١/٢.
(٣) المصدر نفسه ١/٥.
(٤) احتاط عمر وتثبت في قبول عدد من الأحاديث انظر: صحيح البخاري كتاب الاستئذان باب التسليم والاستئذان ثلاثا. وصحيح مسلم كتاب القسامة الحديث ٣٩. وكتاب الآداب: الحديث ٣٦.وطبقات ابن سعد ٤/٢١. وتذكرة الحفاظ ١/٦.
(٥) كان الإمام علي في بعض الأحيان يستحلف من يحدثه. انظر المدخل للحاكم ص ٣٤. وتذكرة الحفاظ ١/١٠.
(٦) اشتهرت السيدة عائشة بمعرفتها الكبيرة بالأحاديث النبوية، وقد انتقدت عددا من الصحابة واستدركت عليهم وبينت أوهامهم. ومجموع ما ورد عنها في ذلك قد جمعه الإمام الزركشي في كتاب مستقل سماه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" مطبوع بتحقيق الأستاذ سعيد الأفغاني وكذلك جمع أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي البغدادي في هذا كتابا سماه "استدراك أم المؤمنين عائشة على الصحابة" ذكره ابن خير في فهرسته ص ١٧٤.
(٧) معرفة علوم الحديث للنيسابوري بتحقيق د. السيد معظم حسين ص ٥٢.
[ ١٢ ]