وهو النوعُ الرابعَ عَشَرَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:
١٦٤ - تَدْلِيسُ الِاسْنَادِ بِأَنْ يَرْوِيَ عَنْ … مُعَاصِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْهُ بِـ «أَنْ»
١٦٥ - يَأْتِي بِلَفْظٍ يُوهِمُ اتِّصَالا … كَـ «عَنْ» وَ«أَنَّ» وكذاك «قالا»
[١٦٤] (تَدْلِيسُ الِاسْنَادِ) أيِ: النوعُ المسمَّى به (بِأَنْ يَرْوِيَ) الباءُ للتصويرِ، يعني: أنَّ تدليسَ الإسنادِ مُصَوَّر بروايةِ شخصٍ (عَنْ مُعَاصِرٍ) أي: شيخٍ معاصِرٍ له، أو مُلَاقٍ (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (لَمْ يُحَدِّثْهُ) أي: ذلك المعاصِرُ، وإنَّما حدَّثَه رجلٌ آخرُ عنه (بِـ «أَنْ») أي: مع إتيانِ ذلك الراوي.
[١٦٥] (يَأْتِي بِلَفْظٍ) من ألفاظِ الأداءِ (يُوهِمُ) أي: يُوقِعُ في الوَهْمِ (اتِّصَالا) بذلك الشيخِ (كَـ «عَنْ») أي: ذلك كلفظةِ «عَنْ» (وَ«أَنَّ» وكذاك «قالا»).
وحاصلُ معنى البيتَينِ: أنَّ تدليسَ الإسنادِ هو: أن يروِيَ شخصٌ عمَّن عاصَرَه، أو لَقِيَه ما لم يسمَعْه منه، موهِمًا سماعَه، بإتيانِه بلفظٍ يوهِمُ الاتصالَ، ولا يقتضيهِ، مثلُ عن «فلانٍ» أو «أنَّ فلانًا»، أو «قال فلانٌ»، أو نحوِها.
[ ١٨٩ ]
١٦٦ - [وَقِيلَ: أَنْ يَرْوِيَ مَا لَمْ يَسْمَعِ … مِنْهُ وَلَوْ تَعَاصُرًا لَمْ يَجْمَعِ
١٦٧ - وَمِنْهُ أَنْ يُسَمِّيَ الشَّيخَ فَقَطْ … قَطْعٌ بِهِ الأَدَاةُ مُطْلَقًا سَقَطْ
[١٦٦] (وَقِيلَ): التدليسُ: (أَنْ) مصدريةٌ (يَرْوِيَ) الرجلُ عنِ الرجلِ (مَا لَمْ يَسْمَعِ) أيِ: الحديثَ الذي لم يسمَعْه (مِنْهُ)، أي: منَ المحدِّثِ، والمعنى: أنَّ التدليسَ هو: أن يروِيَ ما لم يسمَعْه بلفظٍ يُوهِمُ اتِّصالًا كـ «عن»، (وَلَوْ) كان الراوي (تَعَاصُرًا) أي: معاصرَةً مع مَن روى عنه (لَمْ يَجْمَعِ) أي: ولو لم يجمَعِ المعاصرةَ، وكُسِرَتِ العينُ فيه وفي «يسمَعِ» للوزنِ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ التدليسَ على هذا القولِ هو: أن يحدِّثَ الرجلُ عنِ الرجلِ بما لم يسمَعْه منه بلفظٍ لا يقتضي تصريحًا بالسماعِ، ولو لم يتعاصَرَا.
[١٦٧] (وَمِنْهُ) أي: من تدليسِ الإسنادِ: (أَنْ يُسَمِّيَ) الراوي (الشَّيخَ) أي: يذكُرَ اسمَ الشيخِ (فَقَطْ) أي: فحسْبُ، يعني: أنه ما ذَكَر صِيَغَ الأداءِ، (قَطْعٌ) أي: هو تدليسُ قطعٍ (بِهِ) والباءُ بمعنى «مِن» أي: من ذلك الحديثِ (الأَدَاةُ) أي: صيغةُ التحديثِ (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كان «حدَّثَنا»، أو «أخبَرَنا»، أو «عن»، أو نحوَ ذلك (سَقَطْ).
[ ١٩٠ ]
وحاصلُ معنى البيتِ: أنَّ من تدليسِ الإسنادِ: ما يُسَمَّى تدليسَ القطعِ، سمَّاه به الحافِظُ في «تصنيفِه في المدلِّسين»، وهو أن يُسْقِطَ أداةَ الروايةِ أصلًا مقتصِرًا على اسمِ شيخِه، ويفعَلُه أهلُ الحديثِ كثيرًا.
١٦٨ - وَمِنْهُ عَطْفٌ، وَكَذَا أَنْ يَذْكُرَا … «حَدَّثَنَا» وَفَصْلُهُ الاِسْمَ طَرَا]
[١٦٨] (وَمِنْهُ عَطْفٌ) أي: ومن تدليسِ الإسنادِ: «تدليُس عطفٍ»: وهو أن يروِيَ عن شيخَين من شيوخِه ما سَمِعاه من شيخٍ اشتَرَكا فيه، ويكونُ قد سمِعَ من أحدِهِما دونَ الآخَرِ؛ فيصرِّحُ عنِ الأولِ بالسماعِ، ويَعطِفُ الثانيَ عليه، فيُوهِمُ أنَّه حدَّث عنه بالسماعِ أيضًا، وإنَّما حدَّث بالسماعِ عنِ الأولِ، (وَكَذَا) أي: مثلُ ما تقدَّم من تدليسِ القطعِ، والعطفِ: (أَنْ) مصدريةٌ (يَذْكُرَا) أيِ: الراوي، والألِفُ إطلاقيةٌ («حَدَّثَنَا») أي: لفظُ «حدَّثَنا»، (وَفَصْلُهُ) أي: فصلُ الراوي (الاِسْمَ) أيِ: اسمِ الشيخِ (طَرَا) بقلبِ الهمزةِ ألِفًا للوقفِ، أي: وَقَع، والتقديرُ: ومثلُ ما تقدَّم منَ الأنواعِ: ذِكرُ الراوي ألفاظَ الأداءِ، والحالُ أنَّ فصْلَه اسمَ الشيخِ عن صيغِ الأداءِ طارئٌ؛ بأن يسكُتَ بعدَ ذكرِ الأداةِ، ثم يذكُرُ اسمَ الشيخِ.
[ ١٩١ ]
١٦٩ - وَكُلُّهُ ذَمٌّ، وَقِيلَ: بَلْ جَرَحْ … فَاعِلَهُ، وَلَوْ بِمَرَّةٍ وَضَحْ
١٧٠ - وَالْمُرْتَضَى قَبُولُهُمْ إِنْ صَرَّحُوا … بِالْوَصْلِ فَالأَكْثَرُ هَذَا صَحَّحُوا
[١٦٩] (وَكُلُّهُ) أي: جميعُ أنواعِ التدليسِ (ذَمٌّ) أي: ذمَّه العلماءُ، (وَقِيلَ) أي: قال فريقٌ من أهلِ الحديثِ: (بَلْ) للإضرابِ الانتقاليِّ (جَرَحْ فَاعِلَهُ) أي: جَرَحَ التدليسُ فاعلَه، (وَلَوْ) للتقليلِ (بِمَرَّةٍ) واحدةٍ (وَضَحْ) أي: ظَهَر التدليسُ.
[١٧٠] (وَالْمُرْتَضَى) أيِ: القولُ المرضيُّ من أقوالِ العُلماءِ في المُدَلِّسين، (قَبُولُهُمْ) أي: قبولُ العلماءِ حديثَ المدلِّسين (إِنْ) شرطيةٌ (صَرَّحُوا) أيِ: المدلِّسون فيما رَوَوه (بِالْوَصْلِ) أي: بكونِ ما رَوَوه موصولًا بالسماعِ؛ بأن قالوا: «سَمِعتُ»، أو «حدَّثَنا»، أو «أخبَرَنا»، أو نحوَها؛ (فَالأَكْثَرُ) من أئمةِ الحديثِ، والفقهِ، والأصولِ (هَذَا صَحَّحُوا) أي: صحَّحَ أكثرُ العلماءِ هذا القولَ المُفَصلَ.
[ ١٩٢ ]
١٧١ - [وَمَا أَتَانَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِـ «عَنْ» … فَحَمْلُهُ عَلَى ثُبُوتِهِ قَمَنْ]
١٧٢ - وَشَرُّهُ [«التَّجْوِيدُ»] وَالتَّسْوِيَةُ … [إِسْقَاطُ غَيْرِ شَيْخِهِ وَيُثْبِتُ
١٧٣ - كَمِثْلِ «عَنْ» وَذَاكَ قَطْعًا يَجْرَحُ] … وَدُونَهُ تَدْلِيسُ شَيْخٍ يُفْصِحُ
[١٧١] (وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (أَتَانَا) أي: وَصَل إلينا عنِ المدلِّسين (فِي الصَّحِيحَيْنِ) أي: حالَ كونِه في كتابيِ البخاريِّ ومسلمٍ (بِعَنْ) أي: حالَ كونِه مرويًّا بصيغةٍ تحتمِلُ السماعَ وعدَمَه كـ «عن» ونحوِها؛ (فَحَمْلُهُ) أي: حمْلُ ذلك الحديثِ (عَلَى ثُبُوتِهِ) أي: ثبوتِ ذلك الحديثِ بالسماعِ له من جهةٍ أخرى (قَمَنْ) أي: حقيقٌ.
[١٧٢] (وَشَرُّهُ «التَّجْوِيدُ») أي: شرُّ أقسامِ التدليسِ: النوعُ المسمَّى عندَ المتقدِّمين بالتجويدِ، (وَ) هو (التَّسْوِيَةُ)؛ فالتجويدُ والتسويةُ اسمانِ لمسمًّى واحدٍ (إِسْقَاطُ) أي: هو إسقاطُ (غَيْرِ شَيْخِهِ) أي: حذفُ الراوي منَ السندِ غيرَ شيخِه، كشيخِ شيخِه، أو مَن فوقَه؛ لكونِه ضعيفًا، أو صغيرًا (وَيُثْبِتُ) أي: وهو يُثبِتُ.
[١٧٣] (كَمِثْلِ «عَنْ») أي: لفظًا محتمِلًا للسماعِ كـ «عن» ونحوِها؛ فالكافُ زائدةٌ.
[ ١٩٣ ]
وحاصلُ المعنى: أنَّ أفحشَ أنواعِ التدليسِ: ما يسمَّى بالتجويدِ والتسويةِ، وصورتُه -كما قال العراقيُّ -﵀-: أن يروِيَ حديثًا عن شيخٍ ثقةٍ، وذلك يرويه عن ضعيفٍ، عن ثقةٍ؛ فيأتي المدلِّسُ الذي سَمِع الحديثَ منَ الثقةِ الأولِ، فيُسقِطُ الضعيفَ الذي في السندِ، ويجعَلُ الحديثَ عن شيخِه الثقةِ، عنِ الثقةِ الثاني، بلفظٍ محتمِلٍ؛ فيستوي الإسنادُ كلُّه ثقاتٌ.
ثم قال -﵀-: (وَذَاكَ) أيِ: التجويدُ والتسويةُ (قَطْعًا) أي: مقطوعًا به بين العلماءِ، يعني: أنه لا خِلافَ فيه (يَجْرَحُ)، واسمُ الإشارةِ عائدٌ على المُجَوِّدِ.
(وَدُونَهُ) أي: دونَ تدليسِ الإسنادِ بأنواعِه (تَدْلِيسُ شَيْخٍ) من شيوخِ الراوي (يُفْصِحُ) أي: يُبَيَّن ويُذكَرُ ذلك الشيخُ.
١٧٤ - بِوَصْفِهِ بصِفَةٍ لا يُعْرَفُ … فَإِنْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ يُضَعَّفُ
[١٧٤] (بِوَصْفِهِ) الباءُ بمعنى «مع»، أي: مع وصْفِه (بصِفَةٍ) من صفاتِه (لا يُعْرَفُ) بها بين الناسِ (فَإِنْ يَكُنْ) أيِ: التدليسُ؛ (لِكَوْنِهِ) أي: ذلك الشيخِ (يُضَعَّفُ) أي: يُنسَبُ إلى الضعفِ.
[ ١٩٤ ]
١٧٥ - [فَقِيلَ: جَرْحٌ] أَوْ لِلاسْتِصْغَارِ … فَأَمْرُهُ أَخَفُّ كَاسْتِكْثَارِ
١٧٦ - [وَمِنْهُ إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا … اسْمَ مُسَمًّى آخَرٍ تَشْبِيهَا]
[١٧٥] (فَقِيلَ) أي: قال بعضُهم: هذا (جَرْحٌ) أي: جارِحٌ فاعِلَه، أو مجروحٌ فاعِلُه، وهذا القولُ لابنِ الصَّبَّاغِ -﵀-.
(أَوْ) يكونُ التدليسُ (لِـ) أجلِ (الاسْتِصْغَارِ) أي: عَدِّ المرويِّ عنه صغيرَ السنِّ؛ (فَأَمْرُهُ) أي: شأنُ هذا التدليسِ، وحُكْمُه (أَخَفُّ) أي: أسهَلُ ممَّا قبْلَه (كَاسْتِكْثَارِ) أي: كما يكونُ أخفَّ إذا كان الحامِلُ له على ذلك استكثارَ الشيوخِ.
[١٧٦] (وَمِنْهُ) أي: من تدليسِ الشيوخِ: (إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا) أي: في الأسانيدِ (اسْمَ مُسَمًّى آخَرٍ) صفةٌ لـ «مُسَمًّى»، وصُرِف للضرورةِ، أي: إعطاءُ شيخٍ من شيوخِ الإسنادِ اسمَ شخصٍ آخرَ، وذلك الشخصُ مشهورٌ (تَشْبِيهَا) أي: لأجلِ تشبيهِ ذلك الشيخِ بذلك الشخصِ المشهورِ.
[ ١٩٥ ]