وهو النوع الثاني من أنواع علوم الحديث:
٧٥ - المُرْتَضَى فِي حَدِّهِ مَا اتَّصَلا … بِنَقْلِ عَدْلٍ قَلَّ ضَبْطُهُ وَلا
٧٦ - شَذَّ وَلا عُلِّلَ [وَلْيُرَتَّبِ … مَرَاتِبًا] والِاحْتِجَاجِ يَجْتَبِي
[٧٥] (المُرْتَضَى) أي: القَولُ المَرضيُّ منَ الأقوالِ التي ذُكِرت (فِي حَدِّهِ) أي: تعريفِ الحَسَنِ: ما قاله شيخُ الإسلامِ تقيُّ الدينِ الشُّمُنِّيُّ بضمِّ الشينِ وتشديدِ النونِ، وهو: (مَا اتَّصَلا) بألفِ الإطلاقِ، أي: خبرٌ متَّصلٌ سندُه (بِنَقْلِ عَدْلٍ) أي: مع عدالةِ الناقلِ (قَلَّ ضَبْطُهُ) أي: قليلُ الضبطِ صَدرًا، أو كتابةً (وَلا).
[٧٦] (شَذَّ) أي: وليس حديثًا شاذًّا (وَلا عُلِّلَ) أي: وليس مُعلَّلًا بعلةٍ قادِحةٍ، ثمَّ أشار إلى أنَّ للحسَنِ مراتبَ كالصحيحِ؛ فقال: (وَلْيُرَتَّبِ) أي: الحَسَنُ (مَرَاتِبًا) بالصَّرفِ للضَّرورةِ، أي: على مراتِبَ … ثمَّ ذَكَر حُكْمَه؛ فقال: (والاِحْتِجَاجِ) أي: جَعْلَ الحديثِ الحسنِ حُجةً في الأحكامِ وغيرِها (يَجْتَبِي).
[ ١٤١ ]
٧٧ - اَلْفُقَهَا وَجُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ … فَإِنْ أَتَى مِنْ طُرْقٍ أُخْرَى يَنْمِي
٧٨ - إِلَى الصَّحِيحِ، أَيْ لِغَيْرِهِ، كَمَا … يَرْقَى إِلَى الحُسْنِ الَّذِي قَدْ وُسِمَا
٧٩ - ضَعْفًا لِسُوءِ الحِفْظِ [أَوْ إِرْسَالٍ أْوْ … تَدْلِيسٍ أْوْ جَهَالَةٍ] إِذَا رَأَوْا
[٧٧] (اَلْفُقَهَا) أي: يختارُه الفُقَهاءُ، (وَجُلُّ) أي: مُعظَمُ (أَهْلِ الْعِلْمِ) منَ المُحدِّثين والأُصوليِّين؛ (فَإِنْ أَتَى) الخبَرُ الحسَنُ (مِنْ طُرْقٍ) بسُكونِ الراءِ: جمعُ طريقٍ (أُخْرَى) أي: من جهةٍ أخرى ولو واحدةً (يَنْمِي) يرتفِعُ من درجةِ الحُسنِ.
[٧٨] (إِلَى) درجةِ (الصَّحِيحِ)، لكِنْ لمَّا كان الصحيحُ له قِسمانِ: صحيحٌ لذاتِه، وصحيحٌ لغَيرِه، والحَسنُ إنَّما يرتفِعُ إلى الصَّحيحِ لغيرِه - بَيَّن ذلك بـ «أيِ» التَّفسيريةِ؛ فقال: (أَيْ لِغَيْرِهِ) أيِ: الصَّحيحِ لغَيرِه، (كَمَا يَرْقَى) بسببِ المُتابعةِ (إِلَى) درجةِ ذِي (الحُسْنِ) -ويُسمَّى: الحَسَنَ لغَيرِه- الحديثُ (الَّذِي قَدْ وُسِمَا) أي: عُلِّمَ.
[٧٩] (ضَعْفًا) أي: بضَعفٍ، يعني: أنَّه شُهِرَ بكَوِنه ضعيفًا (لـ) أجلِ
[ ١٤٢ ]
(سُوءِ الحِفْظِ) من رَاويهِ الصَّدوقِ؛ فإذا جاء من وجهٍ آخرَ زال ضَعْفُه (أَوْ) وُسِم بضَعفِه لأجلِ (إِرْسَالٍ) أي: كان ضَعْفُه لوُجودِ إرسالٍ في سَنَدِه؛ فإذا جاء من وجهٍ آخرَ فإنَّه يزولُ ضَعْفُه، ويَكونُ حَسَنًا لغيرِه، (أْوْ) كان ضَعفُه لأجلِ (تَدْلِيسٍ) مِن راويهِ، (أْوْ) ضُعِّفَ لأجلِ (جَهَالَةٍ) رجالِ الإسنادِ (إِذَا رَأَوْا) أي: المُحدِّثون.
٨٠ - مَجِيئَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَمَا … كَانَ لِفِسْقٍ اْوْ يُرَى مُتَّهَمَا
٨١ - [يَرْقَى عَنِ الإِنْكَارِ بِالتَّعَدُّدِ … بَلْ رُبَّمَا يَصِيرُ كَالَّذِي بُدِي
[٨٠] (مَجِيئَهُ) أيِ: الحديثِ الذي وُسِمَ بالضَّعفِ (مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَمَا كَانَ) أي: الحديثِ الذي كان ضَعفُه (لِفِسْقٍ) في راويهِ، (اْوْ يُرَى) أي: يُظَنُّ راويهِ (مُتَّهَمَا) بالكذبِ.
[٨١] (يَرْقَى عَنِ الإِنْكَارِ) أي: عن كونِه مُنكَرًا، أو لا أصلَ له (بِالتَّعَدُّدِ) أي: بسببِ تعدُّدِ طُرُقِه، (بَلْ رُبَّمَا) كثرةُ الطُّرقِ حتى أوصلَتْه إلى درجةِ المَستورِ والسيئِ الحفظِ؛ بحيثُ إذا وُجِد له طريقٌ آخَرَ (يَصِيرُ) بمَجموعِ ذلك (كَالَّذِي بُدِي) أي: كالحسنِ.
[ ١٤٣ ]
٨٢ - وَالْكُتُبُ الأَرْبَعُ ثَمَّتَ السُّنَنْ … لِلدَّارَقُطْنِيْ مِنْ مَظِنَّاتِ الحَسَنْ]
٨٣ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ كِتَابِهْ … ذَكَرْتُ مَا صَحَّ وَمَا يُشَابِهْ
[٨٢] (وَالْكُتُبُ الأَرْبَعُ) التي هي السُّننُ الأربَعُ للأئمةِ الأربعةِ: أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيِّ، وابنِ ماجهْ (ثَمَّتَ) بمعنى الواوِ؛ لأنَّه لا ترتيبَ يُرادُ هنا، (السُّنَنْ) بالضَّمِّ: جَمعُ سنةٍ، وهي الطَّريقةُ (لِـ) لإمامِ شيخِ الإسلامِ حافِظِ الزمانِ، أبي الحسنِ عليِّ بنِ عُمرَ بنِ أحمدَ بنِ مهديٍّ البغداديِّ (الدَّارَقُطْنِيْ) بفتحِ الراءِ وضمِّ القافِ وسُكونِ الطاءِ: نسبةٌ إلى «دارَ قطن» مَحِلَّةٌ ببَغدادَ كبيرةٌ، (مِنْ مَظِنَّاتِ الحَسَنْ) جمْعُ «مظِنَّةٍ» بكَسرِ الظَّاءِ.
[٨٣] (قَالَ) الإمامُ الحافِظُ الحُجَّةُ (أَبُو دَاوُدَ) سُلَيمانُ بنُ الأشعثِ بنِ إسحاقَ بنِ بَشيرِ بنِ شدَّادِ بنِ عمرٍو الأزديُّ السِّجِسْتانيُّ (عَنْ كِتَابِهْ) أي: مُبيِّنًا عن شأنِ كتابِه «السُّننِ»: (ذَكَرْتُ) فيه (مَا صَحَّ) أيِ: الحديثَ الصحيحَ (وَمَا يُشَابِهْ) أي: يشابِهُ الصحيحَ.
[ ١٤٤ ]
٨٤ - وَمَا بِهِ وَهْنٌ أَقُلْ وَحَيْثُ لا … فَصَالِحٌ، فَابْنُ الصَّلاحِ جَعَلا
٨٥ - مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ وَلا صَحَّ حَسَنْ … لَدَيْهِ [مَعْ جَوَازِ أَنَّهُ وَهَنْ]
[٨٤] وقال أبو داودَ أيضًا: (وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (بِهِ) أي: فيه (وَهْنٌ) أي: ضعفٌ شديدٌ؛ فالتنوينُ للتعظيمِ (أَقُلْ) أي: أُبَيِّنُ، وجَزْمُه للضَّرورةِ، (وَحَيْثُ لا) أذكُرُ فيه شيئًا (فَـ) هو (صَالِحٌ) للاحتِجاجِ به، (فَا) لإمامُ أبو عمرِو (ابْنُ الصَّلاحِ) -﵀- (جَعَلا) بألفِ الإطلاقِ.
[٨٥] (مَا) أيِ: الحديثَ الذي (لَمْ يُضَعِّفْهُ) أبو داودَ في «سُنَنِه»، (وَلا صَحَّ) عند غيرِه من المُعتمَدين الذين يُميِّزون بين الصحيحِ والحَسنِ: (حَسَنْ) وَقَف عليه بالسكونِ على لُغةِ رَبيعةَ، (لَدَيْهِ) أي: عندَ أبي داودَ (مَعْ) بسكونِ العينِ: لغةٌ في فتحِها (جَوَازِ) أي: احتمالِ (أَنَّهُ) أي: ما سَكَت هو عليه (وَهَنْ) بفتحِ الواوِ والهاءِ، أي: مع احتمالِ ضَعفِه عندَ غيرِه.
[ ١٤٥ ]
٨٦ - فَإِنْ يَقُلْ: قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ لَهْ … [قُلْنَا: احْتِيَاطًا حَسَنًا قَدْ جَعَلَهْ]
٨٧ - فَإِنْ يَقُلْ: فَمُسْلِمٌ يَقُولُ: لا … يَجْمَعُ جُمْلَةَ الصَّحِيحِ النُّبَلا
[٨٦] (فَإِنْ يَقُلْ) أي: فإنْ قال قائلٌ معتَرِضًا على ابنِ الصلاحِ؛ كما أبداهُ ابنُ رُشَيدٍ: (قَدْ يَبْلُغُ) ما سَكَت عنه أبو داودَ (الصِّحَّةَ لَهْ) أي: لأبي داودَ، أي: عندَه، وإنْ لم يكُنْ صحيحًا عند غيرِه؛ فكيف يقتصِرُ ابنُ الصلاحِ على الحُكمِ بحُسْنِه فقطْ؟ (قُلْنَا) جوابًا على اعتِراضِه (احْتِيَاطًا) أي: لأجلِ احتِياطِه: (حَسَنًا قَدْ جَعَلَهْ) ابنُ الصلاحِ -﵀-؛ إذ الصالِحُ للاحتِجاجِ لا يَخرُجُ عنِ الصَّحِيحِ والحسَنِ، ولا يَرتَقي إلى الصِّحَّةِ إلَّا بنصٍّ؛ وحينئذٍ فالاحتِياطُ الاقتِصارُ على الحُسنِ.
[٨٧] (فَإِنْ يَقُلْ) أي: إنْ قال قائلٌ -معترضًا عليه، كما أبداه ابنُ سيِّدِ الناسِ اليَعمُريُّ-: (فَمُسْلِمٌ) صاحِبُ الصحيحِ (يَقُولُ) في «مُقدِّمةِ صَحيحِه» ما معناه: (لا يَجْمَعُ جُمْلَةَ) الحديثِ (الصَّحِيحِ) أي: كلَّ ما صحَّ عن رسولِ اللهِ -ﷺ- (النُّبَلا) بضمٍّ ففتحٍ: جمعُ نَبِيلٍ، وهو الذَّكاءُ والنَّجابةُ.
[ ١٤٦ ]
٨٨ - فَاحْتَاجَ أَنْ يَنْزِلَ لِلْمُصَدَّقِ … وَإِنْ يَكُنْ فِي حِفْظِهِ لا يَرْتَقِي
٨٩ - هَلاَّ قَضَى فِي الطَّبَقَاتِ الثَّانِيَهْ … بِالحُسْنِ مِثْلَ مَا قَضَى فِي المَاضِيَهْ
[٨٨] (فَاحْتَاجَ) الإمامُ مسلمٌ (أَنْ يَنْزِلَ) أيِ: إلى النزولِ (لِلْمُصَدَّقِ) أي: لتخريجِ أحاديثِ الرجلِ المَنسوبِ إلى الصدقِ، (وَإِنْ يَكُنْ) ذلك المُصَدَّقُ (فِي حِفْظِهِ) وإتقانِه للحديثِ، متعلِّقٌ بقولِه: (لا يَرْتَقِي) إلى درجةِ أولئك النُّبَلاءِ.
[٨٩] (هَلَّا قَضَى) ابنُ الصَّلاحِ (فِي) بمعنى «على»، أي: على أحاديثِ (الطَّبَقَاتِ الثَّانِيَهْ) وهي التي لا تَرتقي في الحفظِ إلى درجةِ النبلاءِ (بِالحُسْنِ مِثْلَ مَا قَضَى) أي: مثلَ قضائِه (فِي المَاضِيَهْ) أي: على الحالةِ الماضيةِ، وهي التي سَكَت عنها أبو داودَ.
وحاصِلُ كلامِ المُعترِضِ: أنَّ عَمَلَ أبي داودَ شبيهٌ بعملِ مُسلمٍ؛ فهلَّا ألزَمَ الشيخُ ابنُ الصلاحِ مُسلِمًا من ذلك ما ألزَمَه أبا داودُ؛ لاتِّحادِ معنَى كلامَيهِما؟
[ ١٤٧ ]
٩٠ - [أَجِبْ بِأَنَّ مُسْلِمًا فِيهِ شَرَطْ … مَا صَحَّ فَامْنَعْ أَنْ لِذِي الحُسْنِ يُحَطْ]
٩١ - فِإِنْ يُقَلْ: فِي السُّنَنِ الصِّحَاحُ مَعْ … ضَعِيفِهَا وَالبَغَوِيُّ قَدْ جَمَعْ
٩٢ - مَصَابِحًا وَجَعَلَ الحِسَانَ مَا … فِي سُنَنٍ [قُلْنَا: اصْطِلاحٌ يُنْتَمَى]
[٩٠] (أَجِبْ) أيُّها المُحدِّثُ (بِأَنَّ مُسْلِمًا) -﵀- (فِيهِ) أي: في كتابِه (شَرَطْ) أيِ: الْتزَمَ تخريجَ (مَا صَحَّ) من الحديثِ؛ (فَامْنَعْ) أيُّها النِّحْريرُ، الطَّالبُ للتَّحريرِ (أَنْ لِذِي الحُسْنِ) أي: لدرجةِ حديثِ صاحِبِ الحُسنِ، متعلِّقٌ بقَولِه: (يُحَطْ) أي: امنَعْ حَطَّ حديثِه إلى درجةِ الحديثِ الحَسَنِ.
[٩١] (فِإِنْ يُقَلْ) أي: قال قائلٌ اعتِراضًا على صنيعِ البغويِّ (فِي السُّنَنِ) الأربعِ وأشباهِهَا (الصِّحَاحُ) بكسرِ الصادِ: جمعُ صحيحٍ، أيِ: الأحاديثُ الصحيحةُ، وكذا الحِسانُ (مَعْ ضَعِيفِهَا) أيِ: الأحاديثِ، بل وفيها المُنكَرُ أيضًا (وَالبَغَوِيُّ) مُحيِي السُّنَّةِ الفقيهُ المُجتهِدُ أبو مُحمَّد الحُسَينُ بنُ مَسعودِ بنِ مُحمَّدٍ الفَرَّاءُ (قَدْ جَمَعْ) كتابًا في الحديثِ سمَّاه.
[٩٢] (مَصَابِحًا) بحذفِ الياءِ تخفيفًا؛ لأنَّه جَمْعُ مِصباحٍ، وهو السِّراجُ، واسمُ الكتابِ الكاملُ «مَصابيحُ السُّنَّةِ»، (و) قَسَّمَ أحاديثَه إلى صحاحٍ وحِسانٍ؛ فجَعَل الصِّحاحَ ما في «الصَّحِيحينِ»، أو أحدِهِما، (وَجَعَلَ الحِسَانَ مَا) أيِ:
[ ١٤٨ ]
الأحاديثَ التي (فِي سُنَنٍ) لأبي داودَ، والترمذيِّ، وأشباهِهِما؛ فَاعْتُرِضَ عليه في ذلك - (قُلْنَا) مُجيبِين عن هذا الِاعتراضِ: إنَّ هذا (اصْطِلاحٌ يُنْتَمَى) أي: يُنسَبُ إليه خاصَّةً في هذا الكتابِ.
٩٣ - يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ أَقْوَى مَا وَجَدْ … ثُمَّ الضَّعِيفَ حَيْثُ غَيْرَهُ فَقَدْ
٩٤ - وَالنَّسَئِي مَنْ لَمْ يَكُونُوا اتَّفَقُوا … تَرْكًا لَهُ [وَالآخِرُونَ ألْحَقُوا
[٩٣] (يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ) في «سُنَنِه» (أَقْوَى مَا وَجَدْ) بالبناءِ للفاعِلِ، أي: أصحَّ ما وَجَبَ قَبولُه منَ الأحاديثِ إذا وَجَده، (ثُمَّ) يروي (الضَّعِيفَ) منها مِن قِبَلِ سوءِ حِفظِ راويهِ ونحوِ ذلك، لا مُطلَقَ الضَّعيفِ؛ (حَيْثُ غَيْرَهُ) أيِ: الضَّعيفَ (فَقَدْ) أي: حيثُ لم يَجِدِ الأقوَى المَذكورَ.
ثم ذَكَر شرْطَ النسائيِّ في الأصلِ؛ فقال:
[٩٤] (وَ) الإمامُ الحافظُ الحجةُ أبو عبدِ الرحمنِ أحمدُ بنُ شُعيبِ بنِ عليِّ بن سِنانِ بنِ بَحرٍ الخُراسانيُّ (النَّسَئِي) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ: نِسبةٌ إلى نَسَأٍ، وهي بَلدةٌ بخُراسانَ، كان -﵀- لا يَقتصِرُ في التَّخريجِ على المُتَّفقِ على قَبولِهم؛ بل يُخرِجُ حديثَ (مَنْ لَمْ يَكُونُوا) أي: أئمةُ الحديثِ (اتَّفَقُوا تَرْكًا لَهُ) أي: على تَركِه، (وَالآخِرُونَ) بكسرِ الخاءِ، أي: المُحدِّثون المُتأخِّرون عن زمانِ مَن جَعَل الأُصولَ خمسةً (ألْحَقُوا بِـ) الأصولِ.
[ ١٤٩ ]
٩٥ - بِالْخَمْسَةِ ابْنَ مَاجَهٍ، قِيلَ: وَمَنْ … مَازَ بِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمُ وَهَنْ]
٩٦ - تَساهَلَ الَّذِي عَلَيْهَا أَطْلَقَا … صَحِيحَةً [وَالدَّارِمِيْ وَالْمُنْتَقَى]
[٩٥] (الْخَمْسَةِ) الصَّحيحَينِ، وأبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيِّ و(ابْنَ مَاجَهٍ) بسُكونِ الهاءِ وصلًا ووقْفًا، وَنَوَّنَهُ هنا للضرورةِ، أي: سُنَنَ الحافظِ أبي عبدِ الله مُحمَّدِ بنِ يزيدَ ابنِ ماجهْ القَزْوينيِّ الرَّبَعِيِّ، (قِيلَ: وَمَنْ مَازَ بِهِمْ) أيِ: الرواةُ الذين امتازَ بهم ابنُ ماجهْ عن غيرِه، أي: انفَرَد بإخراجِ أحاديثِهِم؛ (فَإِنَّ فِيهِمُ وَهَنْ) بفَتحَتَين، أي: ضَعْفًا، ثم ذَكَر تَساهُلَ مَن أطلَقَ على السُّننِ الصَّحيحةَ، فقال:
[٩٦] (تَساهَلَ الَّذِي) أيِ: المُحدِّثُ الذي (عَلَيْهَا) أيِ: السُّنَنِ كُلِّها، أو بعضِها (أَطْلَقَا) بألفِ الإطلاقِ (صَحِيحَةً) أي: هذه الصيغةَ، كالحاكمِ، والخطيبِ؛ حيث أطلقَا الصِّحَّةَ على الترمذيِّ، وابنِ السَّكَنِ على كتابِ أبي داودَ والنسائيِّ، والحاكِمِ على أبي داودَ، وجماعةٍ -منهم أبو عليٍّ النَّيسابوريُّ، وأبو أحمَدَ بنِ عَدِيٍّ، والدَّارقُطنيِّ والخطيبِ- على كتابِ النسائيِّ، (وَ) كذا تساهَلَ مَن أطلَقَ اسمَ الصِّحةِ على كتابِ الحافظِ أبي مُحمَّدٍ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ (الدَّارِمِيْ) نسبةً إلى دارِمِ ابنِ مالكٍ، بطنٍ كبيرٍ من تميمٍ، (وَ) كذا تساهَلَ مَن أطلَقَ اسمَ الصَّحيحِ على كتابِ الإمامِ الحافِظِ أبي مُحمَّدٍ
[ ١٥٠ ]
عبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ الجارُودِ النَّيسابوريِّ المُجاوِرِ بمَكَّةَ، المُسمَّى بـ (الْمُنْتَقَى) في الأحكامِ.
تنبيهٌ: يَحتمِلُ عطْفُ قولِه «والدَّارِمِي» و«المُنتقَى» على قَولِه: «ابنَ ماجَهٍ» أيْ: ألْحَقَ بعضُ المُتأخِّرين بالأصولِ الخمسةِ سننَ الدارمِيِّ، والمُنتقَى، وهو الذي ذَكَره الشارحُ التِّرمِسيُّ؛ لكِنَّ الأوَّلَ أوضَحُ.
ولمَّا أنهى الكلامَ على السُّننِ شَرَع يُبيِّنُ دَرجةَ المَسانيدِ؛ فقال:
٩٧ - وَدُونَهَا مَسَانِدٌ [وَالْمُعْتَلِيْ … مِنْهَا الَّذِي لِأَحْمَدٍ وَالحَنْظَلِيْ]
[٩٧] (وَدُونَهَا) أي: الأُصولِ الخمسةِ (مَسَانِدٌ) جمعُ مسندٍ، (وَالْمُعْتَلِيْ) أي: المُسندِ العالِي رتبةً (مِنْهَا) من تلك المسانيدِ (الَّذِي) أي: المُسندُ الذي (لـ) لإمامِ الحُجَّةِ أبي عبدِ اللهِ (أَحْمَدٍ) صُرِفَ للضرورةِ ابنِ مُحمَّدِ بنِ حَنبلٍ الشَّيبانيِّ، (وَ) المُسندُ الذي للحافِظِ الحُجَّةِ أبي يَعقوبَ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ بنِ مَخلَدِ بنِ إبراهيمَ بنِ مُطرِّفٍ المَعروفِ بابنِ رَاهَوَيهِ التَّميميِّ (الحَنْظَلِيْ) المَروَزيِّ النَّيسابُوريِّ.
[ ١٥١ ]